مدونة سيد أمين Sayed Amin blog
العروبة والإسلام وجهان لعملة واحدة
سيد أمين يكتب: حزب العرب الأوحد
ن أقل توحشاً ليتمكن الناس من التعايش معه والتغاضي عن خطاياه، باعتبارها فقط مجرد زلات يمكن تمريرها.وبالتالي فإن رفاهية تنوع الأفكار ومحاولة تجريبها والتنقل خلالها واختيار الأصلح بينها غير موجودة في قواميسنا السياسية العربية، لسبب بديهي وهو أنّ الأحزاب - وهي الحواضن الطبيعية للأفكار السياسية - ولدت ميتة في الأساس، وتكراراً في مجملها لحزب واحد، وهو حزب الاستبداد الأصلي، بينما يقتصر الصراع الدائر بينها حول الأشخاص وليس الأفكار.ولذلك تنعدم قدرة تلك الأحزاب على التغيير، ليس لأنها غير قادرة فقط، ولكن أيضاً لأنها غير راغبة وغير مدركة لطبيعة أدوارها الافتراضية، وقانعة بدورها الوظيفي في تزيين حزب الاستبداد وإمداده بالشرعية مع اقتناص ما يجود به من فتات كعكة الفساد.
النتائج الخطرة
حكم الأغلبية
قضية العدالة
زهير كمال يكتب: الانقلاب المدني
تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، أو كل الناس بعض الوقت ولكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.
ارتبطت كلمة الانقلاب، بالانقلابات العسكرية التي حدثت وما تزال في دول العالم الثالث، يقوم عسكري يمتلك كاريزما قوية بتجميع رفاق وموالين له بالسيطرة على القصر والاذاعة فيصبح الزعيم الاوحد ويبدأ فصل جديد في حياة شعبه، لو اعطينا مثلاً على انقلاب عسكري ناجح في السابق ، جمال عبد الناصر في مصر وهوغو شافيز في فنزويلا، كلا الرجلين انقلبا على حكم بيروقراطي فاسد، وأحدثا بعض التغيير في بلادهما ولكن لم تكن كافية لاستمرار الزخم الذي قاما به بعد موتهما.
عند تحليل ما حدث في الولايات المتحدة يوم 3 نوفمبر 2026، نستطيع وصفه بالانقلاب المدني عبر صناديق الانتخابات.
في العادة ينتخب الأمريكان في انتخابات التجديد النصفي نواباً وشيوخا من الحزب المخالف لحزب الرئيس، ربما في الوعي الجمعي يريدون إحداث توازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ولكن ما حدث في هذه الانتخابات التي جرت في 3 نوفمبر 2026، يفوق توقعات أشد المتفائلين، إذ تم اكتساح الحزب الديمقراطي مقاعد الكونجرس في مجلسي الشيوخ والنواب و60% من حكام الولايات. وقد وصف بعض المعلقين ما حدث بأنه لم يحدث منذ سبعين عام.
تحليل الحدث:
كثير من المراقبين عزا هذا التغيير الى ارتفاع اسعار البنزين والمواد الاستهلاكية الأخرى في الولايات المتحدة. ولكن لو استمع الشعب الأمريكي لرئيسه وانتخب مرشحي الحزب الجمهوري ، فأن المكافأة ستكون خمسة آلاف دولار لكل فرد، هذه أول مرة يقوم رئيس بمحاولة رشوة شعبه، وكان رد فعل الجماهير التصويت بكثافة ضد هذه الإهانة ، اي أن الموضوع لم يعد يتعلق بالأسعار بل بالكرامة والتحدي
تعتبر كثافة التصويت في هذه الانتخابات غير مسبوقة وهي واحدة من أكثر الانتخابات في التاريخ الأمريكي كثافة.
لم يتوفر بعد عدد المقترعين الكلي ولكن في دراسة لجامعة فلوريدا بلغ عددهم 124 مليون مقترع من أصل 174 مليون يحق لهم التصويت. وبهذا تبلغ النسبة المئوية 71%
الجدول التالي لنسب انتخابات التجديد النصفي يساعد على فهم ضخامة الحدث:
في مقال لي في الثاني من آب / اغسطس 2026، بعنوان (حائك السجاد والطاغية) توقعت حدوث ذلك حيث قلت في تهاية المقال:
ورطة الطاغية كبيرة، أمامه ثلاثة أشهر قبل أن يختنق كلية، ففي شهر نوفمبر ستتم انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الشيوخ والنواب، واذا استمر الوضع كما هو جارٍ الآن فإن عزله سيصبح مؤكداً، وتغلق بذلك فترة مظلمة تمر على البشرية، عصر الطغاة لم يعد هو المنحى السائد، لأنه عكس تطوّر البشرية.
وفي الحقيقة فاقت النتيجة توقعاتي.
رفض الشعب الأمريكي الدكتاتورية، ورفض الاستفادة من منصب الرئاسة ، كل من تولى رئاسة الولايات المتحدة احترم الدستور والمنصب ولا يوجد رئيس واحد تاجر في الاسهم واستفاد من القرارات التي يصدرها بنفسه.
رفض الشعب الامريكي التهور ، افتعال حروب خارجية لتغطية فضائح وصرف الانظارعما حدث في جزيرة ابستين، وخضوع رئيس أكبر دولة في العالم لرئيس وزراء دولة صغيرة هي اسرائيل لانها تستطيع ابتزازه بما تملك من مستمسكات جمعتها مخابراتها عليه .
دفعته الى حرب إيران وكانت النتيجة موت وجرح جنود أمريكان، بدون مبرر إضافة إلى خسارة مليارات الدولارات وتحمل الشعب أعبائها الاقتصادية.
في تصريح لافت قال ترامب أن هذه الانتخابات ليست عنه وفي العادة ان حزب الرئيس دائما يخسرها، ولو كان اسمه موجوداً في قائمة المرشحين لفازت القائمة، ولكن تبين النتيجة أن الشعب الامريكي جعلها عن ترامب سواء كان اسمه موجوداً أم لا.
النتائج والتوقعات:
قاد الحزب الديمقراطي هذه الانتخابات ببراعة فائقة، قاد العملية الرئيس السابق باراك أوباما المعروف بشخصيته الكاريزماتية ، ذكّر الجمهور الأمريكي باتفاقيته مع إيران التي منعها من امتلاك اسلحة نووية بدون أطلاق صاروخ واحد، وكانت هذه كافية لقلب الطاولة على راس ترامب وكل العبث الذي قام به ادعاءه ان الحرب هي لمنع إيران من ذلك.
داخل الحزب الديمقراطي ثلاث أجنحة تتصارع ، تشكلت هذه الأجنحة بعد جريمة الابادة التي قامت بها إسرائيل في غزة، قاد السناتور بيرني ساندرز الجناح اليساري في الحزب، أصبح تلقي التبرعات من ايباك بمثابة وصمة عار. وهكذا فإن معظم النواب الجدد خالين من ضغط هذه المنظمة التي كانت تقدم التبرعات لجميع المرشحين سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين ، ففي النهاية، هي ( ومن ورائها) الكاسب الأخير. لا أحد يعرف أن كان النائب القديم في المجلس، حكيم جيفري، والمرشح لرئاسة مجلس النواب ويتم تلميعه كون بشرته سمراء، قد تلقى دعماً منها في السابق، ففي تصريح لافت له قال إنهم لا يفكرون بعزل الرئيس. وفي اعتقادي أنه لا يستطيع وقف الزخم المندفع من الجناح اليساري المطالب بعزله.
كانت خسارة الحزب الجمهوري تفوق التوقعات ويستغرق تعويض الخسارة سنوات طويلة. وبلا شك يدرك كثير من حكماء الحزب أن سبب ذلك يرجع الى الرئيس الطائش. ولتقليل الخسائر سيقومون بالتضحية به سيقدمون الدعم اللازم للحزب الديمقراطي الذي لا يحتاج عدداً كبيراً من الأصوات للبدء بعملية العزل. وبالطبع سيتهم الداعمون بالخيانة ولكن العبرة بالنتائج.
Lame duck president أصبح الرئيس ترامب بطة عرجاء
منذ اللحظة التي أعلنت فيها نتائج الانتخابات، في العادة يصبح الرئيس كذلك في الأشهر الأخيرة من ولايته، حيث لا يتخذ قرارات كبرى تؤثر على البلاد وفي العادة يستعمل صلاحياته للعفو عن بعض الأفراد بحيث لا تتم ملاحقتهم قضائياً، وقد يستعمل ترامب هذه الميزة للعفو عن نفسه.
ولكن من يستطيع العفو عن الضرر الكبير الذي لحق بالعالم أجمع نتيجة تصرفات طاغية أعتقد في نفسه أنه ظل الله على الأرض.
أتمنى أن تكون هذه النتيجة عامل إيقاظ للشعوب المقهورة ودرساً لها عما تستطيع أن تفعله الديمقراطية الحقيقية.
النصر دائماً للشعوب.
شهادات من هيكل وعمر سليمان و ياسر رزق بالمخطط الحقيقي للاطاحة بمبارك
المفكر محمد سيف الدولة يتساءل: لماذا كل هذا اللين في مخاطبة (إسرائيل)؟
هذا التصريح الشهير الذي أثار ضجة واسعة، والذي رد عليه عبد الفتاح #السيسي في خطابه الأخير؛ وهو التصريح الذي أدلى به الوزير الصهيوني الإرهابي المتطرف #سموترتش، حيث قال: "لو فكرت مصر في اتخاذ أي إجراء ضدنا، فلن يروا سيناء مجدداً".
في الحقيقة، لم يكفّ الصهاينة يوماً عن الحديث عن سيناء وتهديدنا بها. فعلى سبيل المثال، "آفي ديختر"، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق ووزير الزراعة الحالي، قالها صراحة في عام 2008: "إننا سنعود إلى #سيناء إذا تغير النظام في مصر لغير صالح إسرائيل".
كذلك #مناحم_بيجين، في عام 1979 بعد توقيع اتفاقية السلام مع مصر، عند
![]() |
| المفكر القومي الكبير محمد سيف الدولة |
كما نشرت مجلة #كيفونيم، لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية، دراسة في الماضي بعنوان "إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات"، نصت على ضرورة استعادة سيناء مجدداً.
وأخيراً وليس آخراً، المخطط الصهيوني المستمر منذ سنتين أو ثلاث سنوات، والذي لم يتراجعوا عنه أبداً، وهو #التهجير_القسري لأهالي غزة إلى سيناء.
وبالتالي، فإن سيناء تُعد جزءاً أصيلاً من الأهداف والمخططات الصهيونية، سواء كانوا ينفذونها الآن، أو يبيتون النية لتنفيذها خلال السنوات المقبلة.
هذا ما قاله "سموتريتش" بشأن سيناء.
أما نحن، فعندما جاء الرد من #جانبنا، وتحديداً من السيد عبد الفتاح السيسي، فقد وجه عتاباً لـ"سموتريتش" قائلاً له: "يا أخي، كفاكم هواجس، نحن لا يمكن أن نهددكم وليس لدينا أي أطماع في إسرائيل، لقد استعدنا أرضنا وانتهى الأمر".
كما ذكر السيسي أنه في أحد لقاءاته مع #نتنياهو"، سأله الأخير: "لماذا تسلّح مصر؟" فأجابه: "لا تقلق، لا قوتكم تقلقنا، ولا ينبغي لقوتنا أن تقلقكم".
الحقيقة أنني أختلف مع هذا الكلام بنسبة 100%؛ لأنه غير واقعي، ورئيس الدولة ومؤسساتها يعلمون تماماً أنه غير واقعي. إسرائيل تهددنا بالفعل،
وقد #انتهكت المعاهدة الموقعة معنا؛ تلك المعاهدة التي نتمنى اليوم الذي تُبطل فيه لنتمكن من نشر قواتنا على كامل تراب سيناء، ولنحرر أنفسنا من القيود المفروضة علينا في الملحق الأمني. ورغم التزامكم بها طوال 40 أو 50 عاماً، إلا أن إسرائيل انتهكتها خلال السنة أو السنتين الماضيتين عندما احتلت محور فيلادلفيا، واحتلت رفح، وحشدت قواتها هناك على حدودنا بالمخالفة للاتفاقيات،
#فالملحق_الأمني ينص على أن منطقة الثلاثة كيلومترات شرق الحدود المصرية داخل فلسطين المحتلة -التي يسمونها إسرائيل- يجب أن تكون خالية من أي مدرعات أو قوات، وألا يتجاوز الوجود العسكري هناك 4000 جندي من حرس الحدود الصهيوني بأسلحة خفيفة. إلا أنها ضربت بهذا الكلام عرض الحائط، وسيطرت على معبر رفح واحتلته،
وهي الآن #تجوّع الفلسطينيين وتدفعهم دفعاً نحو التفكير في الهروب من فلسطين ومن قطاع غزة؛ تماماً كما صرح الصهاينة بأن "الطريقة الوحيدة لجعل الفلسطينيين يفضلون الهجرة هي أن يفقدوا الأمل في الحياة على أرض غزة"، وهذا ما يفعله الصهاينة اليوم.
فكيف نطمئن اليهم؟ في الوقت الذي يعلن فيه الصهاينة أنهم سيغيرون خريطة الشرق الأوسط، ويشكوننا إلى الأمريكيين لأننا نقيم تحصينات في سيناء، ...تخيلوا ذلك!
فلماذا يخرج رئيس الدولة المصرية ليوجه رسالة مفادها: "إن قوتكم يا إسرائيل لا تقلقنا؟
وبماذا تفيدنا مثل هذه التصريحات؟ هل هذا من باب الخداع الإستراتيجي؟!
أرى أن هذا لا يصح ولا يليق.
واستكمالاً للتصريحات التي وردت في خطاب الرئيس، عندما قال إنه أخبر نتنياهو بضرورة قيام دولة فلسطينية، فلم يقتنع نتنياهو، وعقّب الرئيس قائلاً: "وهو #حر_في_دولته".
عن أي دولة تتحدث يا سيادة الرئيس؟ فلسطين ليست دولته، هذه الأرض اسمها فلسطين وليست إسرائيل.
وحتى إن كنت تقصد كامل الأرض باستثناء الضفة الغربية وغزة، فهو لم يترك الضفة الغربية وغزة وشأنهما؛ لذا فهو ليس حراً في الضفة وغزة، وليس بمزاجه أن يقرر قيام دولة فلسطينية من عدمه. هو موقع في الأصل على تلك المصيبة المسماة #اتفاقية_أوسلو، نعم هي اتفاقية كارثية.. ولكنه وقع عليها ووافق بموجبها على قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة،
لكنه اليوم #يرفض هذا الكلام تماماً، ويقرر ألا دولة في الضفة ولا في غزة، بل "يهودا والسامرة" إلى آخر هذه المزاعم. لذا، لا يصح أن ترد عليه بالقول إنه حر، فهو ليس حراً في الحقيقة.
إنني أرى أن هذا الخطاب الرسمي المصري لا يعبر عن الواقع، ولا يعكس #مشاعر الغالبية العظمى من الشعب المصري،
لا سيما في ظل حرب #الإبادة والتهجير القسري القائمة على قدم وساق الآن. إنه خطاب لا يليق ولا يتناسب مع ما يحدث في الوقت الحالي؛
فحتى أعتى قادة الغرب في أمريكا وأوروبا غيروا خطابهم اليوم، ولم يعودوا يتحدثون بهذه الدرجة من الدبلوماسية واللين مع إسرائيل.
#أوباما نفسه صرح قبل عدة أيام قائلاً: "إنكم سلبتم أرض الفلسطينيين وطردتموهم منها". أوباما، الرئيس الأمريكي الذي زارنا سابقاً في جامعة القاهرة وقال إن "إسرائيل باقية"، يخرج اليوم بكلام لم يكن أحد يتخيل أن يصدر عن رئيس أمريكي.
هذا فضلاً عن قادة الكونغرس، ورؤساء وحكام دول أوروبية مثل إسبانيا وبريطانيا، الذين بدؤوا يتحدثون بلغة مختلفة تماماً.
بناءً على ذلك، #لا_يعقل أن مصر العربية -التي تفكر اليوم في الذهاب إلى السعودية للدفاع عن الأمن القومي العربي- تقول لإسرائيل "أنتِ حرة في أرضك"، وتقول لـ"سموتريتش" كفاكم هواجس، فليس لدينا أي أطماع في إسرائيل".
بل لدينا أهداف ؛ #أهدافنا تكمن في أن تكف يدها عنا، وأن نحرر كامل الأرض العربية من المشروع الصهيوني والكيان الصهيوني.
وإذا كانت #عقدة حرب 1967 لا تزال تعشش داخل مؤسسات الدولة المصرية، فإن الشعب المصري الحقيقي قد تخلص من هذه العقدة منذ سنوات طويلة؛ تخلص منها بعد حرب 1973، وتخلص منها مرة أخرى حين رأى أهله وإخوته في فلسطين ولبنان يسطرون كل هذه الملاحم البطولية ويمرغون أنف إسرائيل في التراب.
ليس هكذا تورد الابل.
سيد أمين يكتب: تداعيات انتقال التعليم من المدرسة إلى الشارع
إهانة العملية التعليمية
تمييز تعليمي
ايمان عوف تكتب: كوب شاي
في آخر الغرفة ثلاث كنبات، جلست في أقربها كي أتابع التحقيق، وأتمكن ولو قليلاً من رؤية وجه زميلي، وإرسال رسائل تطمين له بالرغم من علمي اليقين بأنه لا اطمئنان.. لا اطمئنان على الإطلاق.
يبدأ التحقيق؛ الصمت أقسى من الحديث، والكلمات رصاص صامت. أتدخل مرات فيطلب المحقق عدم الحديث إلا بعد انتهاء التحقيق. أمازح زميلي، أحاول بكل جهد أن أشغل مساحة الصمت والأسئلة التي ليس لها إجابات.
تمر ساعات وأنا أحاول أن أتجاوز إحساس الصقيع في جسدي والذي لا أعرف مصدراً له: هل هو المكيف، أم صوت زميلي وهو يبكي عندما سأله المحقق عن أطفاله؟
تتساقط الدموع من عينيه زخات، يدور بوجهه في الغرفة ويسرق نظرات قليلة لنا، يريد فقط أن يطمئن على صغاره: ماذا يفعلون؟ هل ذهبوا لمدارسهم؟ أكلوا أم اعترضوا على الأكل؟ ماذا قالت لهم أمهم عنه؟ هل أخبرتهم أنه سافر ولا تعرف موعد عودته، أم أنها لم تجد إجابة عن أسئلتهم؟
يستكمل المحقق الأسئلة؛ السؤال ذاته بعشرين صيغة، والإجابة واحدة: "لم أفعل إلا أنني صحفي".
تمر الساعات وأتذكر أن ابنتي هي الأخرى لا تعرف عني شيئاً. تتوالى الأسئلة على ذهني؛ أنا التي أعرف أنني لحينٍ سأعود إليها، وأنني تركت لها أكلاً مجهزاً في الثلاجة وأعلم جيداً أين هي الآن، لكني مؤقتاً ليس لدي هاتف كي أتصل بها. يشرد ذهني هرباً من ملل الثماني ساعات، أتذكر آخر نكتة قالها لي ابني شادي ليلة أمس، أبتسم لكني في أقل من الثانية أتراجع على الفور، أتذكر دموع زميلي وأحبس نفسي مرات، وكل مرة تغلبني الدموع أتذكر: "أنا هنا لأسانده، ليس لأبكي!".
تمر الساعات ويطلب لنا المحقق البوفيه، فأطلب القهوة حيث دماغي أصبحت لا تتحمل أكثر من ذلك، فقد فتك البرد بجسدي ودموعي تغالبني. تذكرت: كيف لي أن أتذمر وأنا بعد ساعات كثيرة أو قليلة يمكنني الخروج وطلب القهوة ورؤية ابنتي والاتصال بابني، بينما زميلي جالس أمامي وأنا أعلم أنه لن يعود الآن.. ليس الآن؟
تتردد في ذهني عشرات الأسئلة: لماذا كل هذا؟ هل تستحق الصحافة الحرة كل ذلك؟ هل يدرك الناس ما ندفعه من أعمارنا وحريتنا كي تظل الصحافة؟
أستأذن في كوب شاي لزميلي، يأخذه ويداه ترتعشان، يقترب بأنفه من الكوب كأنه التقى حبيبته بعد سنوات، يشم رائحتها، يشربها على مهل، يخشى أن ينتهي الكوب. أقطع التحقيق وأسأله: "ما قصة الحب بينك وبين كوب الشاي؟"، يجيب: "16 يوماً لم أذق كوب شاي واحد".
يزداد البرد في جسدي، وينتهي التحقيق. أخرج من هذه الجدران الصماء التي لا تحمل إلا ذكريات العجز، أستنشق الهواء لكن صدري أُغلق لا أستطيع التنفس، فالهواء يحمل قمعاً، يحمل صوت بكاء زميلي، قلقي الذي لا ينتهي، الخذلان من الحياة، وعشرات الأسئلة: هل تستحق؟







