الثلاثاء، 4 مارس، 2014

المفكر القومى محمد سيف الدولة يكتب : عودة الشيخ

Seif_eldawla@hotmail.com
((ابحث عن كبيرهم و استقطبه و سيطر عليه واكسب ولاءه، فان نجحت فى ذلك، فسيدينون لك جميعا بالولاء، فهؤلاء القوم ليس لديهم دولة بالمفهوم الحديث، وليس لديهم نظاما ديمقراطيا ولا مؤسسات أو سلطات مستقلة، وليس لديهم رقيب او تعقيب على قرارات رئيسهم او مليكهم او أميرهم، انهم كالقبائل البدائية، التى يحكمها رجل واحد هو شيخ القبيلة))
كانت هذه هى خلاصة توصيات مستشارى هنرى لكيسنجر، عن كيفية التعامل مع السادات والحكام العرب خلال حرب أكتوبر وما تلاها، والتى اشتهرت بنظرية "الشيخ والخيمة".
***
((لا يوجد فى الوفد المصرى من له تأثير على "السادات"، أما الوفد الاسرائيلى، فبالإضافة الى "بيجين" هناك "موشى ديان" و "وايزمان" و "باراك"، وسيكون لكل منهم دورا مؤثرا))
من تقارير سفيرى امريكا فى مصر وإسرائيل، للرئيس الامريكى جيمى كارتر أثناء التجهيز والإعداد لمباحثات كامب ديفيد وتحليل المواقف المحتملة لكل الأطراف، ودراسة شخصيات الحضور، وكيفية التأثير عليها (من واقع وثائق الـ CIA عن كامب ديفيد ـ اجتماع مجلس الأمن القومى أول سبتمبر 1978)
***
بعد كل محاضرة كنت أتحدث فيها عن الكتالوج الامريكى لمصر، وكيف انتزعوا منا نصر أكتوبر وأعادوا صياغة مصر على امتداد 40 سنة على كافة المستويات، لتجريدها من الرغبة والقدرة على مواجهة المشروع الأمريكى الصهيونى، كان السؤال الدائم والأكثر تكرارا من الشباب المذهول والمصدوم هو ((كيف فعلوها معنا هكذا ؟ واين كان الشعب والقوى الوطنية ومؤسسات الدولة، وكيف سمحوا للأمريكان وللنظام بان يفعلوا كل ذلك بمصر؟))
وكانت الإجابة التى أقدمها فى كل مرة هى "نظرية الشيخ والخيمة"، التى قدمها المستشارون فى وزارة الخارجية الأمريكية الى هنرى كيسنجر له عام 1973، ليتسنى له إخراج مصر من المعادلة . وهى المهمة التى نجح فيها بالفعل، ولا يزالوا ينجحون فيها حتى اليوم.
فلقد نجح هنرى كيسنجر فى خطف مصر كلها، حين تمكن من السيطرة على شخص مصرى واحد هو أنور السادات.
وفعلها كارتر مرة أخرى فى مفاوضات كامب ديفيد، التى دخلها السادات منفردا، متجاهلا نصائح كل مستشاريه ووزراء خارجيته الذين استقال اثنان منهم هما إسماعيل فهمى و محمد إبراهيم كامل.
وبالسيطرة على السادات ومبارك من بعده، والذى أدى الى السيطرة على الدولة المصرية كلها، تحولت كل مؤسساتها، بقدرة قادر، من الهجوم على أمريكا وإسرائيل وتعبئة الشعب للمعركة، الى بوق فى الاتجاه المعاكس، يروج للسلام وللتبعية، بنفس الأشخاص و بنفس الأدوات وبنفس الأجهزة . انقلبت كلها 180 درجة بجرة قلم .
و منذ ذلك الحين تغير مصير مصر، ومصير فلسطين، ومصير الأمة العربية كلها، وتغيرت موازين القوى الإقليمية وربما الدولية.
انها قصتنا القديمة الحزينة فى العالم العربى، قصة الزعيم أو الرئيس الذى ينفرد بمصائرنا، سواء كان من الأخيار أو كان من الأشرار:
· حَكَم عبد الناصر مصر، فتبعته الدولة فى مشروعه، وعندما مات وانقلب السادات على هذا المشروع، انقلبت معه الدولة.
· وقاتل بعد 1967 ولم يستسلم للهزيمة، فتبعته الدولة، وحين استسلم السادات فى كامب ديفيد، وسلم البلد الى الأمريكان، استسلمت معه الدولة.
· وفى فلسطين، قاتل ياسر عرفات وقاوم 1965ـ 1987، فقاتلت تحت قيادته منظمة التحرير الفلسطينية.
· وحين إنكسر فى المنفى وقرر الاعتراف بإسرائيل فى أوسلو 1993 وتنازل لها عن 78 % من فلسطين، انكسرت معه المنظمة واعترفت.
· وحين تخلى ابو مازن عن الانتفاضة وألقى السلاح، ونسق مع إسرائيل ضد المقاومة، تبعته السلطة الفلسطينية
· و حين سقط صدام حسين فى العراق، سقطت بغداد فى بضعة أيام.
· ولا تزال السعودية والخليج تُحكَمان بعائلات ومشايخ نصّبها الانجليز هناك منذ ما يزيد عن قرن من الزمان
· ولدينا 350 مليون عربى، يتراجعون و ينهزمون كل يوم، أمام 6 مليون صهيونى، بسبب خوف أو تواطؤ بضعة أفراد لا يتعدى عددهم 20 فردا، هم الحكام العرب.
· أما مبارك، فلقد فرط فى الكرامة والسيادة والاستقلال والموارد، وتحالف مع الأمريكان، ودعم حصار العراق وغزوه، وحصار غزة والعدوان عليها، بمباركة كاملة من نظامه و دولته.
· وعندما قرر أن يورث حكم مصر لإبنه، دانت له الدولة، قبل أن يثور عليهم المصريون.
***
أنه الاستبداد فى أسوأ صوره، إنها جرثومة اختصار الوطن والنظام والدولة فى شخص واحد، هو الرئيس أو الزعيم أو الملك أو الأمير، ان فعل فعلنا، وان صمت صمتنا، وان ارتد او انقلب انقلبنا، وان خان خُنّا...
انها أسهل طريقة لاغتيال الأمم والشعوب، اختزالها فى فرد، ثم قتله او احتوائه أو إغواءه أو شراءه او إرهابه أو كسره او الضغط عليه...الخ
هكذا ضاع استقلالنا، وضاعت فلسطين، وضاع العراق وانقسمت الأمة وتدهورت أحوالنا، فاحتللنا موقعنا فى قاع المجتمعات البشرية.
***
الثورة تهدم الخيام:
ومن هنا نستطيع أن ندرك القيمة العظيمة و الانجاز الأهم للثورة المصرية والثورات العربية، حين أسقطت وهدمت كل الخيام على رؤوس كل الشيوخ، ولو لم تفعل شيئا سوى ذلك، فهذا يكفي.
وبدلا من الشيخ الواحد أصبح لدينا 80 مليون شيخ، يمثلون الرأى العام بكافة تنوعاته واتجاهاته و إنحيازاته وبكل موضوعيته أو شطحاته، يتربصون فرادى وجماعات بكل صغيرة و كبيرة، لا يتركونها الا بعد ان يقتلونها بحثا ونقدا وتحليلا وسخرية، ولا يتركون رئيسا او حكومة او وزيرا او مسئولا او عسكريا او شرطيا او رأسماليا يهنئ بالحكم او بالسلطة او بالنفوذ.
ورغم ما أثاره هذا الوضع الجديد من مشاعر الضيق و الخوف و الانزعاج من الفوضى والترحم على هيبة الدولة، إلا انها كانت مسألة ضرورية وردة فعل طبيعية بعد عصور طويلة من الاستبداد والقهر والتغييب، وكان مسيرها ان عاجلا أم آجلا أن تتحول الى أوضاع مؤسسية، تترجم نفسها الى حكم ديمقراطى حقيقى ومستقر، بالإضافة الى انه كان لها انجازاتها الهامة، وعلى رأسها انه لم يعد يمكن لكائنٍ من كان ان يبيعنا فى "سوق الثلاثاء"، والأمثلة كثيرة ومتعددة :
· فإسرائيل أصابها انزعاجا شديدا من الربيع العربى، لأنه خلق واقعا جديدا يهددها ويهدد مستقبلها، بعد أن أصبحت الشعوب العربية طرفا فى صناعة القرار، فلقد اعتاد قادة الصهاينة منذ نشأة اسرائيل، على حد قولهم، على التعامل مع القصور وليس الشعوب.
· وقبل أى عدوان صهيونى جديد على فلسطين، كان رسائل أجهزة الأمن المصرية لنظيرتها فى اسرائيل، هى انه لم يعد بالإمكان السيطرة على حالة الغضب الشعبى المتوقعة، على غرار ما كان يحدث فى الماضى
· وحين كان صندوق النقد يتفاوض مع الحكومات المتعاقبة على القرض، كان يعلق موافقته على شرط القبول المجتمعي، فى سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخ مفاوضاته معنا
· ونجح الضغط الشعبى فى إرغام المجلس العسكرى على تقديم مبارك ورجاله الى المحاكمات، وإرغامه على تقديم موعد الانتخابات الرئاسية سنة كاملة.
· وحين قامت الانتخابات الرئاسية 2012، شعر الجميع لأول مرة فى تاريخهم، بأنه سيكون لهم دور و رأى فى اختيار من يحكمهم، ورأوا كافة المرشحين على قدم المساواة، يحترمونهم و يخطبون ودهم ويتنافسون على أصواتهم.
· ونجحت التظاهرات الشعبية فى إسقاط حكومات وإعلانات دستورية وقرارات عسكرية و رئاسية.
· وتسابق رجال نظام مبارك ومنافقوه، على جبروتهم، على تقديم التوبة وفروض الولاء والطاعة للثورة فى شهورها الأولى، خوفا من الغضب الشعبي .
· وكانت الدنيا تقوم ولا تقعد فى مواجهة اى اعتقال أو أى اعتداء على أى متظاهر أو مصادرة لأى حرية أو رأى.
· وأدت الاعتراضات على مشروع ممر التنمية الى إيقافه ومراجعته، وهو نفس ما حدث مع قانون التظاهر الأول.
· والأمثلة كثيرة وكلها كانت تؤكد على أن الجميع أصبح يعمل ألف حساب للرأى العام المصرى.
***
· صحيح انها كانت أوقات عصيبة ومعارك مرهقة أصابت الكثيرين بالاضطراب والتوتر والتردد، إلا أنها كانت مبشرة وواعدة، فلقد نجحت فى فضح وهدم كل الكواليس والغرف المغلقة والبنود السرية والصفقات الخلفية.
· و لا يجب أن ننسى أبدا أن السيادة فى سيناء قد بيعت هى وغازها وبترولها فى الغرف المغلقة، وكذلك تم توظيف ممرات مصر المائية ومجالها الجوى لخدمة القوات الأمريكية فى غزو العراق، وتم نهب مقدرات البلاد وبيع القطاع العام فى الكواليس، وكل هذا كان يتم بأوامر من "السيد الشيخ الرئيس"، وبالتزام ودعم كامل من أجهزة دولته.
· أما بعد الثورة فلقد أصبحت مصر لأول مرة بكل ما فيها ومن فيها على الهواء مباشرة، بلا أسرار أو مونتاج أو تجميل أو تضليل .
***
عودة الشيخ :
والآن بعد كل هذا التاريخ الأسود لحكم الفرد، وبعد كل هذا الشقاء وكل هذه التضحيات وكل هذه الحريات، هناك من يريد أن يعيد العجلة إلى الوراء، يريدون إعادة مصر إلى عصور"الشيخ والخيمة"، يريدون ان يعيدوا حشرنا وحبسنا جميعا داخل الخيمة مرة أخرى، وأن يضعوا على رأسنا شيخا جديدا !
فهل ينجحون؟
سنرى.
*****
القاهرة فى 3 مارس 2014

صدر من هذه السلسلة :
إرسال تعليق