الخميس، 25 ديسمبر، 2014

د. أحمد القديدي يكتب: صناعة الفتنة عند العرب

الشرق القطرية
إن من يتابع هذه الأيام أخبار العرب لابد أن تصيبه لعنة اليأس من هذه الأمة، فيدعو الله إن كان من المؤمنين بأن يهب لها من لدنه رشدا، وهي ضائعة جريحة بين عراق ينزف وسوريا تدمي وليبيا تنتحر ويمن مهدد وفلسطين مقسمة وليس لها من نصير من العسف الصهيوني سوى شعوب أوروبية تخلصت من عقدة الذنب تجاه اليهود وأصبحت دولة إسرائيل عبئا عليها بممارسات وحشية خارجة عن القانون والشرائع وتهدد أمن العالم والغرب بالخصوص وأضف إلى الصورة القاتمة مصر التي لم يستقر لها قرار بعد، رغم الهدوء النسبي، بل إن العربي يبصر في سلام دول الخليج بصيصا من أمل ويتمنى أن يشمل سلامها وأمانها كل محيطها المشرقي. 
وهنا وهناك من أرض العرب نرى أيادي خبيثة تؤجج نار الفتنة بكل أصنافها من فتنة طائفية بغيضة وفتنة دينية مدمرة وفتنة قبلية مخربة وفتنة حزبية مفرقة وفي تونس فتنة طبقية وأخرى جهوية بين مناطق تونسية وحدتها كل الوشائج والروابط منذ الفتح الإسلامي وجاء من ينفخ في رمادها الهادئ بحثا عن الجمرة الخبيثة في ظروف الانتخابات الديمقراطية التي تكاد أن تكمل مساراتها. 
وعلى هذه اللوحة الحزينة وفي هذا المشهد المشحون بالمخاطر تزدهر صناعة عربية خالصة ولا تعتقدوا أنها صناعة الطائرات والسيارات والحواسيب والأدوية والتجهيزات الإلكترونية، فهذه تركناها للأوروبيين والأمريكان واليابانيين والكوريين وللإنصاف نضيف لهم الأتراك بعد استعادة رجب طيب أردوغان للهوية التركية وهذه الصناعات لم يحن لدى العرب أوانها بعد، لأن ثقافة الإبداع تتطلب مهارات الحرية وحفظ كرامة بني آدم وتكريس قيم العلم عوض أدوات الظلم. 
ولتأكيد مقولة العلامة التونسي عبد الرحمن بن خلدون بأن العدل أساس الملك وأن الظلم مؤذن بزوال العمران، فإني أضرب مثلا واحدا فقط لا غير، ليقتنعوا مثلما اقتنعت أنا منذ ثلث قرن بأن تقدم شعب من الشعوب لن يتحقق إلا متى تمتع ذلك الشعب بحقوقه المدنية وحرياته السياسية ومتى حصن الدستور عرضه وأرضه وسلامة بدنه ومكنه من المساهمة في اختيار أولي أمره ثم إلى متى اعتنق مبدأ الحداثة الأصيلة لا الحداثة الدخيلة، أي بكل بساطة تحول من كائن مستعبد إلى إنسان حر. 
والمثل الذي يحضرني هو المقارنة بين ماليزيا من جهة وبين تونس من جهة ثانية، ففي سنة 1966 صنف برنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUD هاتين الدولتين على نفس مستوى النمو من حيث معدل الدخل الفردي السنوي ومعدل الإنتاج الوطني الخام ومن حيث الطاقات البشرية والموارد الطبيعية ومؤشرات التنمية الاقتصادية وآفاق التنمية المستقبلية..
نعم كنا نحن في تونس سنة 1966 على نفس خط الانطلاق، جنبا إلى جنب مع ماليزيا تماما، كالرياضيين المتسابقين في مباراة العدو الأولمبي على نفس خط انطلاق السباق بذات الحظوظ وأمامنا نفس المسافة لتحقيق الفوز. والنتيجة في ظرف جيل واحد، تعرفونها جميعا، فنحن في سنة 2014 كالتالي: ماليزيا 11 مليونا من البشر نفس ديمغرافيا تونس، لكن مصنفة في المرتبة 30 في العالم من حيث النمو بنسبة 3% فقراء ونسبة 3% بطالة ومعدل نمو سنوي 7%.
وبالمقابل أصبح وضع تونس كالتالي: بلادي مصنفة في المرتبة 87 في العالم سنة 2010 وتقهقرت حسب إحصاءات أممية إلى المرتبة 93 سنة 2013 بنسبة المواطنين تحت خط الفقر حسب المعايير الدولية تقدر بـ23% سنة 2013 عوض 15% سنة 2009 ومعدل بطالة ارتفع من 16% سنة 2009 إلى 22% سنة 2013. ومعدل نمو لم يتجاوز 1 فاصل 5% ولا تظنن يا قارئي العزيز أن هذا الخندق العميق الذي فصل تونس عن توأمتها ماليزيا جاء بسبب طبيعة قاسية هنا وملائمة هناك أو أن لعنة أصابت التوانسة فتأخروا وأن نعمة حلت بالماليزيين فتقدموا أو أن زلازل أو سنوات عجافا ضربت تونس فدحرجتها إلى الوراء بينما منَّ الله على ماليزيا بمائدة نزلت من السماء، لا وألف لا، لأن الفقر سياسي وحضاري وثقافي في تونس وأن النعمة سياسية وحضارية وثقافية في ماليزيا، بل كما كان يقول أستاذنا الكبير (ألفريد سوفيه) عالم الاقتصاد والاجتماع ومبتكر عبارة العالم الثالث في محاضراته بباريس حين كنا طلابا: (إن التخلف ليس ظاهرة اقتصادية أو سياسية، بل هو ظاهرة ثقافية).
ومن هنا أتطرق لموضوع المقال عن الفتنة العربية انطلاقا من النموذجين التونسي والماليزي لعلي أثير في نفوس الشباب العربي الرغبة في تغيير منكر التخلف بتغيير ما بأنفسنا، لندشن عهدا جديدا من التقدم الاقتصادي والسلام المدني والتعايش بين المختلفين.
والفتنة الكبرى الثانية لدى العرب هي التي نعيش نتائجها المأساوية هذه السنوات، ونأكل ثمارها المرة وقد كان سببها الأصلي سوء تقدير جيل الاستقلال في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حين لم يدرك البعد الثقافي للتخلف واعتقدت أن تحرير أوطانها من الاستعمار الغربي، عسكريا وإداريا، سيكون كافيا لتنهض شعوبهم وتتقدم ولم يدركوا أن نفس الاستعمار ظل معششا في وجدانهم ومستعمرا رؤوسهم فانساقت أغلب النخب الوطنية وراء النموذج المجتمعي والثقافي والاقتصادي وحتى اللغوي وكذلك في الملبس والمأكل والسلوك ظنا من تلك النخب أن ما يسميه الزعيم بورقيبة على سبيل المثال (اللحاق بركب الحضارة) هو أن تحذو الأمة المستقلة حذو الإمبراطورية التي كانت تستعمرها، فحدث مسخ تدريجي للشعوب، لأن زعماءها ألبسوها ثوبا ليس من صنعها ولا من تراثها ولا من قياسها، دينا ولغة، وتقاليد ولا فائدة من تعداد الأمثلة، فهي تقريبا في كل المجتمعات العربية ولنأخذ المثل التونسي لندرك أن بورقيبة كان عن حسن نية يعتقد أننا سنلتحق بفرنسا (مثله الأعلى) أي في الحقيقة مثله الأعلى في مركزية الدولة ونظافة الشوارع وقوة الصناعة لا في المؤسسات الدستورية ولا في حماية الحريات ولا في صون الحقوق، فجلب بورقيبة قوانين فرنسية لتنظيم المجتمع، منها مجلة الأحوال الشخصية التي أدخلت المرأة في الدورة الاجتماعية وزودتها بالتعليم، لكنها فجرت الأسرة التي كانت تعتمد على فضيلة الدين والأخلاق (من ذلك ما نبه إليه وزير الصحة الحالي محمد صالح بن عمار من الإفراط في اللجوء للإجهاض).
ومن ذلك أن في بلادنا أكبر عدد من كتائب الشباب لتزويد داعش ومن ذلك أعلى معدلات الطلاق الذي أصبح شبه مستحيل بسبب قلة عدد القضاة والمحاكم والقوانين المطاطة ومن ذلك أعلى نسب الأمراض النفسية والانهيارات العصبية حسب الجمعية التونسية للأمراض النفسية ومن ذلك أعلى نسب الأمهات العازبات وانتشار ظاهرة الزواج العرفي وتفاقم المآسي العائلية الغريبة التي تظهر منها بعض الحالات في البرامج التلفزيونية الاجتماعية. 
إننا نحتاج إلى ثورة حضارية تعيدنا لهويتنا المسلوبة وتبتكر منهجا أصيلا عوض المنهج الدخيل (كما فعلت ماليزيا المسلمة) لكن النخب في تونس والعالم العربي لا تزال تورطنا في صناعة الفتنة بممارسة النفاق السياسي لإرضاء سادتها الغربيين ونيل شهادات استحسانهم.
إرسال تعليق