الثلاثاء، 3 فبراير، 2015

المفكر القومى محمد سيف الدولة يكتب: جريمة سيناء.. من الفاعل؟ ومن المسؤول؟

دماء شهداء سيناء فى رقبة :
1) اتفاقيات كامب ديفيد،
2) والصهاينة
3) وجماعاتهم الارهابية،
4) والسيسى ومنطقته العازلة،
5) وتنسيقه الامنى مع اسرائيل،
6) و الإهمال الجسيم،
7) وحالة الاحتقان والاستقطاب والاقتتال الاهلى الذى ضرب البلاد فى الآونة الاخيرة.
***
اولا ـ اما عن كامب ديفيد، فهى الطامة الكبرى التى جرحت سيادتنا فى سيناء، وجردت ثلثيها من السلاح والقوات، الا ما تأذن به اسرائيل. وانحازت الى الامن القومى الاسرائيلى على حساب الامن القومى المصرى والعربى. وأدت على امتداد سنوات طويلة الى شيوع كل انواع الشرور والأشرار هناك من اختراق وإرهاب وتهريب مخدرات وتجارة عبيد وأعضاء بشرية.
ان سيناء هى المنطقة الوحيدة فى مصر التى شهدت كل هذه الجرائم مجتمعة ومتتالية على هذا الوجه. فحتى بعد الثورة المصرية، حين عم الانفلات الامنى مصر كلها، كانت سيناء هى المنطقة الوحيدة التى شهدت كل هذه الاعتداءات على القوات المصرية من الشرطة والجيش. وكل ذلك بسبب رئيسى وواضح وهو القيود الامنية والعسكرية التى فرضتها علينا المعاهدة، وحالت دون نشر ما يلزم من قوات لتحقيق السيادة والسيطرة الكاملة للدولة المصرية على كامل التراب الوطنى هناك.
حدث ذلك فى عهد مبارك فى جرائم طابا وشرم الشيخ، وفى عصر المجلس العسكرى حين اغتالت اسرائيل خمسة جنود مصريين على الحدود بدم بارد فى 18 اغسطس 2011. وفى اوائل عصر مرسى حين استشهد 16 جندى امن مركزى فى 6 اغسطس 2012 وعرفت بمذبحة رفح الأولى. وفى عهد عدلى منصور حين استشهد 25 جندى فيما عرف بمذبحة رفح الثانية فى 19 اغسطس 2013. وحدث مرتين فى عهد السيسى، الاولى فى كرم القواديس فى 24 اكتوبر 2014 والتى استشهد فيها 33 جندى مصرى. والثانية هى حادث العريش الاخير الذى استشهد فيه ما يزيد عن 30 ضابط وجندى من الجيش والشرطة. ناهيك عن عشرات عمليات الخطف أو القتل التى سقط فيها ضحايا من المدنيين او الشرطة والجيش. وناهيك أيضا عن حوادث السير التى لم ترحم هى الأخرى جنودنا هناك، ومنها حادث حافلة جنود فى 8 اكتوبر 2012 التى استشهد فيها 21 جندى امن مركزى بسبب انقلاب سيارتهم فى منحدر جبلى. وهو الحادث الذى كشف الغربة الشديدة بين الجيش وبين الأرض فى سيناء، ارض لم يعتاد على وطرقها ومدقاتها ومنحدراتها ولا يعرف جغرافيتها وتضاريسها ولم يتمرس على الحركة والتنقل فيها، وكله بسبب قيود كامب ديفيد التى تحظر وجوده هناك.
اذن نحن بصدد ظاهرة عابرة للعصور وعابرة للأنظمة وللرؤساء وللعهود. قبل وبعد مبارك، وقبل وبعد مرسى، وقبل وبعد السيسى. وعابرة للثورات والثورات المضادة او الانقلابات وعابرة للإخوان أو المدنيين او العسكريين.
وما لم يتم تحرير مصر تماما من القيود التى فرضتها وتفرضها اتفاقيات كامب ديفيد على وجودنا العسكرى هناك، فانها لن تكون آخر العمليات ولن يكونوا آخر الشهداء.
***
ثانيا ـ أما عن العدو الصهيونى المسمى باسرائيل، فهو لم يتخلَ ابدا عن أطماعه فى سيناء، والتى عبر عنها قادته اكثر من مرة. كما أن اسرائيل تهدف طول الوقت لتدويل قضية الأمن فى سيناء وتحريض الأمريكان والاوروبيين ومجتمعهم الدولى ضد مصر بحجة انها لا تستطيع ان تفرض سيطرتها على سيناء، وان الامر خرج من يدها، وان الأمر يتطلب تدخلا دوليا على غرار ما يحدث الان فى مواجهة داعش فى العراق وسوريا،لضمان امن اسرائيل.
ناهيك على رغبتها المؤكدة فى اختبار جاهزية القوات المصرية فى سيناء ومدى تدريبها وتسليحها من منظور التجسس و التقييم والدراسة، او من منظور الاذلال والتشهير والتحقير وإضعاف الروح المعنوية لعدوتها اللدودة مصر.
بالإضافة الى توظيفها لمثل هذه العمليات لإلصاق التهمة بالفلسطينيين وبالمقاومة فى غزة ، مما يعمل على مزيد من توتير العلاقات المصرية الاسرائيلية، ويخلق مصالح استراتيجية امنية مشتركة فى مواجهة الخطر الفلسطينى المشترك! وهو التوظيف الذى نجح بامتياز وظهر آثاره بوضوح فى الموقف المصرى من العدوان الصهيونى الاخير على غزة، ومن القرارات المصرية بهدم الانفاق واغلاق المعبر واقامة المنطقة العازلة.
ناهيك عن سعيها الدؤوب لضرب العلاقة بين اهالى سيناء وبين الدولة المصرية، كخطوة تمهيدية نحو انفصال سيناء عن مصر، على غرار ما حدث فى جنوب السودان او كردستان، لتتحول بذلك الى منطقة عازلة بين مصر واسرائيل وبين مصر وفلسطين. وما يلى ذلك على المدى البعيد من الاستيلاء الاسرائيلى على دويلة سيناء الوليدة، بدون التورط فى مواجهة عسكرية مع مصر.
وبالتالى فان صاحبة المصلحة الاولى لألف سبب وسبب فى كل المصائب والكوارث والشرور والجرائم التى تحدث فى سيناء هى اسرائيل.
***
ثالثا ـ أما الجماعات الإرهابية، فنكاد نقطع بصلتها الوثيقة بإسرائيل، مباشرة او اختراقا. وأوضح ما يكشفها انها توجه سلاحها الى الداخل المصرى وليس الى اسرائيل الذى لا تبعد عنها سوى أمتار قليلة. ومن يملك القيام بعمليات بهذا الحجم والكفاءة والقوة والجرأة، فلماذا لا يفعلها مع قوات الاحتلال الصهيونية؟!
ومن يرد بأن السلطات المصرية لن تسمح بذلك، نقول أن هذه حجة واهية لأن هذه الجماعات لا تتحرك وفقا للمسموح والمحظور من قبل الدولة.
ومن يرد، بأن الجيش هو الذى بدأ بالإرهاب، وانهم يقاتلونه ردا وانتقاما من أعمال القتل العشوائى الذى قام به ضد الأبرياء من اهل سيناء، نرد عليه بان اول عملية ارهابية تمت فى اغسطس 2012 قبل اى عمليات للقوات المسلحة هناك.
ان من يسمون أنفسهم بانصار بيت المقدس او ولاية سيناء، يتماثلون مع داعش و القاعدة فى توجيه رصاصاتهما الى مواطنيهم عرب فى العراق وسوريا واليمن وليس الى القوات الامريكية او الصهيونية.
وان كانت داعش والقاعدة من صناعة الاستخبارات الامريكية والاوروبية، فان انصار بيت المقدس وولاية سيناء من صناعة اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية بامتياز.
ونقول ايضا ان تاريخ الثورات على امتداد العقود والقرون الماضية فى جميع بلدان العالم، اثبت ان الارهاب يجهض الثورات ويحرفها عن طريقها. وما حدث فى بلدان الربيع العربى اثبت كيف ان عسكرة الثورات فتحت الابواب على مصراعيها لتدخل واختراق الاطراف الدولية والاقليمية الأكثر قدرة على التمويل والتسليح ليكون لها اليد الطولى فى الصراع القائم. وهو ما حدث فى سوريا وليبيا. كما أن النظام يكون اقدر ألف مرة على ممارسة الارهاب والانتصار فيه.
ونقول أيضا ان البديل الوحيد الممكن فى مواجهة ارهاب السلطة واستبدادها، أو فى إسقاط الانظمة التابعة أو المستبدة أو المستغلة أو الفاشلة، هو حشد غالبية الشعب فى ثورات مليونية سلمية، عبر عملية نضالية طويلة النفس.
كما ان الذي يدفع فاتورة العمليات الإرهابية فى النهاية، هم الثوار بكل تياراتهم، والذين يكونون بعد كل عملية فريسة للأجهزة الأمنية، وللتشهير الاعلامى. وكذلك الحريات التى تتعرض لمزيد من التقييد والعصف. الى الدرجة التى قد تلجأ فيها بعض السلطات الى افتعال عمليات ارهابية لكى تتمكن من فرض قبضتها الامنية واجراءاتها الاستثنائية.
***
رابعا ـ وتقع دماء الشهداء أيضا فى رقبة عبد الفتاح السيسى من حيث انه المسئول الاول فى الدولة، وصاحب قرار إزالة مدينة رفح المصرية من الوجود وإقامة المنطقة العازلة التى كانت اسرائيل تطالب بها منذ سنوات، وكانت الإدارة المصرية ترفضها حتى فى عهد مبارك. بل ان السيسى نفسه حذر فى حديثه المسرب فى عام 2012 من خطورة استخدام العنف مع اهالى سيناء الذى يمكن ان يؤدى الى قيام حرب اهلية وثأر تاريخى ضد الدولة.
ولكنه غير رأيه لاحقا، بحثا عن الدعم الاسرائيلى والامريكى والدولى، ونفذ بالحرف ما سبق أن رفضه، فحدث بالحرف ما حذر منه.
وهو ما خلق حالة من العداء الشديد بين الاهالى الذين دمرت منازلهم، وبين الدولة وأدى الى خلق حاضنة شعبية سيناوية للجماعات الارهابية، ومنبع لا ينضب من الشباب الراغب فى الانتقام والثأر ممن هدم منزله أو قتل أهله أو أهان عائلته.
***
خامسا ـ كما ان للتنسيق الامنى مع اسرائيل دوار رئيسيا كبيرا فيما حدث، فاشتراط قبول اسرائيل وموافقتها على أعداد القوات المصرية الإضافية وتسليحها ومناطق انتشارها وطبيعة مهماتها وخطط تحركاتها ومدة بقائها، فى المنطقة (ج)، وفقا للمصالح والأولويات الأمنية الاسرائيلية، يقيد الى حد بعيد من قدرتها على القيام بمهماتها.
كما انه يتم وفقا للافتراضات الاسرائيلية بان الفلسطينيين هم مصدر الخطر، حيث تطلب اسرائيل وتسمح فقط بقوات مصرية لمراقبة الحدود المصرية الغزاوية التى لا تتعدى 14 كم بينما تترك حدودنا مع فلسطين المسماة بإسرائيل والبالغ طولها ما يقرب من 200 كم، عارية تماما من اى قوات مصرية، ومستباحة أمام كافة أنواع الاختراقات الصهيونية.
***
سادسا ـ بعد ذلك يأتى الاهمال الجسيم كسبب رئيسى وراء نجاح العملية الإرهابية، التى تمت بسهولة لا تتناسب أبدا مع الوضع الحالى للعريش كثكنة عسكرية، ومع حالة الاستنفار والتعبئة القائمة هناك منذ شهور.
***
سابعا وأخيرا تأتى حالة الاستقطاب الحادة التى تعيشها مصر، والتى نشأت بسبب سرقة الثورة وإماتة السياسة، وهيمنة الأمن والقوة والبطش، واعتقال وقتل الآلاف والعصف بالحقوق والحريات والإعدام بالجملة والفصل من الجامعات والشيطنة والتخوين والتفويض والتحريض على القتل وكل ما يؤدى الى ضخ مزيد من الشباب كل يوم ضد الدولة والنظام، ليمثل حاضنة شعبية عامة، وليست سيناوية فقط، للعنف ولموت السلمية وفقدان الأمل فى جدواها. وهو ما يفسر بداية تصاعد أعمال العنف فى التظاهرات الاخيرة، وتضاؤل حجم إدانتها فى صفوف المعارضة كل يوم، والصعاب التى تتصاعد تدريجيا فى مواجهة دعاة السلمية والمدافعين عنها.
***
الله يرحم كل شهدائنا مدنيين كانوا أو عسكريين، ويصبر أهاليهم ويحفظ مصر من كل أنواع الإرهاب والإرهابيين.
*****
إرسال تعليق