الثلاثاء، 4 نوفمبر، 2014

انجي مصطفى تكتب: تدويل سيناء وخراب مصر



لم أتخيل يومًا وأنا أسرد قصة الشاب الفلسطيني في مقالي "أمامك عشر دقائق للفرار"، أني سأعيد سرد القصة مرة أخرى ولكن بصناعة مصرية خالصة هذه المرة، أو على الأقل بعد ثورة كانت بمثابة عهد جديد سطر فيه المصريون أحلامهم وأعادوا فيه ترتيب أولوياتهم، لتحتل مصر أولى هذه الأولويات وتتوارى الأنانية وحب الذات تحت سماء الحرية والأمل في حياة كريمة، إلا أنه يبدو أن هذا هو حظ المصريين وديدنهم، إلا أن يسلم كل جيل همومه ومتاعبه للجيل الذي يليه.
ولربما شردت بخيالك قليلا وأنت تشاهد أجساد السيناويين مكومة داخل سيارة الترحيلات ريثما يتم قصف بيوتهم بدماء باردة بمباركة قطاع من الشعب وسط هرولة حزبية لاستحضار أجواء 11 سبتمبر، لتصنيف المصريين مع أو ضد الإرهاب، في مشهد هو أقرب إلى الجانب الآخر الذي يفصلهم عنه بضع كيلومترات منه إلى طبيعة المصريين الحارة الودودة.
وقطعا وليس للشك نصيب هنا، نحن نقف بكل قوة خلف أي عمل قومي من شأنه القضاء على جذور الإرهاب وشد عضد الدولة، و لكن.. هل ما يحدث الآن من أحداث متسارعة تخدم مصر أم تعمل ضدها؟
1- تدويل سيناء:
لربما لبست حذاء السيناويين "أقصد نعالهم المتهرئة" داخل سيارة الترحيلات، وتخيلت نفسك مستحضرًا ذكريات طفولتك التي خلت بكل تأكيد من وسائل الاستمتاع الحديثة التي يتمتع بها الأطفال هذه الأيام، إلا أن لها شجونا خاصة، أول لعبة قطنية حاكتها أمك، أول كره من اللدن لعبت بها مع أشقائك على رمال سيناء ولربما أخذتك الذكريات إلى شبابك وعراكك مع أبيك على فتاة أحلامك، ولربما خلا بيتك من كل الذكريات إلا أنك قد بنيته لبنة لبنة وبذلت فيه كل مبذول من جهد ومال، أو ربما التحمت روحك مع أحد هؤلاء في سيارة الترحيلات، نعم ذاك الشخص الذي يمد يده في الهواء ويشير إلى لا شيء، فوجدت روحك هناك، على امتداد يديه تذرف دماء كالدموع على أطلال بيت كان عامرًا، وهو يرى بأم عينيه هوان أهله وهرولتهم داخل المنزل محاولين لملمة كل ما كان يمثل لهم قيمة قبل أن يتساوى وأرضه التي طالما افتخر بعلو بنيانه عنها، فتساوت الرقاب، وأضحى والرمال ذات القيمة.
والآن، أعطني أي مبرر يمنع الأهالي هناك من تدويل القضية!
ولنرجع بذاكرتنا إلى الوراء، تحديدًا في يوم 31 أكتوبر 1968، حين وجه العقيد أحمد محمد على، المتحدث العسكري الرسمي للقوات المسلحة آنذاك، شكره لأهالي سيناء في هذا اليوم، بعد أن وجهت إسرائيل الدعوة لوكالات الأنباء العالمية ومراسلي التليفزيون والصحف لحضور مؤتمر صحفي يعلن فيه موشى ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي، عن رغبة أهالي سيناء في تدويل سيناء وإعلانها دولة منفصلة ولكن الشيخ سالم الهرش "المفوض من باقي قبائل سيناء شمالا" أفحمهم حينما أعلن أن الأراضي السيناوية أراض مصرية خالصة.
2- التحكيم الدولي:
حيث تواصلت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية والمجتمع المدني مع أهالي سيناء الذين تم إخلاء منازلهم وأغرتهم باللجوء إلى التحكيم الدولي، ومع سرعة الإخلاء غير المفهومة وقصف المنازل بعنف غير مسبوق، مع ضعف شديد في تعويض الأهالي عن خسارتهم (آخر معلومة إلى وقت كتابة هذا المقال) يصرف للمتضرر 900 ج لمدة ثلاثة أشهر، لا أستبعد لجوءهم لهذا الحل.
3- اشتعال أتون الانتقام:
حيث تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع لعلميات تعذيب بشعة لأهالي سيناء، ومن غير المستبعد لجوء الأهالي هناك إلى عمليات انتقامية أخرى أكثر عنفا للرد على مثل تلك الإجراءات والتهجير القسري، مما يدخل البلاد في دوامة من الصراعات الداخلية المنهكة للجيش وللاقتصاد الهزيل.
أما عن خراب مصر، فحدث ولا حرج، أضحت مصر معسكرًا كبيرًا، لا تكتفي المحاكم العسكرية فيها بإصدار الأحكام العسكرية على مدنيين عزل، بل وتتعداها إلى بسط نفوذها على جهاز الشرطة والمنشآت المدنية والحيوية بل وحتى الجامعات، ليحاكم طالب عسكريًا داخل حرمه الجامعي!
هل كان التفويض ضد الإرهاب غير كافٍ لتطوق مصر بكل هذه الأغلال العسكرية؟ وهل كان الهاتف في سيناء مدويًا ليصل صداه إلى كل أنحاء الجمهورية؟
وهل فرض السيطرة العسكرية مشجع اقتصادي ويمثل بيئة مغرية للاستثمار والسياحة؟؟
وهل الغضب على من نسميهم أبواق النظام، هو بداية لمرحلة جديدة من مراحل تكميم الأفواه تماما، بحيث لا تنطق إلا تلك التي تسبح بحمد وعظمة النظام والقائمين عليه؟؟
لا نعلم إلى أين يأخذنا هذا المسلك، إلا أن استقراء المؤشرات والمعطيات الحالية لا تنبئ بأي خير.
إرسال تعليق