الجمعة، 28 مارس 2014

بين المستشار زكريا عبد العزيز والاستاذة سناء البيسي مذبحة قضاة جديدة بقلم كارم يحيى

لا أعرف ما سينتهى اليه استهداف المستشار "زكريا عبد العزيز" رئيس نادي القضاة السابق بعد أنباء التحقيق معه واحالته الى الصلاحية على خلفية شكوى تقدم بها أحد المحامين بشأن تصريحات متفرقة أدلى بها القاضي الجليل أحد رموز تيار استقلال القضاء في أمور تتعلق بالشئون العامة . ولا أعرف ما الذي ستنتهى اليه محاكمة المستشار السابق "محمود الخضيري" أحد رموز تيار استقلال القضاء أيضا في اتهامات ضد الواقع والمنطق والعقل على خلفية صد شباب الثوار لهجمات موقعة "الجمل" على ميدان التحرير بين 2و 4 فبراير 2011. وهو الشيخ الطاعن في السن المعتل الصحة الذي يمر عليه شهر تلو الآخر في السجون محتجزا على ذمة القضية . 
لكن ما أعرفه جيدا وكنت شاهدا عليه أن المستشارين "عبد العزيز " و " الخضيري" كانا على رأس كوكبة من أنبل ما عرفته مصر من قضاة شرفاء خاضوا واحدة من حلقات معركة استقلال القضاء والحريات في هذا البلد .وقد بلغت ذروتها بين عامي 2005 و2006. ويخطئ من يظن ان هذه الحلقة في نضال استقلال القضاء اقتصرت على موقعة إحالة القاضيين الجليلين " هشام البسطويسي " و " محمود مكي " للتحقيق والتأديب والصلاحية على خلفية تصريحات تتعلق بالشأن العام أيضا وإتهامها بالسياسة وباهانة القضاء .وهوما يشبه تلك الإدعاءات التي تستهدف المستشار " عبد العزيز " هذه الأيام . فحلقة الصراع هذه حول استقلال القضاء قبل نحو ثمان او تسع سنوات جرت على أكثر من جبهة .كان من بينها تعديل قانون السلطة القضائية و قوة واستقلالية نادي القضاة نفسه و مد سن الخدمة والإحالة الى المعاش وغيرها . 
ولقد كان بامكان المتابع عن كثب لهذه الحلقة في تاريخ النادي والقضاء أن يلحظ مثلا أن القاضي " عبد العزيز" رئيس نادي القاهرة بمثابة شيخ "الحمائم " بين تيار الاستقلال وأن القاضي "الخضيري "رئيس نادي الاسكندرية بمثابة شيخ " الصقور " داخل هذا التيار. لكن حتى المتابع عن بعد كان بامكانه ان يتبين مدى التفاعل بين السادة القضاة ومواطنيهم . وهكذا اصبحت اسماء "البسطويسي "و " مكي " و" الخضيري " وعبد العزيز" وغيرهم من أعلام تيار استقلال القضاء على الألسنة كأسماء نجوم كرة القدم " أبو تريكة " و " شيكابالا". ويعود هذا الاختراق غير المسبوق بشأن علاقة القضاة بالجمهور في ظني الى عوامل عديدة من بينها ثورة الإتصالات من فضائيات و إنترنت . وكذا الى حركة الاحتجاج السياسي التي خرجت الى الشارع ضد فساد واستبداد " مبارك " ونظامه. ولكنها تعود ايضا وبلاشك الى نجاح هؤلاء القضاة الأجلاء في تقديم أنفسهم الى مواطنيهم كأصحاب قضية عادلة .قضية لا تنغلق على شئون القضاة وحدهم . بل تمس نزاهة الانتخابات والحياة السياسية .وهي في صميم تحقيق العدالة للمواطن البسيط بضمان استقلال القضاء عن السلطة .بل وقد نجح رموز تيار استقلال القضاء في التغيير على نحو ما من صورة سلبية ترسخت على مدى سنوات لدى المواطنين البسطاء بشأن " القاضي صاحب الامتيازات ربيب السلطة المنعزل في برجه العاجي ".
هذا الاختراق بالفعل غير مسبوق في علاقة القضاة بالجمهور . وهو غير مسبوق عندي على قياس ما سمعته بنفسي من المستشار الراحل " ممتاز نصار" عندما كنت أختلف صحفيا شابا في عقد الثمانينيات الي مكتبه كمحامي و برلماني معارض في شارع " جواد حسني" بوسط القاهرة . ولقد أتيح لي وقتها ان استمع منه الى بعض من ذكرياته عن حلقة سابقة في معركة استقلال القضاء جرت وقائعها في عقد الستينيات وبلغت المذبحة الشهيرة في صيف 1969 ، حين كان الراحل العظيم رئيسا لنادي القضاة. ولقد علق بالذهن حتى حلقة الصراع في عامي 2005 و2006 رواية الرجل للمحات من ذكرى بمذبحة 69. أقول علق بذهن كاتب هذا المقال ذلك الشعور بالعزلة .كماعلق أيضا أطياف الرهان على الإتصالات مع أهل الحل والعقد في النظام الناصري من أجل تجنب المذبحة وتخفيف آثارها عبثا . 
وإذا ما شئنا العودة لتتبع مسار الشيخين "عبد العزيز " و " الخضيري" في الحياة العامة بعدما لحق بتيار الاستقلال من انحسار وهزيمة في انتخابات نوادي القضاة إعتبارا من عام 2008. لقلنا أنهما إنخرطا وآخرون من رموز الاستقلال في خضم ثورة 25 يناير .فأجتهدوا ـ كل بطريقته ـ في صدق الانحياز والولاء لهذا الشعب و سعيه من أجل الديموقراطية والإنتخابات الحرة النزيهة و القضاء العادل المستقل . إختار "شيخ الصقور" بعدما استقال من القضاء الذهاب الى العمل السياسي وصولا الى رئاسة اللجنة التشريعية في أول مجلس شعب بعد الثورة . فيما إختار " شيخ الحمائم" البقاء داخل صفوف القضاة العاملين ممارسا حقه كمواطن في إبداء الرأي . ورفض ـ كما علمت ـ عروضا تكررت مع تشكيل حكومات مابعد 25 يناير بشغل مناصب النائب العام أو وزير العدل أو محافظ القاهرة .وهو القائل في تصريحات نشرتها جريدة "الأهرام " بعدد 30 يوليو 2012 ردا على الأنباء التي ترددت حينها بترشحه للوزارة :" منصب قاضى من الدرجة الثانية أفضل عندي من منصب الوزير". وهو القائل أيضا في ظل حكم الرئيس الإخواني "محمد مرسي " و ذروة أزمة صياغة دستور 2012 :" مصر إذا وضعت نص أحكام الشريعة الإسلامية في الدستور وطبقته ستذهب في داهية "( خلال مؤتمر بعنوان رؤية الشباب للدستور الجديد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة في 20 نوفمبر 2011).
وعلى أي حال فإن اختيارات رموز الاستقلال إزاء المشاركة في مسار الحياة العامة بعد ثورة 25 يناير ظلت متنوعة متعددة .وقد تصيب أو تخطئ. لكن لايشوبها ما يخالف القانون. وكما قد تتفق أو تختلف مع آراء الشيخين "عبد العزيز" أو "الخضيري" قالاها هنا أو هناك في هذا الشأن أو ذاك. إلا انه لا يمكنك ان تنكر عليهما الحق في إبداء الرأي . كما عليك ان تكون نزيها منصفا في اختلافك مع هذا الرأي أو ذاك. وبالنسبة تحديدا لـ"شيخ الحمائم زكريا عبد العزيز" فإن مارود في عريضة الدعوى أمام محكمة شبرا الخيمة منسوبا الى القاضي الجليل لا يخرج عن حقه الدستورى والقانوني في إبداء آراء لا تمثل خرقا لأي قانون. بما في ذلك قانون السلطة القضائية رقم 46 لعام 1972 الذي يحظر على القاضي "العمل السياسي " لا "الرأي السياسي " . والمعروف أن القضاة لهم ممارسة حق التصويت لا الترشح في الانتخابات العامة . كما ان الحظر المنصوص عليه في القانون بالنسبة لابداء الآراء السياسية يقتصر على المحاكم نفسها لا القضاة انفسهم ( المادة 73). 
واللافت والغريب في قضية " شيخ الحمائم " أن صاحب الدعوى ضده ـ وهي متداولة حاليا ـ عاد لاحقا وتقدم بشكوى أمام التفتيش القضائي بوزارة العدل . وهكذا وجدت هذه الشكوى بالذات ـ ومن دون سيل من الشكاوى ضد آخرين ـ من يأخذها في وزراة العدل ـ وهي سلطة تنفيذ ـ بجدية قد لا تستحقها ،و يدفع بها الى قاضي تحقيق طعن قاضينا المستشار " عبد العزيز" بخصومة سابقة معه . ولكن بلاجدوى . وكأن المطلوب هو تصفية الحسابات مع رموز تيار الاستقلال وثورة 25 يناير . وكأن المطلوب أيضا هو تذكير عموم القضاة بسطوة وزارة العدل كسلطة تنفيذية على محاسبة القضاة وتأديبهم واحالتهم الى الصلاحية . 
بعد حبس " شيخ الصقور " وتقديمه الى محاكمة على هذا النحو يأتي استهداف " شيخ الحمائم " هكذا ليشير الى حلقة جديدة من الصراع حول استقلال القضاء ،ويفيد بملامح مذبحة قضاة جديدة تجرى في صمت وخطوة خطوة. وإذا أردنا فهم طبيعة هذه الحلقة الجديدة فإن علينا تفكيك مكونات الصراع وفق الشواهد التالية :
ـ صراع بين القضاة أنفسهم وحول مستقبل ناديهم . فالمناوئون لتيار استقلال القضاء يسعون لتأمين استمرار سيطرته على نوادي القضاة يتقدمها النادي الأم في القاهرة . وفي سبيل ذلك لم يكتفوا بالشكاوي الكيدية ضد رموز تيار الاستقلال . بل انزلقوا بالصراع الى شطب نحو 120 قاضيا من عضوية النادي ،يتقدمهم رموز الاستقلال مثل المستشارين " ناجي دربالة " و " أحمد صابر" ,وغيرهم ممن يمثلون مع المستشار " زكريا عبد العزيز" مرشحين محتلمين لرئاسة وعضوية مجلس الإدارة في الانتخابات المقبلة. وإجراء الشطب من العضوية على هذا النحو هو غير مسبوق في تاريخ النادي .كما ان هذا الإجراء مخالف لنصوص وروح لائحة النظام الأساسي للنادي ، والتي لا تتضمن بدورها أي سلطة تأديب او عقاب او شطب لأعضائه. ويأتي على خلاف ما التزم به تيار الاستقلال في عهد رئاسة المستشار " عبد العزيز " ومجلسه حيث لم يشطب عضوا واحدا من معارضيه المناوئين لمواقف مجلس النادي حينها في مواجهة عدوان السلطة السياسية والتنفيذية. وعلى أي حال ، فإن تاريخ النادي نفسه هو فترات يتناوب فيها تيار الاستقلال ومعارضوهم قيادة النادي ( تناوب مثلا على رئاسة نادي القاهرة منذ عقد الثمانينيات القضاة يحيى الرفاعي ثم مقبل شاكر فزكريا عبد العزيز فأحمد الزند ). لكن المشكلة الأكبر الآن تتمثل في انزلاق قيادة النادي بأساليب الصراع الى الشطب من العضوية والكيد والتحريض لدي السلطات السياسية والتنفيذية . وفي أجواء تشبه الحرب الأهلية داخل صفوف القضاة تبدو الحاجة الى أصوات ورموز وازنة متعقله تقوم بدور التهدئة والتوسط والمصالحة .وعلى الأقل العودة بالصراع بين الفرقاء الى مراعاة حدودة الزمالة .
ـ صراع مع السلطة التنفيذية . فقضية " شيخ الحمائم" الجارية بين أروقة وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى تكشف في أحد ابعادها أن معركة استقلال القضاء لم يجر استكمالها بعد . صحيح ان القضاة في نضالهم لتعديل قانون السلطة القضائية كسبوا نقاطا على جبهة الاستقلال المالي ( ميزانية القضاء) في عام 2006 . لكن بقي الاستقلال الإداري بعيد المنال على ضوء استمرار ذات النصوص التي تفتح الباب لتدخل وزارة العدل في محاسبة القضاة والتفتيش عليهم وتأديبهم واحالتهم الى الصلاحية. ولا شك أن النصوص الباقية في القانون حاليا بعيدة تماما عما طالب به نادي القضاة في مشروعه لتعديل القانون تحت رئاسة الراحل الكبير المستشار "يحيي الرفاعي" منذ عام 1990. وإذا كان تيار الاستقلال في رئاسته للنادي زمن المستشار "عبد العزيز" قد حقق جانبا من الاستقلال و لم يستطع استكمال الجانب الآخر . فإن رئاسة النادي اللاحقة والحالية زمن المستشار "الزند" عرقلت بعد ثورة 25 يناير اصدار تشريع يستكمل الاستقلال الإداري للقضاء والقضاة عن وزارة العدل والسلطة السياسية ، وذلك بصرف النظر عن تأييد قطاعات في النخبة لرئاسة النادي بزعم وقوفها ضد "مخططات الإخوان " في زمن الرئيس مرسي أو تلك الإتهامات الموجهة الى هذه الرئاسة بأنها ذهبت بعيدا في الاشتغال بالسياسة والإنخراط في صفوف " الثورة المضادة "ولصالح نظام مبارك.
ـ صراع يتعلق بعلاقة القضاة مع المجتمع والرأي العام . وفي هذا السياق فإن صورة القاضي تعرضت لانتكاسات عما كان عليه الحال قبل نحو تسع سنوات . والمسألة هنا تتجاوز ما يتعرض له رموز تيار الاستقلال على اختلاف مشاربهم ومساراتهم مع العمل العام من حملات تشويه واتهامات بـ" الأخونة " وملاحقات.وكلها في رأيي ظالمة . فنحن في هذه الأيام نجد أحكام المحاكم في خضم الصراع السياسي بعد 3 يوليو 2013 محل ظنون بتوظيفها لحسابات السلطة القائمة وفي مواجهة خصومها . كما نجد تساؤلات مشروعة عن التورط في عمل وصراع سياسيين حين يظهر رئيس مجلس القضاء الأعلي مشاركا في حدث مثل بيان 3 يوليو . وعندما يوافق رئيس المحكمة الدستورية على تولى رئاسة الجمهورية في هذا السياق . وفي كل الأحوال ، فإن تساؤلا مشروعا آخر يطرح نفسه عن قابلية القضاء والقضاة لإعادة التوظيف السياسي مرة أخرى في المستقبل إذا ما جاءت للسلطة قوة غير تلك التي تحكم البلاد الآن.
إذن .. نحن في مواجهة أزمة متعددة الأبعاد تحيط بالقضاء والوطن . وهي أزمة تصحب مانشهده من ملامح مذبحة جديدة للقضاة .ولذا أستغرب صمت "سناء البيسي" و "جورج اسحق" وغيرهما من أهل القلم والسياسة. تماما مثلما استغرب صمت "هشام البسطويسي" و "أشرف البارودي" وغيرهما من أهل القضاء. ولعلني أذكر الأستاذة الكاتبة " سناء البيسي" على نحو خاص بما نشرته أثناء حلقة سابقة من الصراع حول استقلال القضاء، وتحديدا في صحيفة " الأهرام" يوم 24 ديسمبر 2005. قالت تحت عنوان :" بيت الأمة ":" القاضي كسر القيد وخرج من الصوبة . ذابت الحدود ما بين نادي القضاة بيت الأمة والشارع المصري ". وقالت أيضا دفاعا عن قضاة الاستقلال "صقورا" كانوا أو "حمائم" :" مطلوب منهم عدم الحديث في السياسة بينما يوكل اليهم الإشراف على الانتخابات وهو قمة العمل السياسي بنص الدستور . والحديث في السياسة كما قال المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي القضاة ليس محظورا على القاضي .وإلا فقد اهتمامه بوطنه وفقد حق المواطنة".
.. نعم استاذتنا " سناء " آن لنا ان نتكلم . وآن أن نرفع الصوت في وجه مذبحة قضاة جديدة وأزمة عدالة ووطن.
المصدر
إرسال تعليق