الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

توماس فريدمان: ماذا عن الفشل في فهم أهمية “شيوعيّة” فيتنام و”جهاديّة” داعش؟

 
نشر في : الخميس 30 أكتوبر 2014
في شهر مايو، زرت فيتنام والتقيت بطلاب جامعات هناك. وبعد أسبوع من إحاطتي بالمحبة من قبل الفيتناميين، الذين قالوا لي كم هم معجبون بأمريكا ويريدون العمل أو الدراسة فيها وإن لديهم أصدقاء وأقارب يعيشون في الولايات المتحدة، لم يكن بمقدوري إلا أن أتساءل: “كيف تعاملنا مع هذا البلد بطريقة خاطئة تمامًا؟ كيف وصلنا في نهاية المطاف إلى حرب مع فيتنام، كلفت الكثير من الأرواح، واقتادتهم إلى أحضان عدوهم الأبغض، وهو الصين؟”.
وأنا أعلم أن هذه القصة طويلة ومعقدة. ولكنّ جزءًا كبيرًا منها كان الفشل في فهم أن جوهر الدراما السياسية في فيتنام كان النضال القومي ضد الحكم الاستعماري، وليس احتضان الشيوعية العالمية، وهو التفسير الذي يفرض علينا.
الفيتناميون الشماليون كانوا على حد سواء شيوعيين وقوميين، وهم لا يزالون كذلك. ولكن السبب الرئيس لفشلنا في فيتنام هو أن الشيوعيين تمكنوا من تسخير الشعور القومي الفيتنامي بفعالية أكثر بكثير من حلفائنا الفيتناميين الجنوبيين، والذين كان كثيرًا ما ينظر إليهم على أنهم فاسدون أو غير شرعيين.
تمكن الفيتناميون الشماليون من الفوز بالمزيد من دعم الفيتناميين ليس لأن معظم الفيتناميين صدقوا ما قاله ماركس ولينين، ولكن لأنهم كانوا ينظرون إلى هو شي مينه، ورفاقِه الشيوعيين، على أنهم واقعيون قوميون بطريقة أكبر.
وأنا أعتقد بأن شيء من هذا يحدث الآن مرة أخرى، وعلى قدم وساق، في العراق وسوريا. “الدولة الإسلامية”، أو داعش، لم تكن قادرة مع نواة صغيرة من الجهاديين على اغتنام الكثير من المناطق السنية غير الجهادية في سوريا والعراق بين عشية وضحاها تقريبًا لأن أكثر السنة في العراق وسوريا اقتنعوا فجأةً في رواية الإسلاميين في داعش حول الخلافة.
معظم العراقيين والسوريين السنة لا يريدون تزويج بناتهم إلى متعصب شيشاني ملتح، وليس هناك سوى ما هو أكثر من عدد قليل منهم يصلي خمس مرات في اليوم.
لقد احتضن هؤلاء داعش لأنهم تعرضوا للتعذيب بصورة منهجية من قبل الأنظمة الموالية للشيعة، والموالية لإيران، وهي: نظام بشار الأسد في سوريا، ونظام رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي. ولأنهم ينظرون إلى داعش كوسيلة لإحياء القومية السنية، وإنهاء القمع الشيعي.
والتحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة في العراق يتمثل في محاولتها هزيمة داعش من خلال تحالف ضمني مع سوريا وإيران، اللتين يقوم حلفاؤهما الشيعة المحليون بالقتال في العراق وسوريا. وينظر إلى إيران من قبل العديد من السنة السوريين والعراقيين على أنها “المستعمر” الذي يحاول الهيمنة على العراق لإبقائه ضعيفًا.
وهكذا، ولتخوفها من الشيوعية، تدخلت أمريكا في الحرب الأهلية في فيتنام وأخذت مكان الاستعمار الفرنسي. فهل لتخوفنا من هاجس الجهادية وهجمات 9/11، نحن نتدخل الآن لتقوية إيران في سوريا والعراق؟
هل الجهادية بالنسبة للقومية السنية هي كما كانت الشيوعية بالنسبة إلى القومية الفيتنامية: حركة فكرية مخيفة تطلق ردود فعل عاطفية في الغرب ومعززة عمدًا بفيديوهات قطع الرؤوس، ولكنها تخفي وراءها حركة قومية أعمق هي إلى حد ما شرعية وشعبية في سياقها؟
أتساءل عما كان سيحدث لو لم تشارك داعش في الهمجية، ولو أنها أعلنت: “نحن الدولة الإسلامية. ونحن نمثل مصالح السنة السوريين والعراقيين الذين تمت معاملتهم بوحشية من قبل الأنظمة الفارسية في دمشق وبغداد.
إذا كنت تعتقد بأننا قتلة، اذهب إلى جوجل وابحث عن بشار الأسد والبراميل المتفجرة، أو عن الميليشيات الشيعية العراقية وقتل السنة.سترى ما واجهناه بعد أن قمتم أنتم الأمريكيين بالمغادرة. هدفنا هو تأمين مصالح السنة في العراق وسوريا. نحن نريد دولة سنية مستقلة في العراق، مثلما لدى الأكراد كردستان، مع الحصول على حصتنا من ثروة العراق النفطية”.
كان من الممكن أن يمد هذا داعش بدعم هائل من السنة في كل مكان. مجلة داعش، “دابق”، نشرت مؤخرًا مقالًا بعنوان: “تأملات في الحملة الصليبية الأخيرة”، كتب من قبل معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط، ويجادل بأن حرب أمريكا على داعش تخدم مصالح أعداء أمريكا: إيران وروسيا.
ويقتبس المقال عن استراتيجيين أميركيين من أن “الحزام الشيعي الذي خلقته إيران من طهران عبر بغداد إلى بيروت” يشكل تهديدًا أكبر بكثير من داعش.
إذًا، لماذا قطعت داعش رأس اثنين من الصحفيين الأمريكيين؟
لأن داعش هي تحالف من الجهاديين الأجانب والقبائل السنية المحلية وضباط الجيش العراقي السابق في عهد حزب البعث. وأظن أن الجهاديين الذين يقودون التنظيم كانوا يريدون جر الولايات المتحدة إلى “حملة صليبية” أخرى ضد المسلمين.
تمامًا مثلما فعل أسامة بن لادن. وذلك لتجنيد وجذب المسلمين من مختلف أنحاء العالم، وللتغلب على نقطة ضعفهم الرئيسة، وهي أن أكثر السنة في العراق وسوريا انجذبوا إلى داعش لأنها ببساطة وسيلة لعودة طائفتهم، وليس لأنهم يرغبون حقًا بإسلام جهادي ومتزمت. وليس هناك طريقة أفضل لجعل العلمانيين السنة العراقيين والسوريين يلتحمون مع داعش من قيام أمريكا بقصفهم كلهم معًا.
لا بدّ من احتواء داعش قبل أن تزعزع استقرار دول مثل الأردن، وكردستان، ولبنان. ولكن تدميرها سيكون صعبًا، لأنها لا تركب فقط على موجة الخلافة والخيال الجهادي، ولكن أيضًا على موجة المظالم القومية السنية العميقة.
فصل هذين الأمرين عن بعضهما البعض هو أفضل وسيلة لهزيمة داعش. ولكن الطريقة الوحيدة لفصل السنة عن الجهاديين هو تعليم السنة والشيعة على تقاسم السلطة، وبناء ترابط صحي. فرص تحقيق هذا منخفضة جدًا. وآمل أن يكون الرئيس أوباما قد فكر بهذا.
إرسال تعليق