الجمعة، 19 ديسمبر، 2014

محمد رفعت الدومي يكتب: الزعيم الخالد.. إسماعيل ياسين!


في يناير "1961" زار "جمال عبد الناصر" المغرب، وكان موكبه يتجول في شوارع "الرباط" مسيجاً بالجماهير وإلي جواره الملك "محمد الخامس" عندما ظهر رجل مغربي بسيط تبدو على وجهه أمارات الطيبة، ظل يصارع الزحام حتى استطاع الوصول إلى السيارة التي تقل الرجلين، ثم صرخ بأعلى صوته: 
- يا سيادة الرئيس! 
طلب "عبد الناصر"من السائق أن يتوقف وأشار للرجل بالاقتراب، وحدث.. 
صافح الرجل "عبد الناصر" وسط دهشة "محمد الخامس" ثم شب على أصابع قدميه حتى اقترب من أذنه، وتسائل: 
- سيادة الرئيس متى ستعود إلى القاهرة؟ 
أجاب "عبد الناصر" مأخوذاً: 
- ربما بعد غد إن شاء الله! 
فاستأنف الرجل: 
- يا سيادة الرئيس، بعد أن تعود إلى القاهرة، إذا استطعت مشاهدة "اسماعيل ياسين"، سلم لي عليه! 
فهز عبد الناصر رأسه موافقاً ثم انفجر هو ومضيفه بالضحك.. 
وصفت "محمد البو عزيزي" من قبل بالرجل الذي استوعب أكثر من أي شخص آخر نظرية الأواني المستطرقة، وأصف الآن ذلك الرجل بأنه أول من استوعب شخصية "عبد الناصر" ووضعه في الزاوية التي تنبغي له، ساعي بريد، كأبيه، لـ "اسماعيل ياسين"! 
لقد كان التهريج وظيفة "اسماعيل ياسين"، لكن "عبد الناصر" كان مهرجاً مطبوعاً، ككل الجنرالات، علي أن فن هؤلاء الهابط يحتاج إلي جمهور من نوع خاص ليستسيغه، هم يعملون في الحقيقة علي صناعة هذا الجمهور وحراسة غفلته من رياح اليقظة بطرق دارجة ومستهلكة، مثلاً: 
ميناء "إيلات" أقيم علي أنقاض قرية "أم الرشراش" المصرية، كانت قوة إسرائيلية بقيادة "اسحق رابين" قد احتلتها عام "1949"في عملية عرفت في أدبيات اليهود بـ"عوفيدا"، ليصبح الوصول إليها من تحت الماء في عهد الجنرالات عملاً بطولياً يستحق تثبيته في فيلم سينمائي، من إنتاجهم طبعاً! 
ولأن ذاكرة الاستبداد تلقي بظلالها علي المستقبل، أقول: 
كان "عبد الناصر" هو الحجر الذي بنت عليه القوي السلبية في الطبيعة مأساة "مصر" المزمنة، وانس كل ما قيل لك عنه فهو مزيف، فلا هو حرر المصريين من عبودية (العهد البائد)، ولا هو طرد الملك، لقد بقيت الخريطة الاجتماعية كما هي، كان كل ما حدث هو مجرد تبادل للمقاعد، لون من ألوان "الأولجاركية الحلولية"، حكم قلة مسلحة تموضع مكان حكم آخر للقلة، لكن، يحسب للـ "أولجاركية" في العهد الملكي أنها كانت أولجاركية مهذبة تحترم الديمقراطية وحقوق الإنسان.. 
حتي الألقاب التي قيل أن "عبد الناصر" أسقطها، استدارت لتسكن "باشوات" و "بكوات" جدد جميعنا يعرف من هم الآن! 
لا تصدق، أيضاً، ما كتبه مثقفو البلاط عن معاناة المصريين قبل انقلاب "عبد الناصر" فهو مضلل، وإن شئت أن تعرف فداحة جريمة الرجل في حق هذا البلد المسكين ليس من الإنصاف أن تقارن هؤلاء الذين تري ظلالهم البشرية في سينما العسكر، أو قرأت عنهم في تاريخ مؤرخي العسكر، بالمصريين الآن، برغم التشابه المروع، لكن، قارن كيف كان يعيش في ذلك الوقت سكان القاع في "ماليزيا" مثلاً أو "ألمانيا" أو "الصين" وكيف الآن صاروا؟ 
المسافة شاسعة، هذه المسافة هي انعكاس صادم لجريمة الجنرالات في حق "مصر"! 
ليت "عبد الناصر" اكتفي بالعصف بكل قيم الديمقراطية التي ربحها المصريون بتراكمات النضال الدامي ضد المستعمر، بل أسس لدولة "الجنرالات المحليين"، إقطاعيون جدد علي أنقاض دولة الإقطاعيين القدامي! 
هؤلاء أشد ضراوة وخسة من الاستعمار الأجنبي، وهؤلاء مشهورون بتبجيل الديكتاتورية بكل ما يندرج تحت هذه القافية الرديئة من قتل خارج القانون وتعذيب واعتقال كخيار أوحد للسيطرة علي ميول القطيع، لذلك، ليس من المستغرب أبداً أن يقتلوا من المصريين في ستين عاماً فقط عشرات أضعاف ما قتل المستعمرون منهم عبر قرون طويلة! 
وهؤلاء لا يستحون، حتي "عبد الناصر"، لا هو عندما أضاع ثلثي مساحة "مصر" بانفصال "السودان" استحي، ولا هو استحي عندما سحق جيشه في حرب "67" بالقدر الذي يكفي ليلهمه ترك موقعه كما حدث في دول أخري كـ "الأرجنتين" مثلاً، بل واظب حتي النهاية علي خداع البسطاء، كان كل ما فعله أن عكف هو والجنرالات علي تأليف سيناريو التنحي الهزيل! 
وهؤلاء، بالإضافة إلي أنهم صادروا حقوق المصريين السياسية، صادروا حقوقهم الاقتصادية ونهبوا مقدراتهم، وأقاموا مستعمرات حقيقية لهم ولعائلاتهم ولأصدقاء عائلاتهم بعيداً عن آلام السكان الأصليين، الأسوأ، أن هكذا دولة داخل الدولة لابد أن تعمل علي تفريغ المشهد من المتهمين بشبهة الرفض، كما تعمل علي أن يملأ المنحطون هذا الفراغ!  احتلال تام الدوائر بقوة الجيش والمخابرات والقضاء وكل مؤسسات الدولة التي يديرها في الغالب ما كان يعرف في الأدبيات الشيوعية بـ "النومنكلاتورا"، وهو مدلول علي "النخبة"، أو الموظفين الإداريين النافذين، بما في ذلك، مع الأسف، المؤسسات الروحية والثقافية، وهذا تأويل مبسط لمفهوم الدولة العميقة التي يعيش مواطنوها بعيداً عن النطاق الزمني لدولة البسطاء! 
تولد هذه الدولة عادة عقب كل ثورة ناجحة أو انقلاب، وتزداد ضراوة كلما تقدمت في العمر، لتتحول في النهاية إلي أقلية "برجوازية" حاكمة خرجت من رحم "النومنكلاتورا" علي استعداد للقتال حتي تلفظ آخر أنفاسها للحيلولة دون سقوطها، وهي في سبيل ذلك، لا شئ يردعها عن أن تتحول إلي "برجوازية كومبرادورية"، أي، تلعب دور الوكيل للأجنبيِّ الأقوي شريطة أن يغض الطرف عما يحدث في الداخل، بمعني، هي مستعدة لمحالفة العدو وقتال الشعب! 
ربما، لحسن الحظ، لم يعد يخفي إلا علي سفيه، حتي الذين كانوا يتحصنون خلف الخروج المرتّب لشرائح كبيرة من المصريين في نهاية يونيو العام الماضي إلي "ميدان التحرير" تأكدوا الآن أن "مصر" تصرخ من كيس قمامة، وأنها مشرفة علي هاوية، وأن هامش المناورة يزداد انكماشاً كل صباح، لقد أصبحت المكيدة عارية، ولقد أدرك العالم كل شئ، كل شئ.. 
إرسال تعليق