الخميس، 15 يناير، 2015

هيفاء زنكنة تكتب : لماذا لم أحضرمظاهرة شارلي أيبدو؟

سار في المظاهرة، يوم الأحد الماضي، آلاف الناس العاديين، استنكارا وأدانة، لجريمة الهجوم عليك. كنا، نحن الناس العاديين من البلاد العربية والأسلامية، المستنكرين لجريمة القتل، نريد ان نكون معهم، مهما كان سبب الجريمة، حتى بدعوى الرد على إهانات دينية، وحتى لو كان مقترفو الجريمة أنفسهم لا يهمهم أن يموتوا، معتقدين أنهم بالقتل يدافعون عن كرامة النبي (كما يقال لنا اعلاميا)، كما في الحروب الدينية القديمة. ولكن، كان على رأس مظاهرة الناس العاديين قادة ومسؤولي 50 دولة، ضمائر الكثيرين منهم ملطخة بدماء شعوب أخرى، غير شعوبهم، شعوبا غريبة، تقطن بلدانا يبذلون كل ما لديهم لتبقى على مبعدة من مدنهم / حصونهم الأوروبية. كان على رأس المظاهرة مجرم حرب، مسؤول بشكل مباشر وبشهادات حية لاتقبل الشك، عن العديد من المجازر الوحشية، يدعى بنيامين نتنياهو، بجانبه سارعدد من المسؤولين العرب، ممن يحاولون تسويق أنفسهم كـ «اسلاميين معتدلين» بينما يدوسون بأحذيتهم على بطون شعوبهم ويتراكضون خانعين لحماية سادتهم من المحتلين وتجار السلاح. فهل للاستبداد والجرائم الجماعية دين؟ 
القادة العرب، المسلمون، يرددون، ظاهريا، بصوت عال، كما أسيادهم، ان «الأسلام المتطرف» بالتحديد، هو سبب كل الجرائم التي باتت تسمى «الأرهاب» بينما يتهامسون فيما بينهم، كما سادتهم، ان ألاسلام هو الارهاب. وكأن الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي سبب قتل ما يزيد على المليون عراقي، بفترة زمنية قياسية، كان مسلما شن حربه لكي يدافع عن الأسلام وسمعة النبي. وكأن نتنياهو، الذي يستحم يوميا بدماء الفلسطينيين، انما يفعل ذلك دفاعا عن «الدولة الأسلامية». 
بات المسلمون، حتى من كان منهم ملحدا أو مسلما كحامل لموروث ثقافي، يشعرون بحاجة ماسة لا الى ادانة جريمة قتل ابرياء بل الى كتابة بيانات وتصريحات ومقالات لأعلان براءتهم من الأسلام أوالدفاع عن أنفسهم ونوعية أسلامهم وان كان بين ضحايا الجريمة مسلمون. أنهم يعلنون براءتهم، أيضا، من معاداة السامية بعد ان هضموا الاعلام الصهيوني المتسلل الى دواخلهم لينسيهم انهم، انفسهم، من الملة السامية. فكيف يعادون أنفسهم؟
اقول معذرة شارلي ايبدو لأننا لم نشارك/ أشارك بمظاهرتك، مع الناس العاديين وليس الحكام، لأن القضايا الانسانية ليست ملكا للحكام والمستبدين مهما أدعوا. لم نحضر/ أحضر على الرغم من احساسنا بالغضب على الجريمة وعبثية الموت المجاني، لأننا كنا مشغولين بحضور مجالس عزاء أخرى، وما أكثرها في بلادنا. لأننا نقضي معظم وقتنا، قدراتنا مستهلكة، ونحن نحاول (لا أكثر من محاولة) لوضع حد لعبثية موت مجاني، من نوع لايختلف كثيرا في جوهره عما حدث لك، لكنه يختلف عددا ونوعا وتهديدا. الموت المجاني الذي اتحدث عنه، هو فعل أجرامي مستمر منذ عقود وليس في الأفق ما يشير الى قرب انتهائه.
هل أعدد من بين اسباب عدم حضورنا الأنشغال بالجرح القديم المتجدد، يوميا، في فلسطين ؟ محاولة الفلسطيني الدائمة، منذ عقود، لبناء جسر ولو بثخن شعرة للوصول الى الغرب ، أملا بحل يبعد شبح التهجير والموت اليومي؟ هل نحن بحاجة الى تكرار جداول هدم القرى وقتل الشباب والأطفال الذين لم يحظوا، يوما، بمظاهرة تذكر فيها اسماؤهم؟ هل توقف الفلسطيني، يوما، عن كتابة الشعر والقصة والمسرحية والغناء والعمل الأعلامي ليبين للعالم انه حي، مسالم، يحب الحياة؟ فلم يجتمع على قتله ناتنيوهات العالم من كل الأديان وبضمنهم مسلمون؟ معذرة، فالكل، هنا، مشغولون ببناء بيوت ومستشفيات ومدارس وأجهزة اعلام غزة التي هدمها ذلك السائر على رأس المظاهرة ممسكا بأيدي شركائه، ولو صمتا، معه. 
معذرة شارلي ايبدو، لأنني مسكونة، أيضا، بالعراق. أي حزن يثير العراق ! أرض العراق مرغوبة لأنها مصدر للطاقة، وحروبه تستهوي صناع السلاح، وشعبه منهك، يقف على حافة التفتت، لأنه عاش سنوات دكتاتورية حرمته من المبادرة، وهجوم ثلاثين دولة، وحصارا جائرا وأحتلالا. وهاهو، اليوم، يقصفه تحالف أربعين أو ستين دولة (لم يعد للارقام معنى)، بينها دول عربية واسلامية، بقيادة أمريكية، لتحرق ما بقي من الأخضر ولتستنزف البقية الباقية من قوى الشعب العقلية والجسدية.
شارلي أيبدو، في الوقت الذي تنطلق فيه التظاهرة من اجلك في باريس بقيادة رؤساء ومسؤولين من دول عدة من بينها ألمانيا وبريطانيا، كشفت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، عن وفاة 16 طفلا نازحا في موجة البرد، التي اجتاحت العراق خلال الأيام الماضية. ألأعداد الواردة من منظمات انسانية تشير الى وفاة 60 طفلا. وهناك ما يزيد على المليوني نازح يعانون ظروف حياتية صعبة في العراء او في خيم لا تحميهم برد الشتاء القارس او الامطار، دون وجود اي معين لهم رغم كثرة المناشدات.
150 صحافيا و54 عاملا في المجال الأعلامي قتلوا في العراق منذ غزوه عام 2003 حتى عام 2011. حملة التصفية الطائفية مستمرة. الأعتقالات والتعذيب والاعدامات ترصع تقارير المنظمات الحقوقية الدولية. ما هو موقف الرؤساء قادة تظاهرة شارلي أيبدو؟ 
وزيرة الدفاع الألمانية تقوم بزيارة مسؤولي النظام العراقي، الطائفي، الفاسد لبحث توقيع عقود سلاح، وتعلن روسيا عن تزويده باسلحة قيمتها مليار دولار بينما تتنافس بريطانيا مع روسيا والصين على عقود السلاح. الكيان الصهيوني يستغل الحدث ليوجه الأنظار بعيدا عن جرائمه، متغنيا بالحرب ضد «الأرهاب» بصوت نتنياهو: «انها حربنا جميعاً. حرب الحرية ضد البربرية. وعلى الحرية أن تنتصر وحتى نحقق الانتصار يجب أن نقف موحدين وأن نقاتل سوية». الرئيس الأمريكي باراك اوباما، قال، هو الآخر: «نحن ندافع عن الحرية والامل والكرامة لجميع البشر». جميع البشر؟ ألم يقرأ أوباما موجز تقرير لجنة الكونغرس المنشور منذ أسابيع عن أساليب التعذيب المهينة المنحطة التي يمارسها جهاز استخباراته ضد المعتقلين وبالتعاون مع دول عربية؟ أم ان لمفاهيم الحرية والكرامة معاني تختلف باختلاف لون بشرة الشعوب؟ ماذا عن فرنسا ؟ للحرية التي تتغنى بها فرنسا شكل حرباوي . انها تساهم بحملة القصف ضد العراق تمهيدا لتقسيمه بقيادة أمريكا وبتبرع سخي من الكيان الصهيوني. ولكن، هل نحن مرآة جرائمهم؟ هل من الصحيح وضع كل الغرب في سلة واحدة؟ لا أظن ذلك. ان شعوبنا تعرف جيدا كيف تميز بين الحكام والشعوب. ربما لأننا ذقنا، طويلا، مرارة الا تمثلنا حكوماتنا خلافا لهم. ولو صح ما قيل عن مواقف شارلي أبيدو المدافعة عن المهجرين والمناهضة للعنصرية، لوجدنا ان صحافييها، أنفسهم، ما كانوا سيحضرون المظاهرة المقامة من اجلهم، لو عرفوا نوعية السياسيين الذين سيجيرونها لصالحهم. لوجدنا انهم سيحضرون مجلس العزاء الذي سنقيمه لهم مع قتلانا.
٭ كاتبة من العراق
إرسال تعليق