الأربعاء، 21 يناير، 2015

بدر الإبراهيم يكتب : فض الاعتذار عن "الإرهاب الإسلامي"

العربي الجديد
الصخب الذي تلا حادثة الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو، وقتل صحافييها، والنقاشات التي تثار بشأن الإرهاب والعنف والإسلام، تُذكِّر بنقاشات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وخصوصاً أن الحكومة الفرنسية تحاول تصوير الحادثة على طريقة الأميركيين، بعد ضرب برجي التجارة في نيويورك. من المثير ملاحظة الاهتمام البالغ بحادثة باريس، في مقابل إهمال حوادث أفظع تحصل كل يوم خارج الغرب، بل وعدم الاكتراث لما قامت به فرنسا نفسها من كوارث في ليبيا ومالي، أخيراً، لكن ما يثير الاهتمام، أيضاً، هو ردة فعل ليبراليين عرب، يرددون الدعايات الغربية تحت لافتات التنوير والعقلانية، والتسامح والدفاع عن حرية التعبير.
في البداية، يلجأ هؤلاء الليبراليون العرب، على طريقة الإعلام الغربي، إلى رفض الحديث عن السياق الذي حصلت فيه الحادثة، أو فهم الأسباب التي أدت إليها، ويميلون إلى نزع إنسانية المعتدين على المجلة، واعتبارهم قادمين من خارج الحضارة، ومطالبة الجميع برفض الإرهاب واستنكاره، من دون أي كلمة أخرى، ومَن يحاول قراءة السياق، في محاولة فهم أبعاد الحادثة، يُتهم بتبرير الإرهاب، والانحياز إلى خطاب الكراهية. إن أبسط توصيف لهكذا خطاب هو أنه دوغمائي، أي أنه يصل، بتعصبه لتصور معيّن عن الحادثة ومسألة العنف، إلى حد عدم قبول النقاش أو طرح الأسئلة، على الرغم من ادعاءات العقلانية التي يروجها هؤلاء عن أنفسهم.
يتحدث بعضهم عن سياق الحادثة، لكن، وفق خطابٍ استشراقي تقليدي، فيرى أزمةً كبيرة في ثقافة المسلمين، ويعتبرها سبباً للعنف، ويؤكد أن غالبية أو كل أعمال الإرهاب في العالم من صنع مسلمين، ويطلب من العرب والمسلمين مواجهة هذه الحقيقة، ويكاد يقول إن العرب والمسلمين يحقدون على الغرب، لأنه حر ومتقدم. ليس ضرورياً، إزاء هذه المحاججة المتهافتة، التذكير بالجرائم الكبرى التي ترتكبها المؤسسات الرسمية الغربية، في كل بقاع العالم، أو القول إن العنف ينشأ ضمن ظروف سياسية واقتصادية، وفهم الدور الذي تلعبه الغطرسة الغربية في تنامي ظاهرة "العنف الإسلامي"، إذ يكفي الاستشهاد بإحصائيات جهاز الأمن الأوروبي، "يوروبول"، التي تشير إلى أن أقل من 1% من الأعمال الإرهابية (الناجحة والفاشلة) بين عامي 2006 ـ 2013، كان وراءها "الإرهاب الإسلامي"، لكن المهووسين بجَلْد الذات، والمستسلمين للدعاية الغربية، لا يرون العنف إلا في أوساط العرب والمسلمين، ويعتبرونه ثقافة عندهم، لا مسألة مرتبطة بالظروف السياسية.
الحديث عن حرية التعبير في فرنسا، والقول إنها مستهدفة بالحادثة، وأن العرب والمسلمين لا يفهمون قداسة حرية التعبير في فرنسا، ولذلك، لا يستوعبون حجم الغضبة الفرنسية، والتعاطف مع "شارلي"، أمر مضحك. في فرنسا، الهجوم على اليهود، أو التشكيك بالمحرقة مُجَرَّم قانونياً، وحين رفع مسلمون شكوى قضائية ضد المجلة لم تُقبل، في حين قُبلت شكوى من الكنيسة الكاثوليكية عام 2005 ضد إعلان للملابس مستوحى من "العشاء الأخير"، ويظهر فيه السيد المسيح بشكل امرأة، وقد اعتبرت المحكمة الإعلان عملاً عدوانياً يهين معتقدات الناس. هذه الأمثلة وغيرها، تجعل السؤال مشروعاً حول حدود حرية التعبير في فرنسا وأوروبا، والدافع وراء التمييز بين الإهانات المختلفة للمعتقدات.
حصلت الحادثة في سياق فرنسي خالص، إذ إن من ارتكبوا الجريمة فرنسيون مولداً ونشأة، وهم يعبّرون عن أزمة تتعلق بالهجرة والمهاجرين، ومدى استيعابهم ضمن الهوية الفرنسية، ويشعرون بنوع من الإهانة والاضطهاد لهويتهم الدينية في رسومات المجلة، لكن مَن تستهويهم الشعارات الرنانة من الغربيين، ومعهم ليبراليون عرب، يفضّلون الحديث عن الحرب على الحرية والحضارة، ويصرّ بعض الليبراليين العرب على اعتذار العرب والمسلمين عن الحادثة، وإظهار وجه الإسلام "الحقيقي" النابذ للعنف، معتبرين المسلمين كتلة أيديولوجية واحدة.
ليس المسلمون كتلة أيديولوجية أو سياسية واحدة، والنص الديني تتعدد قراءاته، وهو لا يفسر نفسه بنفسه، بل يحتاج إلى اجتهاد بشري لتفسيره، ومع اختلاف العقول المسلمة، تختلف القراءات والتفسيرات للنص. وهكذا، لا يكون الحديث عن "إسلام حقيقي" إلا محاولة لاحتكار النص عبر قراءة محددة. ليس هناك تأويل واحد للنص، والمسلمون ليسوا كتلة صماء، وهم، بالتالي، ليسوا ملزمين بالاعتذار عن شيء، ومطالبتهم بالاعتذار انغماسٌ في نظرية صراع الحضارات.
استنكار جريمة مثل هذه مفهوم، لكن اعتذار المسلمين لأن الفاعل مسلم، ليس إلا وجهاً من وجوه صراع الحضارات، وتفسير الصراع السياسي باعتباره صراعاً بين الأديان، تماماً مثل ترويج حوار الحضارات باعتباره حلاً للصراع، كأنما الصراع هو بين الأديان على معتقداتها، وليس صراعاً سياسياً واقتصادياً على النفوذ والموارد. والمطالبة بالاعتذار تشبه فعل من يتبنى الرواية الطائفية للصراع في منطقتنا العربية، ويطلب من عقلاء الشيعة أو عقلاء السنّة اعتذاراً أو براءة من أعمالٍ طائفية هنا وهناك، بما يكرس التفسير الديني أو المذهبي لصراعاتٍ سياسية.
لا يمكن القبول بأن يتصرف المسلمون من موقع المُتَّهَم، فلا ممارسة العنف أمر خاص بهم، ولا هم مسؤولون عن كل تأويل لنصوصهم، ولا يصح الاستسلام لهذا النقاش، بعيداً عن فهم سياقات أعمال العنف، ومع إغفال دور الحكومات الغربية في تغذية العنف حول العالم.
* كاتب سعودي. صدر له كتاب "حديث الممانعة والحرية"، و"الحراك الشيعي في السعودية .. تسييس المذهب ومذهبة السياسة".

إرسال تعليق