الأحد، 18 يناير، 2015

كاتب استرالي يشرح اسباب الرعب الأوروبي من الإسلام، من باريس إلى دريزدن

جون كين 
في نفس اليوم الذي غادرت فيه عائداً إلى البلاد بعد رحلة بحثية طويلة في أوروبا والخليج العربي تناقلت وسائل الإعلام خبر الهجوم الفظيع على هيئة تحرير صحيفة شارلي إبدو في باريس. فجأة انتابني شعور بالتقزز وبالرجة، ولكنني لم أفاجأ. فمثل هذا الحدث الإعلامي العنيف، المعد له مسبقاً والمنفذ بدم بارد بجرأة تتسم بالبساطة وفي عقر دار الغرب العلماني، كان متوقعاً منذ بعض الوقت.
هذا العنف الذي تعرضت له باريس ما هو إلا جزء من نسق أشمل، ومرحلة أخيرة في سلسلة أطول من الهجمات التي ظنها سياسيو فرنسا وصحفيوها، خطأ، عملاً فردياً منفصلاً قام به أفراد مختلون. لعله من المفيد استحضار أن أكثر من عشرين مواطناً أصيبوا بجراح في أواخر ديسمبر في ديجون ونانتي حينما هاجم بعض الرجال بسياراتهم جموعاً من المشاة. وفي جوي ليتور، اقتحم شاب مسلم في العشرين من عمره مركزاً للشرطة وقد تسلح بسكين هاتفاً "الله أكبر" ليطعن ثلاثة رجال شرطة أصابهم بجراح قبل أن يطلق عليه رابعهم النار ويرديه قتيلاً. ثم جاء العنف الذي شهده مقر صحيفة شارلي إبدو وسوق هايبركاشير بالقرب من بورت دي فينسين. ومن المؤكد أن هناك هجمات أخرى على الطريق.
يتوجب على المواطنين الذين يهمهم ما يجري من حولهم السعي إلى فهم طبيعة وأسباب وتداعيات هذا العنف. ومثل هذا السعي يتطلب في حده الأدنى قدراً من التجرد عن لغة الغضب والاستهجان التي اكتسحت فرنسا وباقي أوروبا خلال الأسبوع الماضي. 
ما شهده العالم كان بلا أدنى شك أعمالاً همجية من العنف الإجرامي. نعم، لقد كان في غاية الوحشية، ولكن على النقيض مما ساد الخطاب الإعلامي، فإن العنف الذي وقعت ممارسته لا هو "غير إنساني" (كما لو أن الإنسانية لديها سجل مثالي في مجال اللاعنف) ولا هو مما يفهم على أنه "هجوم ضد فرنسا" كما هتف بذلك خلال الأيام الأخيرة فرانسوا أولاند وسياسيون كثيرون غيره. وخلافاً لما هيمن على الخطاب الإعلامي، فإن الأحداث العنيفة لم تكن أحداثاً "فردية معزولة"، كما لا يصح تفسير العنف من خلال المصطلحات الطبية مثل "السرطان الجهادي" (كما ورد على لسان روبرت ميردوخ) أو الزعم بأن من قاموا بالهجوم كانوا "مختلين" كما زعم مراراً وتكراراً وزير الداخلية الفرنسي بيرنارد كازينوفا.
الانتقام
همجية زمننا همجية مختلفة. إنها همجية سياسية، ويتوجب أن تفهم كذلك، بداية بالحقيقة المرعبة التي مفادها أننا نشهد أعمالاً انتقامية ينفذها راديكاليون مسلمون أثار غضبهم تنامي تعصب عالمي من نوع جديد: إنه الخوف من الإسلام والذعر منه وازدراؤه. ففي كثير من مناطق الاتحاد الأوروبي، حيث يعيش اليوم أكثر من عشرين مليون إنسان مسلم، بات استدراج واصطياد المسلمين هواية شائعة. والحقيقة المرة هي أن الشك المنظم بالإسلام والإساءة إليه وتشويه صورته بات هو الوجه الجديد للعداء للسامية.
معظم أصدقائي وزملائي الأوروبيين المسلمين منزعجون ومتضايقون من هذا التوجه، ويشيرون إلى أن المديح المبتهج لمبدأ حرية التعبير المقدس – والذي حظي بدفاع شرس خلال الأيام الأخيرة من المثقفين الفرنسينن – إنما هو، في نظر معظم المسلمين المحبين للسلم، ذريعة لتوجيه الإهانات. ويتهمون المتصدرين للدفاع عن حرية التعبير بالخلط بين التعبير الذي يزعزع أصحاب النفوذ والتعبير الذي يطعن بالمستضعفين.
الإهانة
من يتقصى أصل المصطلح يخلص لا محالة إلى أن هؤلاء المسلمين محقين فيما يقولون. ولك أن تتأمل في إصرار جون ميلتون في مؤلفه آريوباجيتيكا وفي غيره على أن "التركي (أي المسلم) يحافظ على قرآنه ويلتزم به من خلال تحريم النشر"، وهو بذلك لا قبل له بتذوق حرية الصحافة. ثم تأمل في الصحيفة الدنمركية جيلاندز بوستين التي اكتشفت، وتكبدت في سبيل ذلك ثمناً باهظاً، بأن حرية الصحافة ليست فقط حرية الصحافة. إذ لا يوجد شيء اسمه حرية التعبير دون أن يكون له عواقب اجتماعية وآثار سياسية. والرسومات ليست مجرد رسومات، فاستعراضها بحجة "حرية التعبير" يمكن بسهولة أن أن يحولها إلى أسلحة للتحامل على المستضعفين والطعن فيهم.
لا عجب إذن أن حالة من الضيق والغضب عمت أوساط المسلمين الأوروبيين في عام 2012 عندما نشرت شارلي إبدو سلسلة من الرسومات للنبي محمد بما في ذلك واحدة تظهره عارياً يتمدد على سرير بينما يجري تصويره من الخلف وهو يقول "قفاي؟ هل تحبون قفاي؟"المشاهد العارية وكل وسائل النقد من هذا النوع تلقي بظل من الشك على ما زعمه فيليب فال، المدير السابق لشارلي إبدو، حين أخبر البي بي سي في الأسبوع الماضي بأن مجلته يقوم عليها أناس "مجردون من الكراهية ومن التحامل ويظهرون الاحترام للآخرين". هذه هي وجهة نظره، ولكن كثيراً من مسلمي أوروبا، ولأسباب وجيهة، لا يرون الأمور بهذا الشكل، بل هم يرون أن عقيدة العلمانية، التي تعود جذورها إلى الثورة الفرنسية، إنما هي أيديولوجية سلطة الدولة تماماً كما كانت طوال فترة الاستعمار الأوروبي لبلاد المسلمين. ويرى المسلمون أن الإصرار العلماني على أنه ينبغي على كل إنسان "حصيف" – ذكراً كان أم أنثى – أن يتخلى عن الله ليس إلى عالم تتعدد فيه الآلهة وإنما إلى عالم لا إله فيه، إنما هو نوع من التعصب، بل نوع من التسلط، ومجرد ذريعة للانقضاض على أصحاب العقائد الذين يرفضون التخلي عن تدينهم أو الانصياع لمن يريد فرض ذلك عليهم أو حملهم على إخفاء تدينهم في دهاليز أخص الخصوصيات من حياتهم.
إن رفض المسلمين للعلمانية يمكن تفهمه لو أخذنا بعين الاعتبار تصرفات بعض مسؤولي المدارس الفرنسية الذين يرفضون تزويد التلاميذ المسلمين بطعام بديل للحم الخنزير ولا عن تصرفات "المرعوبين من الكباب" الذين يصرون على أن المشويات "الأجنبية" تكاد تتسبب باختفاء الخبز الفرنسي. أمثال هؤلاء يعتبرهم المسلمون متعصبين، بل ومنافقين يتفاخرون بالتمتع بحرية "الاختيار" ولكن لا يتورعون عن تحريم ذلك على غيرهم، إذ يباشرونهم بالمهانة.كما يشعر المسلمون في فرنسا وفي غيرها من أقطار أوروبا بالإهانة بسبب الجدل الذي يثار كل حين حول النقاب والحجاب والعباءة. ويشعرون بالامتعاض الشديد حينما يقول بعض الناس (ممن في العادة لا يعرفون الفرق بين النقاب والحجاب والعباءة) إن هذه الألبسة لا تنسجم مع أساليب الحياة المعاصرة لأنها تضطهد المرأة، والتي يمكن أن تصبح بسبب ضعفها (وهذا هو أغرب ما الأمر) متواطئة محتملة وخطرة في أعمال "الإرهاب".
بالنسبة لمعظم المسلمين في أوروبا، وحتى أكثر الناس تحرراً من الناحية الفكرية من بينهم، مثل هذا الكلام أسخف من سخيف ومتناقض بشكل غاية في الغرابة، تشتم منه رائحة التحامل السياسي، وهو بحد ذاته حامل للفظاظة وانعدام التهذيب. يولد هذا التشويه للسمعة شعوراً بالمهانة، وتصدر عن المهانين تحذيرات بأن الانتقام بات وشيكاً، وهم في هذا محقون بالتأكيد، وذلك أن الإنسان إذا تعرض لما لا يحتمله من ضغوط فيمكن حينها أن يتحول الترويع والامتهان إلى أدوات فتاكة. وهذا ما يؤكده رواد التحليل النفسي من مثل جيمز غيليغان وآدم جيوكس اللذين أثبتا بالدليل العملي أن التحقير والشعور بالعار يشكلان باستمرار وقوداً للأعمال الإجرامية. القتل العمد جريمة، ولكنها نادراً ما تكون فعلاً منفرداً لشخص مجنون أو مختل عقلياً ليس له أي دوافع سياسية.
المجتمع المدني
إن العنف الإجرامي الذي جرى في الأسبوع الماضي سياسي أيضاً من جهة أخرى، فهو يذكرنا بأن المجتمع المدني بما يشتمل عليه من قواعد المدنية السلمية وتقبل الآخر المخالف إنما هي بنى هشة غير مسنودة بأي ضمانات تاريخية. صحيح أن مسيرات التضامن التي رفعت شعارات "أنا شارلي" في فرنسا وفي أماكن أخرى تؤكد أن هذه القيم الثمينة للمجتمع المدني ما تزال حية ونشطة، إلا أنها تثبت أيضاً مدى ضعفها وخاصة حينما تواجه من قبل الجوانب الأكثر إظلاماً في المجتمعات المدنية الأوروبية، والتي هي أدنى من المدنية ليس فقط من حيث إساءتها للمسلمين وإهانتها لهم، ولكن أيضاً من حيث تسهيلها لمن يرغب الحصول على بنادق الكلاشنيكوف وقاذفات الصواريخ مقابل حفنة من المال – بفضل سوق سوداء لا تطالها يد القانون.
الحرب والإرهاب
لقد غدا المقنعون المتشحون بالسواد رموزاً جديدة لحقيقة مخزية، ألا وهي أن التجارة العالمية للأسلحة الخفيفة باتت أكبر قاتل للمجتمع المدني في كل مكان حول العالم، في أوتاوا، في سيدني، في مومباي، في بيشاور والآن في باريس. ثم هناك حقيقة أخرى يجدر بنا ألا نتجاهلها، وقد يكون من غير المألوف أن نعبر عن الأمر بهذه الطريقة، لكنها بالفعل حقيقة مرة، وهي أن هذا النوع من الهمجية التي رأيناها في باريس مؤخراً ما هو إلا ثمرة مسمومة لما يسمى الحرب على الإرهاب. بعد ساعات قليلة من الهجوم على شارلي إيبدو لم يتوان بيرنارد كازانوفا بالتصريح بأن الهجمات أكدت الحاجة إلى توسيع نطاق "الحرب العالمية على الإرهاب". وكان قبل ذلك بأيام قليلة، في اجتماع دولي ضد الإرهاب، قد كرر نفس النقطة مؤكداً أن "الحرب على الإرهاب" تتطلب مقاربة عالمية. تنضوي هذه الطريقة في التفكير على خلل داخلي قاتل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فهي تثير المشاعر لدى مئات الملايين من المسلمين حول العالم ، الذين يرون أن الحرب على الإرهاب تشمل العنف العسكري المرعب الذي تقوده أمريكا بما فيه من هجمات تنفذها طائرات من غير طيار وغارات تشنها طائرات بي1-بي التي تفتك بالأبرياء، والتعذيب والإذلال الذي مورس على معتقلي غوانتانامو وأبو غريب، والرقابة وحملات التفتيش، ودعم الأنظمة الاستبدادية الوحشية في دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية.
بصراحة فجة، يمكن القول بأن الإرهاب الذي نشهده اليوم ما هو إلا الشقيق التوأم للحرب على الإرهاب، ولهذا ينبغي رفض أي حديث عن حرب عالمية ضد الإرهاب، ولا أجد رداً على ذلك أفصح من العبارة التي جاءت على لسان ساشا بارون كوهين في فيلم "بورات" (الذي صدر عام 2006) حيث يقول: تبدو هذه الحرب الدائمة على الإرهاب حرباً من الإرهاب بما فيها من هجمات بطائرات بلا طيار تشكل انطباعاً لدى كثير من المسلمي بأنها حرب شاملة تشن على جميع المسلمين بغض النظر عن مكان إقامتهم سواء كانوا في غزة أو في القاهرة أو في كابول أو كوبنهاغن أو في باريس.
الديمقراطية
هناك سبب أخير، قد يبعث على الاكتئاب، لماذا لهجمات باريس مغزى سياسي هام. ألا وهو أن العنف الذي نشهده يمثل ما يشبه البجعة السوداء حينما تتعرض القيم والمؤسسات الديمقراطية للتحدي وجهاً لوجه من قبل التفكير والسياسات المعسكرة الآخذة في الانتشار والتي باتت تقتحم حدود ما كان في يوم من الأيام ينعت بأنه الغرب العلماني.
تبدو بعيدة على نحو غريب تلك الحرب الباردة التي عشت فيها أعوام نشأتي الأولى. كانت أصعب لحظات تلك الحرب هي أزمة الصواريخ النووية الكوبية في أكتوبر من عام 1962 والتي هددت بتدمير شامل لنمط حياتنا، ولكنها لم تكن تهديداً من مكان قصي كما هو الحال الآن بفضل المتغيرات المذهلة في تقنيات العسكرة وأدوات القتال، وبفضل وفرة وسائط التواصل والإعلام، حيث غدت هذه الحرب الكونية على الإرهاب موجودة في كل مكان، وبات المرء يخشى أن تلفح بدنه نيرانها أو تصيبه شظاياها حيثما وجد، في أي مكان، في أي حافلة أو قطار، أو في أي مكان عمل أو مبنى عام، وفي أي لحظة من اللحظات، ومن حيث لا يحتسب. بإمكاننا القول إن أحداث باريس أثبتت أن حروب الإرهاب التي تدور رحاها في أماكن "أجنبية" بعيدة جداً وصلت إلى مواطننا.
في معرض ردهم على هذا التوجه، أشار كثير من المعلقين الفرنسيين خلال الأيام القليلة الماضية إلى أن جرائم باريس إنما هي عدوان على "الديمقراطية". نعم، هي كذلك بالفعل، وخاصة لأن هذه الهمجية الجديدة تسلب من المواطنين الأبرياء حياتهم وتنشر الرعب والرقابة الذاتية في أوصال المجتمع المدني بأسره. ولكن يمكن القول بأن المصل الذي تلجأ إليه الدولة لمعالجة العنف لا يقل تهديداً، فغارات الفجر التي تشنها الشرطة على البيوت الآمنة، والإنذارات الحمراء، ونقاط التفتيش، كل ذلك يسيء للديمقراطية وينال منها. وكذلك أيضاً المروحيات التي تحلق فوق رؤوسنا، والجنود المنتشرون في شوارعنا، والاشتباكات بالأسلحة النارية في الأماكن العامة، والأسوأ من ذلك كله ذهنية الحصار العسكري التي يؤسس لها ليس فقط استهدافاً للأقليات المسلمة وإنما استهدافاً لديمقراطيتنا ولحق كل واحد منا فيها.
الطريقة التي تسير بها الأمور الآن لا تبشر بخير على الإطلاق، فالبلدان الديمقراطية في أوروبا وفي غير أوروبا ستصبح قريباً أشبه بدول محاصرة داخل ثكنات عسكرية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا التوجه يزعج أكثر ما يزعج مسلمي أوروبا، الذين باتوا يرون بأن نجم الديمقراطية لم يعد يسطع، فالديمقراطية أضحت تعني أن يكذب السياسيون من أمثال طوني بلير، وتعني النفاق وازدواجية المعايير (أهدى إلي صديق مسلم قطعة ممغنطة من القطع التي توضع عادة على أبواب الثلاجات كتب عليها "ترفق بأمريكا و إلا فإنها ستجلب الديمقراطية إلى بلادك"). ولقد أصبحت الديمقراطية تعني البطالة والتمييز بين الناس في التوظيف، والمواطنة من الدرجة الثانية أو انعدام المواطنة من أصله. ترتبط الديمقراطية في أذهان الكثيرين بخيبة الأمل، بالكآبة والإحباط، بالمآسي التي حلت بغزة وليبيا وسوريا والعراق. وفي مواطننا الأوروبية، باتت الديمقراطية تعني الإعلام المعادي بتغطيته النائية عن النزاهة والإنصاف، وتعني الازدراء والصمت والريبة وتنامي القمع من قبل أجهزة الدولة.
هذا هو التوجه الذي يود الرجال المقنعون تعزيزه، وعلى النقيض مما ذكر مراراً خلال الأسبوع الماضي لا تثبت الأعمال الجهادية أن "الإسلام" يخلو من الفكاهة أو أن المسلمين في تركيبتهم الجينية الوراثية ما يبغضهم في الفن الساخر وفي الكلام الصريح. ولا يقل تضليلاً عن ذلك الزعم بأن هجمات باريس ما هي إلا أعراض "لصدام الحضارات" أو ارتداد إلى "العصور الوسطى" (كما ورد على لسان زافي بويغ أحد مؤسسي صحيفة إل موندو توديه).بل إن محتوى ونمط العنف الجديد بكل تفاصيلهما ينتميان إلى القرن الحادي والعشرين.والهدف الأساسي من هذا العنف ذو بعد استراتيجي، وكأنما صمم لكي يحرض على تشريعات أشد صرامة ضد الإرهاب، وعلى رقابة أشد، وعلى عسكرة الحياة اليومية، وعلى مزيد من التصيد للمسلمين.
ولعل الراديكاليين المسلمين يهدفون إلى تسريع عملية سقوط الديمقراطية من خلال إقناع إخوانهم وأخواتهم غير الملتزمين بما هم عليه أن الديمقراطية ما هي إلا زيف في حالة احتضار. إذن، بإمكاننا القول إن الهدف النهائي للراديكاليين المسلمين هو إنهاء وجود الديمقراطيات الأوروبية التي باتت تحفها المخاطر من كل مكان. ولكن الغريب في الأمر أنهم فيما يبدو ينجحون في هذه المهمة بفضل واقع غير سوي وجدوا فيه أنفسهم في توأمة مع الحركات الشعبوية التي تستغل بشكل انتهازي الحريات المدنية والسياسية في أوروبا لكي تروج لمزاعمها العنصرية بأن المسلمين يغزون أوروبا ويسيطرون عليها.
لا نعلم يقيناً بعد، ولكن قد تكون أكثر تداعيات جرائم باريس جسامة هي الطريقة التي ستغذي من خلالها هذه الجرائم تنامي الحراك الشعبوي المناهض للمسلمين في كافة أرجاء أوروبا. وذلك أن هذه الشعبوية الجديدة، الواقعة تحت تأثير أفيون السخط العام على الوضع الحالي، لا تجد أدنى صعوبة في الترويج لمواقفها وإسماع صوتها من خلال وسائل الإعلام بكافة أصنافها وبشكل خاص من خلال الصحف والإذاعات المحلية، ومن خلال الفيسبوك وتويتير (الذي انتشرت فيه هاش تاغ #اقتلوا جميع المسلمين) صعوداً إلى قنوات التلفزيون النوعية وإلى الأدبيات النخبوية.
تعتبر رواية ميشيل أوليبيك "الخضوع" نموذجاً صارخاً للأدب الشعبوي الجديد. لقد أضحت الرواية التي صدرت منذ أسبوع فقط أكثر رواية يُتحدث عنها في أوروبا، وهذا أمر يمكن تفهمه لأن صياغتها الأدبية تعبر عن الإعراض السياسي المتزايد في كالة أرجاء القارة الأوروبية عن الديمقراطية الحزبية. ولكنها في الحقيقة نباح ضد المسلمين على شكل عمل أدبي يصور ما ستؤول إليه الأحوال عام 2022 حينما تصوت أغلبية كبيرة لصالح رفض اليسار واليمين الفرنسيين معاً. وفي تحرك مفاجئ، في الجولة الثانية من التصويت في انتخابات الرئاسة، يقرر مواطنو فرنسا الصالحون منح أصواتهم لمحمد بن عباس الذي يصبح أول رئيس مسلم منتخب في فرنسا. يبادر بن عباس بإباحة تعدد الزوجات، وإقرار صفقات تجارية مع تركيا ويجلب النقاب والشريعة الإسلامية إلى فرنسا العلمانية. يؤدي التغيير الحاصل في الحكومة إلى حالة من الإجلال والتعظيم، والخضوع المتزلف، كذلك الذي تمارسه الشخصية الرئيسية في الرواية، شخصية أكاديمي كئيب يحصل على ترقية للالتحاق بالسوربون التي تصبح الجامعة الإسلامية في باريس، ويعيش حياته مستمتعاً بما يملكه من زوجات.
لقد نفى أوليبيك أنه يساعد على تأجيج المشاعر ضد المسلمين، ومع ذلك تجده في مقابلة مع صحيفة التلغراف البريطانية يؤكد أن السيناريو الذي صوره في روايته "محتمل وقابل للتحقق".
مثل هذا الشعور المناهض للمسلمين هو الذي يغذي صعود حركة بيغيدا في ألمانيا المجاورة.يقود هذه الحركة شخص اسمه لوتز باكمان، وهو صاحب سوابق إجرامية وابن جزار من مدينة دريزدن. الاسم الكامل لبيغيدا هو "الأوروبيون الوطنيون المعارضون لأسلمة الغرب"، وهي بالفعل أوسع نطاقاً من مجرد كونها ظاهرة محلية في دريزدن أو حتى في ألمانيا، ولئن كانت بيغيدا تعني أشياء مختلفة جداً لمختلف الناس، إلا أنها بشكل عام تعبير عن رفض السياسة التي تمثلها إنغيلا ميركيل، وعن الأزمة السياسية الأوروبية بشكل عام، وهي في نفس الوقت مقياس لمدى عزوف الناس عن الديمقراطية البرلمانية.
إلا أن بيغيدا أكثر من مجرد احتجاج على نظام التعددية الحزبية الذي يلفظ أنفاسه في أوروبا، إنها صوت العنصرية الجديدة ضد المسلمين، والمعبرة عن الشعور بأن المسلمين يستولون على أوروبا، والمدهش في هذه الحركة مهارتها في اختراق أعماق المجتمع المدني. تجذب الحركة إلى تظاهراتها (التي يطلقون عليها اسم "تجوالات مسائية") أشخاصاً تملكتهم الإسلاموفوبيا يشتركون أيضاً فيما بينهم في أنهم "مواطنون غاضبون"، وهم ينتسبون إلى مختلف قطاعات المجتمع وألوان الطيف فيه، إذ تجد بينهم مشجعي كرة القدم، ومثقفي الطبقة الوسطى ومعارضي الإنتاج الصناعي للثروة الحيوانية. كما يوجد بينهم نازيون جدد، ومسيحيون، ومتعاطفون مع بوتين، وغوغائيون شوارعيون، وبعض أثرياء الشريحة العليا من الطبقى الوسطى.
قد يبدو أنصار بيغيدا والمتعاطفون معها متباينون ومتنافرون، إلا أنهم يشتركون في عدد من الأشياء المهمة فيما بينهم، ومنها الانزعاج من السياسيين والمؤسسة السياسية، ويلعنون "الإعلام الكاذب"، وهم على يقين بأن النظام الحزبي السائد لا يعبر لا عن مصالحهم المادية ولا عما يشعرون به في أعماقهم من أن وطنهم تتهدده بالغرق الأمواج المتلاطمة للإسلام. لا يرى أتباع بيغيدا حاجة لإبرام "صفقة جديدة" مع المسلمين، رغم أن هذا هو بالذات ما تحتاج إليه بإلحاح كافة المنطقة الأوروبية. هم لا يكنون مودة لأتباع العقيدة الإسلامية، ويقولون إنهم لم يعد بإمكانهم رؤية المزيد من طالبي اللجوء المسلمين بما في ذلك أولئك الذين يفدون من مناطق الحرب في كل من سوريا والعراق. قوم بيغيدا يحبون الأقوام الذين هم على شاكلتهم، يحبون المواطنين ذوي البشرة البيضاء، والقامات المنتصبة، مواطنين يكدحون بجد لكسب قوتهم، مواطنين يرغبون في استعادة وطنهم.
أغرب ما في الأمر على الإطلاق هو اعتبار أنصار بيغيدا أنفسهم ديمقراطيين. إنهم يرون أنهم شعب الشعب، وأصحاب أقصر تعريف للديمقراطية بوصفها حكم الشعب للشعب من قبل الشعب. يبدو شعب بيغيدا جاهلاً عن سبق إصرار وترصد بحقيقة تاريخية مفادها أن أعراف الديمقراطية قد تطورت بشكل مستمر منذ عام 1945. صارت الديمقراطية مع مرور الزمن تعني أكثر بكثير من مجرد الفوز بالانتخابات، وبات من أركانها رفض السلطة التعسفية أياً كان مجال ممارستها وحيثما وجدت. إن من أهم مدلولات الديمقراطية هذه الأيام خضوع السلطة للمحاسبة الشعبية، والتواضع السياسي، واحترام التنوعات والتراكيب، ورفض كافة أشكال الطغيان والبلطجة والعنف الذي يستهدف أبدان الناس ودماءهم حيثما وجدوا.
هذه هي أعراف الديمقراطية في عصرنا الحالي، وهي الأعراف التي يصر أنصار بيغيدا ومن يرتحل في ركبهم على إدارة ظهورهم لها، ويفعلون ذلك باسم مبدأ سيادة الشعب الذي عفى عليه الزمن ولم يعد له من قيمة تذكر، ناهيك عن أن تعريفهم للديمقراطية إقصائي وتحريضي ويمكن أن تكون لها تداعيات قاتلة، إنه تعريف لا مكان للمسلمين فيه. حينما يتكلم هؤلاء الشعبويون الاستبداديون عن الديمقراطية فإنهم في واقع الأمر يقصدون القول "لا مكان لك هنا لأنك لست واحداً منا".
بهذا المعنى يكون شعبويو بيغيدا ارتكاسيين (أي أصحاب سوابق إجرامية يعودون للإجرام المرة تلو الأخرى). إنهم يريدون لأوروبا أن تعيد عقارب ساعاتها إلى الوراء، أو التقدم إلى الأمام من خلال القفز إلى الماضي، إلى عالم يفترض أن الشعب كان فيه يحكم نفسه بنفسه ولنفسه. ولذلك تراهم يهتفون حينما يتجمعون في تظاهراتهم المسائية كل اثنين "نحو الشعب"، وهذا يشبه تماماً ما كان يهتف به العنصريون في الشوارع في الأعوام التي سبقت 1933.
جون كين:
أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيدني، وشغل لسنوات طويلة قبل ذلك منصب مدير مركز دراسات الديمقراطية في جامعة ويستمنستر ببريطانيا.
له عدد كبير من المؤلفات في الديمقراطية والإعلام والعنف السياسي والمجتمع المدني
مترجم خصيصا لـ"عربي21" عن موقع "ميديل إيست آي"
إرسال تعليق