رغم أن روح القانون والدستور المصري ترفض التمييز بين الناس فرادى أو مجموعات على أساس ديني أو عرقي أو اجتماعي أو بأي وسيلة من وسائل التمييز، فكان منطقيا هنا أن يرفض التمييز بينهم على أساس اقتصادي.
أن إقامة تجمعات سكنية تقتصر على فئات بعينها من الشعب تميزت بطبيعة اقتصادية ثرية وعزلت بأي من مكونات العزل كالأسوار والبوابات، والأسلاك المكهربة، والخنادق أو الجبال الصناعية أو الحراسات الأمنية التي تحول دون حرية وصول قطاعات أخرى من الشعب لهذه المناطق من الوطن تعد علامات تمييز.
منذ أشهر حدث جدل عبر وسائل التواصل الاجتماعي حينما وصف ناشط حقوقي مصري منطقة “الجونة” شرق البلاد بـ”المستوطنة”
والجونة هي المنطقة التي يجري فيها سنويا مهرجان فني يثير الكثير من الجدل في المجتمع المصري لما يتضمنه من مظاهر بذخ وإسراف عالية ترافقها مظاهر تعر وتحلل سلوكي تنبذها ثقافة هذا البلد.
الناشط عمرو عبد الرحمن والذي يعمل في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية رد على الهجوم عليه بالتأكيد على دقة وصفه لها بكونها مستوطنة قائلا:
“أن أي حيز جغرافي عام يجري انتزاعه وتسويره وتخصيصه لمجموعة حصرية من السكان، ملاك أو مستأجرين أو نزلاء، ويخلق فيه نشاط اقتصادي خاص به كأسواق أو مشروعات إنتاجية صغيرة تضمن له الاستدامة، يصبح هذا الحيز ببساطة “مستوطنة” وهذه الممارسة تصبح استيطان”
أضاف:”أي حيازة لها نشاط اقتصادي ذاتي هو مستوطنة، لذلك فالجونة مستوطنة، ومراسي مستوطنة، ورأس الحكمة مستوطنة وهكذا، لأن مجرد اشتراط معايير معينة لدخول وخروج باقي أهل البلد لهذا الحيز- بخلاف أن يكون مستأجر أو حاجز أو موظف بها… الخ معناه إن الغالبية العظمى من الناس لا يستوفون هذه الشروط، ومحظور عليهم دخوله”
انتهى رد الباحث، بينما كشفت دراسات أن القاهرة وضواحيها أكثر من 350 مجمع سكني منعزل، بل وصارت هذه المجمعات وهي ظاهرة تكاد تنفرد بها مصر دون العديد من بلدان العالم، حديثا إعلاميا وتسويقيا معتادا يقدم للناس بوصفه مظهر من مظاهر التميز والرفاهية والبذخ، يجب المسارعة من أجل الانضمام إليه.
صدمة قانونية
لم استسغ الحال واعتقدت أنه يتضمن تعالي واستكبار طبقي لا يتوافق مع الوحدة الوطنية، وأنا مع هذا لست خبيرا بالقانون، ولذلك لجأت إلى أهل الاختصاص لتبيان مدى شرعية مثل هذه الظاهرة، فوجدته يخبرني بأن القانون يسمح بالتمايز الشخصي بين الناس، نظرا لطبيعية اختلاف الأذواق والعادات والتقاليد والمعتقد والحالة المادية.
لكنه مع ذلك يمنع التمايز الطبقي، بمعني أن قصر مكان معين على أناس معينين غير مبني على قواعد مهنية يعد أمرا مخالفا للقانون.
بمعنى أنه قد يسمح بإنشاء نقابة للصحفيين وحدهم لا يدخلها دون قيود تنظيمية إلا الصحفيين، ولكنه يمنع إنشاء مكان مخصص لفئات معينة من الناس مبني على قواعد غير مهنية،مثل إنشاء تجمع سكني يتميز بالرقي وارتفاع السعر، ويمنع أي مصري من التملك والعيش في هذا المجمع بسبب معتقده أو ثقافته أو لونه أو عمله.
ولما تهاونت الدولة واعتاد الناس الأمر بوصفه حرية اقتصادية، وتناسوا أن الحرية الاقتصادية يجب أن تقتصر على كونها حرية فردية، فمتي اتسعت لتضم قطاعات من الناس ستتحول إلى تمييز على أساس اقتصادي.
معنى ذلك أنه يمكنك أن تبني بيتا أو قصرا وتبني له ما شئت من الأسوار وأدوات الحماية، ومن حق غيرك أن يحذو حذوك وهكذا، ولكن حينما نقوم ببناء أسوار تضم تلك القصور و”الفيلات” فإن ذلك سوف يسمى تمييزا.
تمييز على تمييز
ولما مر هذا الأمر بسهولة، راحت بعض تلك المجمعات السكنية أو “الكومباوندات” تفرض شروطا تمييزية أكثر فجاجة، حتى وجدنا بعضها في مناطق التجمع الخامس مثلا يرفض بيع وحداته لأي سيدة منتقبة أو محجبة، ورغم أن ذلك يعد تمييزا على التمييز،.
ترد إداراتها على من يستنكر سياستهم تلك بأن الحجاب هو نفسه التمييز، ويتجاهلون أننا في بلد يعتمد دستوره الإسلام كمصدر أساسي للتشريع، ويدين أكثر من 90% من سكانه بالإسلام، ويعد حجاب المرأة من صلب عقيدة الإسلام.
فضلا عن أن هذه المجمعات تقبل بالإخوة الأقباط رغم تمييزهم أنفسهم برموز الصليب على أيديهم، وهو الأمر الذي لا ندينه ولكن نأخذه كمثال على ازدواجية المعايير.
المدهش أن هذه التمييز الفج لم يلقى ذات الدهشة والاستنكار التي كان يبديها الإعلام المصري الرسمي والخاص قديما حينما كانت تتكشف وقائع مارست خلالها سلطات دول أوروبية ذات السياسة ضد المسلمين، مع أننا الأولى منها بالاستنكار، مع أن هذه أوطانهم، بينما هذا وطننا، وهذه قوانيننا.
مرتفعات القطامية
منذ ٢٠ عاما أو أكثر، ظهرت في مصر ما يعرف بمرتفعات القطامية، وهي منطقة منعزلة ذات أسوار عالية، تحوي فيلات وقصور تحيط بها بعض المجاري المائية والأشجار الزاهرة الكثيفة.
لفتت أنظار الناس وقتها، واخذوا يرمقونها بنظرة استهجان وإن شئت فقل بالحسد، وذلك لأن مثل هذه المجمعات السكنية لم يكن يعرفها المصريون إلا من خلال القصور الرئاسية والملكية وبعض المنتجعات السياحية التي يزورها السائحون ليقضوا فيها فترة إقامتهم في مصر ثم يرحلون.
في ذلك الوقت قام رئيس حزب الوفد، وهو حزب ذا طابع رأسمالي لا تخالف سياساته مثل هذا المجتمعات الرأسمالية، بشن حملة شعواء على إدارة هذا المجتمع الذين كانوا يمتون بصلة قرابة لرئيس الجمهورية محمد حسني مبارك، متهما إياهم بالتعالي على الشعب المصري وإهدار مياه النيل في حمامات سباحة وإنشاء ملاعب للجولف لأبناء صفوة الحكم.
حتى الآن لا ادري مدى الحالة القانونية الحاسمة لتفشي ظاهرة “الكومباوندات” في مصر، وحتى لو بررها القانون لكني أراها حالة تمييزية يجب مراجعتها.
نعم ..لقد تملكتني عقدة الكومباوندات





