الجمعة، 30 يناير، 2015

بلال فضل يكتب عن «التجربة البرازيلية» في توثيق انتهاكات العسكر

دعا الكاتب والسيناريست بلال فضل المصريين إلى توثيق الجرائم والانتهاكات، أسوة بما حدث في دولة مثل البرازيل بعد انتهاء لجنة الحقيقة التي تم تشكيلها عام 2011 للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحكم العسكري للبرازيل في الأعوام من 1964 إلى 1985، بتحديد 377 مسؤولاً تورطوا في الانتهاكات في تلك الفترة، ودعت إلى محاكمتهم جنائيًا، في تحدٍ واضح لقانون العفو العام الذي صدر في ظل حكم العسكر عام 1979، ليضمن حماية مستقبلية للمسؤولين عن تلك الجرائم.
وكتب فضل في مقاله المنشور بجريدة "العربي الجديد" اليوم تحت عنوان "الذاكرة أهمّ من الذكرى": هل يوجد بيننا الآن "آبيل دي ألينكار" لا نعرفه؟ لم أنس اسم الرجل، منذ أن قرأت لكاتب الأوروجواي الكبير، إدواردو جاليانو، وهو يروي كيف كان ذلك الموظف البرازيلي البسيط يختبئ، كل ليلة، على مدى ثلاث سنوات داخل مقر عمله بجهاز الأمن العسكري بالعاصمة برازيليا، ليستنسخ أوراقاً من ملفات سرية من أرشيف الجهاز، "تسمي عمليات التعذيب تحقيقاً، والاغتيالات مواجهات مسلحة"، لينجح في نسخ مليون صفحة، أصبحت تشكل بعد سنين أخطر سجل توثيق للديكتاتورية التي لم يكن كثيرون يعلمون أن قوتها وسطوتها تخفي خلفها بداية الانهيار. خلال روايته تلك البطولة الفردية المدهشة، يروي جاليانو أن أبيل خلال بحثه بين الوثائق اكتشف وجود رسالة مكتوبة قبل 15 عاماً، مختومة بقبلة من شفتي امرأة، وكان بقاؤها في الأدراج يعني أنها لم تصل إلى من كان ينبغي أن تصل إليه، ليكتشف، بعد ذلك، مئات الرسائل التي لم تصل إلى أصحابها الذين أصبح مصيرهم مجهولاً.
ومع ذلك، فقد قرر آبيل ألا يغتال تلك الرسائل بتمزيقها أو إعادتها إلى سجن الملفات، فكان يقوم في نهاية كل ليلة بإلصاق طوابع جديدة على الرسائل، ويلقي بها في صندوق البريد، لعلها تصل إلى أصحاب النصيب، ومع أن جاليانو لا يروي لنا ما حدث للرسائل، ربما لأن أحداً لا يعرف ذلك المصير، لكننا على الأقل نعرف مصير ما قام به أبيل الذي لم يذهب جهده البطولي هباء، بدليل ما حدث، أخيراً، من خطوات حاسمة، لتقديم المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة، حتى وإن كانوا قد بلغوا من العمر عتيّاً، أو حتى فارقوا الحياة (انظر مقالاً سابقاً لي بعنوان "عدالة السماء تنزل على البرازيل") . ذكرتني قصة أبيل المدهشة بمقال مهم كتبه الأميركي، إيريك فير، أحد المحققين الذين شاركوا في عمليات الاستجواب في سجن أبو غريب، نشره عقب إصدار الكونجرس الأميركي تقريره الأخير عن تورط الأجهزة الأمنية الأميركية في التعذيب، بزعم الحفاظ على الأمن القومي، ومع أن فير ترك الخدمة، وأصبح مدرساً للكتابة الإبداعية في جامعة ليهاي، إلا أنه يحرص دائماً على توثيق تجربته في المشاركة في انتهاك حقوق الإنسان، حيث يقول، في مقاله الذي ترجمه الكاتب أحمد شافعي: "إن تجربة سجن أبو غريب ما زالت تسيطر عليّ كل دقيقة في كل يوم من أيام حياتي.. لم أزل أسمع الأصوات، ولم أزل أرى الرجال الذي كنا نسميهم المعتَقلين". لكنه أدرك أنها، في الوقت نفسه، لا تعني شيئاً لطلابه الذين ينتمون إلى جيل لا يعتبر نشر صور أبو غريب لحظة حاسمة في حياته، فهو ينتمي إلى زمن آخر لا يخصهم. لم يتسامح إريك فير مع فكرة أن انتهاكات سجن أبو غريب، التي شارك فيها، يمكن أن يطويها النسيان، على الرغم من أنه قام، في السابق، بكتابة مقالات في الجرائد وإجراء حوارات تلفزيونية، تعرض تفاصيل انتهاك المعتقلين العراقيين، وأدلى بشهادته أمام منظمة العفو الدولية ومحققي وزارة العدل والمفوضية العسكرية للتحقيقات، لكنه لم يكتفِ بذلك، ولم يستسلم لإغراء أن يترك الأمر كله وراء ظهره، لعلّه يصبح شخصاً يمكن أن يفتخر به ابنه. لذلك، قرر أن يتطهّر من أوزاره، بتشجيع طلبته على تعقب صور أبوغريب، وأطلعهم على ما كتبه من شهادات حول ما قام به، متحملاً تشكيك بعضهم في ما يقوله، والذي قلّت حدّته بعد صدور تقرير الكونجرس عن التعذيب، على الرغم من أنه يؤكد أن لغة التقرير خففت وقع الكثير من الممارسات الوحشية، ومع أن فير يعرف أن أغلب الأميركيين لن يقرأوا التقرير ولا ما يكتبه، لكنه يرى أن وجود توثيق لتلك الجرائم سيبقى سبباً، لتذكير أجيال متعاقبة من الأميركيين، ولو بالصدفة، وبفضل مبادرات فردية، بأن بلدهم لم يكن دائماً شيئاً يمكن الافتخار به. حاشا لله أن أيأس من روح الله، فأجزم أن بلادنا عقمت عن إنجاب أمثال ذلك الموظف البرازيلي، وذلك المحقق الأميركي، وحاشاي وحاشاك أن نكون أغبياء، فنعتمد على المعجزات وحدها، في توثيق ما جرى أمام أعيننا من قتل وقمع وانتهاك لحقوق الإنسان، لأن بمقدور كل منا أن يبدأ بنفسه، فيقوم بتوثيق ما تحتويه ذاكرته من حكايات الضحايا ووجوه وأسماء القتلة والجلادين، وكل ما تحتويه ذاكرة موبايله أو كمبيوتره من صور وفيديوهات وشهادات، ليقوم بتبادلها مع من يثق به، ليكون كل ذلك نواة لذاكرة جماعية، ستحتاجها مصر حين تدرك أن مستقبلها لن يصنعه إلا تطهير ماضيها من الظلم، وعندها ستكون تلك الذاكرة طريقنا الأمثل، لرد حقوق الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل بلد "أنضف".
إرسال تعليق