الخميس، 27 نوفمبر، 2014

المفكر القومى محمد سيف الدولة يكتب : ردا على السيسى: بل هى عدونا اللدود

دأب السيد عبد الفتاح السيسى، منذ تولى الحكم، على التأكيد مرة تلو الأخرى، بمناسبة وبدون مناسبة على الإشادة بالسلام مع اسرائيل، والحرص على أمنها.
وهو يؤكد على ذلك بمواقفه السياسية، وانحيازاته الاقليمية، وقراراته الأمنية، وتصريحاته الاعلامية، متحديا وصادما لكل ما عرفناه و تعلمناه وخبرناه على مر التاريخ.
وكان آخرها حديثه مع "صحيفة كورييري ديلا سيرا" الايطالية، الذى قدم فيه اقتراحه "المريب" ((باستعداده لإرسال قوات مصرية الى الدولة الفلسطينية بعد قيامها كضامن لأمن اسرائيل ولطمأنتها، وانه تحدث طويلا مع نتنياهو فى هذا الِشأن)). وهو الاقتراح الذى أخشى ما أخشاه أن يكون تمهيدا لدور عسكرى مصرى فى غزة.
وسبق أن قال لقناة فرنسا 24 منذ بضعة أيام ((لن نسمح ان تستخدم اراضينا لشن هجمات على اسرائيل جارتنا))
وقال ان ((انشاء المنطقة العازلة كان ضرورة قديمة تأخرت كثيرا))
كما قال فى ذات الحديث ((من كان يتوقع منذ 40 سنة ان السلام بين مصر واسرائيل سيستقر بهذا الشكل))
ومن قبل قال تصريحه الشهير فى لقائه مع الصحفيين((ان السلام مع اسرائيل اصبح فى وجدان المصريين وأنه لا يوجد عبث فى هذا الكلام))
***
1) أما عن رفضه لاى تهديد لاسرائيل من سيناء، فهو فى ذلك لم يأتِ بجديد، وانما يؤكد التزامه الامين والمخلص والعلنى بما جاء فى المادة الثالثة من المعاهدة الذى ينص على ((يتعهد كل طرف بان يكفل عدم صدور فعل من افعال الحرب او الافعال العدوانية وافعال العنف او التهديد بها من داخل اراضيه او بواسطة قوات خاضعة لسيطرته او مرابطة على اراضيه ضد السكان او المواطنين او الممتلكات الخاصة بالطرف الاخر ، كما يتعهد كل طرف بالامتناع عن التنظيم او التحريض او الاثارة او المساعدة او الاشتراك فى فعل من افعال الحرب او الافعال العدوانية او النشاط الهدام او افعال العنف الموجهة ضد الطرف الاخر فى اى مكان كما يتعهد بان يكفل تقديم مرتكبى مثل هذه الافعال للمحاكمة))
وربما كان الجديد الوحيد فى هذا الامر هو ان يدلى رئيس الدولة بنفسه بمثل هذا التصريح الذى كان فى الماضى يترك لأحد المتحدثين باسم الخارجية، لرفع الحرج عن رئيس مصر قائدة الامة العربية، الذى لا يصح ان يعبر صراحة عن حرصه على امن اسرائيل .
***
2) أما استخدام كلمات مثل الجارة والجيران والجيرة لوصف اسرائيل، فهو صادم وغريب ومناقض لكل الحقائق التاريخية والثوابت الوطنية.
كما ان فيه ارتقاء بمرتبة اسرائيل ومكانتها وعلاقاتنا معها بضعة درجات عما كان الوضع عليه ايام مبارك او حتى السادات.
فلقد كانت الرواية الرسمية قبل السيسى عن السلام مع اسرائيل هى نظرية ((مجبرٌ أخاك لا بطل))؛ وخلاصتها أن اسرائيل لا تزال هى العدو الرئيسى لمصر، ولكننا يجب ان نقبل بوجودها والسلام معها مكرهين ومضطرين وعلى مضض نظرا لان الولايات المتحدة وأوروبا ومجتمعهم الدولى يرعوها ويدعموها ويهددون كل من يعتدى عليها او يهدد وجودها او امنها.
اما الرواية المستقرة فى الضمير الوطنى الشعبى والتى تمثل احد أهم ثوابتنا الوطنية بعيدا عن الانظمة والحكومات والرؤساء والمعاهدات فخلاصتها ان اسرائيل ليست جارتنا بل هى عدونا اللدود، وهى ليست دولة طبيعية لشعب طبيعى يعيش على ارضه التاريخية مثل باقى دول العالم، بل هو كيان استعمارى استيطانى احلالى عنصرى ارهابى اغتصب فلسطين وطرد وذبح وأباد وحاصر واسر شعبها.
وعليه فانها لا يمكن ان تكون جارة طبيعية مثل ليبيا وفلسطين والسودان والأردن والسعودية، بل هى مشروعا وكيانا عدوانيا يستهدف مصر والأمة العربية بقدر استهدافه لفلسطين.
كما انها قاعدة استعمارية استراتيجية وعسكرية متقدمة للغرب الاستعمارى بقيادة الولايات المتحدة الامريكية.
أما السلام معها فهو لم يستمر و"يستقر" الا بالخوف والإكراه والتواطؤ والاستبداد. ولو اطُلق سراح الشعب المصرى والشعوب العربية، لما ظلت فلسطين محتلة حتى اليوم.
***
3) أما القول بان المنطقة العازلة هى ضرورة قديمة تأخرت كثيرا، فإنه يطرح استنتاجا فوريا و مباشرا، هو ان مصدر ضرورتها الوحيد والفعلى قبل ظهور اى عمليات ارهابية فى سيناء، هو امن اسرائيل وحصار غزة ومنع تهريب السلاح الى المقاومة.
وهو الامر الذى يتأكد يوما بعد يوم، لان من يريد ان يحمى الامن القومى لمصر عليه ان يغلق الانفاق تحت الارض ويفتح المعبر فوق الارض ويعامله معاملة أى معبر آخر مثل معبر السلوم من حيث الاجراءات والقوانين المنظمة لحركة الافراد والبضائع.
ولكن هدم الانفاق مع اغلاق المعبر فى ذات الوقت هو لحماية امن اسرائيل، والمشاركة فى حصار غزة، وتنفيذا للاتفاقية المصرية الاسرائيلية الموقعة عام 2005 والمعروفة باسم اتفاقية فيلادلفيا والتى تشترط عدم فتح المعبر الا بموافقة اسرائيل.
بالإضافة الى ان الامن القومى المصرى يفترض تامين الحدود المصرية(الاسرائيلية) بذات القدر، ان لم يكن اكثر، لتأمين الحدود المصرية الغزاوية، وان يتم تجميد دخول (الاسرائيليين) من معبر طابا ومكوثهم فى سيناء اسبوعين بدون تأشيرة. وقبل ذلك وبعده أن نسعى حثيثا لتحرير سيناء من قيود كامب ديفيد.
***
4) أضف الى كل ذلك حملات الشيطنة لكل ما هو فلسطينى، وتجنب اى ذكر لدور محتمل لاسرائيل فى العمليات الإرهابية، والانحياز المصرى لها فى عدوانها الاخير على غزة، وفى تعليق الاعمار على شرط نزع سلاح المقاومة، وفى رفع الدعوات القضائية ضد حركات المقاومة بعد ان كنا نرفعها سابقا ضد اسرائيل والمعاهدة وقيودها والتطبيع وتصدير الغاز .
ناهيك عن التصريحات الاسرائيلية الرسمية والصحفية المتكررة والمستمرة التى تعبر عن ارتياحها البالغ للعلاقات المصرية الاسرائيلية الحالية والتى يصفونها بانها لم تتعمق ابدا الى هذا الحد منذ توقيع المعاهدة.
فلأول مرة منذ كامب ديفيد توصف العلاقات المصرية الاسرائيلية بالسلام الدافئ والحار، بعد ان كان القادة الصهاينة يشتكون منذ 35 عاما من كونه سلاما باردا.
***
5) وبالإضافة الى كل ما سبق فان من أخطر آثار مثل هذه التصريحات الدائمة والمستمرة والمقصودة والموجهة هو اختراق الرأى العام المصرى لإعادة تشكيل وعيه و ثوابته، وترويضه على القبول والتعايش مع اسرائيل التى تسالمنا ولا تهددنا والتى يربطنا معها سلام مشترك وامن مشترك ومصالح مشتركة وعدو مشترك.
ويا له من ثمن باهظ لنيل الرضا والاعتراف الدولى الكامل من بوابة اسرائيل.
*****
القاهرة فى 27 نوفمبر 2014
إرسال تعليق