الجمعة، 12 ديسمبر، 2014

bbc: ثورة 25 يناير أصبحت ذكرى مع تزايد القمع


أورلا غورين بي بي سي - القاهرة

إذا اردت أن تعرف ما آلت إليه ثورة يناير 2011 في مصر، التي انتهت بعزل حسني مبارك من الرئاسة، يمكنك التحدث إلى قادتها، أو أن تحاول ذلك على الأقل، إذ إن بعضهم في المنفى والبعض الآخر في السجن.
ما زالت الناشطة الليبرالية، أسماء محفوظ، طليقة، وإن كانت منعت مؤخرا من مغادرة البلاد.
وقالت أسماء: "النظام معاد للثورة، ويحاول محوها من التاريخ"، وهو رأي يشاركها فيه الكثيرون.
وفي يناير/كانون الثاني 2011، كانت أسماء، 26 عاما آنذاك، أحد من دعوا إلى الثورة في مقطع فيديو دعائي.
وقالت أسماء في الفيديو: "أنا فتاة وسأنزل إلى ميدان التحرير، وسأقف بمفردي. سأقول لا للفساد، ولا للنظام. انزل معنا لنطالب بحقوقنا".
وبعد أسبوع، احتشد الكثيرون في الميدان، وانتهى الأمر بسقوط مبارك. وبعد حوالي أربع سنوات من الثورة، تقول أسماء إن الوضع أسوأ بكثير مما كان عليه في فترة حكم مبارك.
تقول الناشطة المصرية، أسماء محفوظ، إن النظام الحالي يحاول محو ثورة 25 يناير من التاريخ

وتقول أسماء: "عندما كنا نتظاهر تحت حكم مبارك، كنا نضرب في الشوارع. وكنا نعذب أحيانا. لكن الناس الآن يقتلون بأبشع الصور. النظام الحالي يسحق من يعارضه أو يفكر حتى في معارضته".
التقينا بمحفوظ في منزل والديها. وهي وغيرها من الثوار يهمشون حاليا، وعادة ما يصفهم الإعلام المصري بأعداء الدولة.
ابتسامة مبارك
وعندما أسقطت محكمة مصرية تهمة قتل المتظاهرين أثناء الثورة عن مبارك، رأى الكثيرون أنه حكم بالإعدام على الثورة.
ووسط التهليل في قاعة المحكمة بعد النطق بالحكم، ابتسم مبارك الذي اعتاد التجهم. وما زال مبارك يقضي عقوبة السجن ثلاث سنوات بتهمة الاختلاس في أحد المستشفيات العسكرية، إلا أن محاميه يقول إنه قد يفرج عنه قريبا.
حيى مبارك مؤيديه بعد الحكم ببراءته من تهمة قتل المتظاهرين في ثورة 25 يناير.

ولم تدن المحكمة أي طرف بقتل أكثر من 800 متظاهر أثناء الثورة. وقال أحد الصحفيين المصريين ساخرا عبر حسابه على تويتر إنها قد تكون "حالة انتحار جماعي".
وبعد الحكم ببراءة مبارك، احتشد حوالي ألفين من المتظاهرين الغاضبين في ميدان التحرير، موقع احتجاجات عام 2011.
رأينا خليطا من المتظاهرين الليبراليين والإسلاميين، يهتفون بهتاف الثورة "الشعب يريد إسقاط النظام". وقال أحد الشباب وهو يبتسم: "إنه مثل عام 2011 بالضبط. هكذا بدأ كل شيء".
تظاهر الآلاف في ميدان التحرير احتجاجا على الحكم ببراءة مبارك من تهمة قتل المتظاهرين.

لكن ما إن أنهى كلمته حتى بدأت سحب الغاز المسيل للدموع تملأ الهواء. واقتحمت قوات الشرطة برشاشات المياه، وأطلقوا الرصاص الخرطوش، الأمر الذي تسبب في الكثير من الفوضي في قلب القاهرة.
وأثناء محاولتنا الاختباء، سمعنا إطلاق رصاص حي. وفي هذه الليلة من الفوضى، قتل اثنان من المتظاهرين. ومن غير المحتمل أن يدان أي طرف بقتلهم.
فرعون جديد
ويستخدم الرئيس المصري الحالي، عبدالفتاح السيسي، نفس أساليب النظام السابق. ولا عجب في ذلك، فقد كان مدير المخابرات العسكرية أثناء حكم حسني مبارك.
كما كان هو من أطاح بمحمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب بشكل ديمقراطي.
أيد الكثير من المصريين تدخل السيسي لعزل محمد مرسي.
وكانت قد خرجت مظاهرات مناهضة لحكم مرسي عام 2013. وعزله السيسي، الذي كان وزيرا للدفاع آنذاك، فيما يستمر الجدل حول توصيف ما حدث بالانقلاب العسكري، وهي الكلمة التي تثير غضب المسؤولين المصريين.
وزادت شعبية السيسي، وانتخب رئيسا للجمهورية في مايو/آيار الماضي. وظن البعض أنه سيكون "أقل شدة من مبارك"، لكن أعداد القتلى تشي بغير ذلك.
ويتحدث "الفرعون الجديد" عن الديمقراطية بشغف، في حين يسحق معارضيه.
وتقدر جماعات حقوق الإنسان أن 1400 متظاهر على الأقل قتلوا علي يد قوات الأمن، وألقي القبض على حوالي 40 ألفا، معظمهم من الإسلاميين. وأقر أحد المسؤولين الأمنيين باعتقال أكثر من 20 ألف شخص.
وحظرت جماعة الإخوان المسلمين الآن، ووصمت كجماعة إرهابية، رغم أن السلطات لم تقدم أدلة كافية على هذا الاتهام.
تضع الدولة قمعها للمعارضين وجماعة الإخوان المسلمين في إطار "الحرب على الإرهاب".
وعلى عكس الحكم الذي حصل عليه مبارك وحرسه القديم بالبراءة، حكم على الإسلاميين بالإعدام بشكل ممنهج.

ففي الأسبوع الماضي على الأقل، حكم على حوالي 1400 رجل بالإعدام في محاكمات جماعية، أدينوا بالمشاركة في أعمال شغب مميتة.
ومن بين المحكوم عليهم مراهقون ومعاقون ومتوفون.

تهم "ملفقة"

وأصبحت الآن المشاركة في مظاهرة سلمية، أو حتى المرور بجانب واحدة، إحدى التهم التي يعاقب عليها بالسجن.
وبحسب قانون التظاهر المصري، يحتاج تجمع أكثر من عشرة أشخاص إلى تصريح من السلطات.
يحاكم علاء عبدالفتاح بتهمة التظاهر. وتقضي شقيقته، سناء، عقوبة السجن ثلاث سنوات بنفس التهمة.

ويحاكم العديد من رموز الثورة بتهمة التظاهر، من بينهم الناشط والمدون المعروف، علاء عبدالفتاح.
وعندما قابلنا عبدالفتاح، 33 عاما، في أبريل/نيسان الماضي، قال لنا "يخترعون تهما جديدة ضدي كل أسبوع. تحفظها النيابة. فإنهم يريدون سجني لمدة طويلة".
وينحدر عبدالفتاح من عائلة مناضلة من أجل التغيير، فأخته، سناء سيف، طالبة، 20 عاما، تقضي عقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة التظاهر.
أما والدتهما، ليلى سويف، الناشطة وأستاذة الرياضيات، فتقضي وقتها في استجوابات المحاكم وزيارات السجن.
وتقول سويف إن وجود ابنها وابنتها في السجن آمن لهما من وجودهما في الشوارع، حيث قتلت الشرطة الكثيرين برصاصها.
تتوقع الدكتورة ليلى سويف قيام ثورة جديدة "في غضون أقل من عامين".
وأضافت: "كل يوم جمعة، يقتل العديد من الشباب. وتقريبا كلما خرجت مظاهرة في الجامعات، يقتل البعض أو يفقدون أعينهم. والأسوأ هو العدد المتزايد من المختفين. بعضهم يظهر بعد بضعة أشهر وتظهر عليه علامات التعذيب".
والاستهداف لا يقتصر على المتظاهرين، سواء إسلاميين أم ليبراليين، فالحقوقيون يواجهون قيودا متزايدة وتهديدات بالسجن. والتعديل الجديد غير المحدد على قانون التمويل الأجنبي قد ينتهي بالعاملين في المنظمات الحقوقية بالسجن المؤبد.
وبقيت أبواب مكتب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي واحدة من أقدم المنظمات الحقوقية في مصر، مفتوحة. واستطاع العاملون بها الاستمرار في نشاطهم تحت حكم مبارك. لكنهم يقولون الآن إن المبادرة قد تنهي أعمالها خلال أسابيع، كما انتهى الحال بغيرها من المنظمات.
ويقول رئيس المبادرة، خالد منصور: "يريدون التحكم في أنشطتنا. والتحكم في التمويل هو المدخل للتحكم في أنشطتنا. ليقولوا لنا لاحقا: لا يمكنكم العمل في موضوع التعذيب، فنحن في حرب على الإرهاب. أو أن موضوعا بعينه قد يضر بالسلم العام".
وتابع منصور: "لن يقولوا أبدا ما هو "السلم العام". فبالنسبة لهم، السلم العام هو الخرس العام".
وبالنسبة لمنصور، كحقوقي، مصر الجديدة أسوأ من القديمة. "فتحت حكم مبارك، لم يكن لدينا أمل في التغيير. وأسوأ ما حدث في السنوات الأربع الأخيرة هو أنه كان لدينا آمال كبيرة، وتحطمت كلها. انتهينا بالمزيد من الناس في السجن، والمزيد يتعرضون للتعذيب، والمزيد من المعتقلين".
استعادة الثقة
لكن مساعد وزير الداخلية المصري لحقوق الإنسان، اللواء أبو بكر عبد الكريم، نفى الاتهامات التي وجهها الحقوقيون، بقمع الدولة غير المسبوق.
وقال عبدالكريم: "الدولة تعيد بناء نفسها، وتحاول استعادة ثقة المواطنين. كما صاغت دستورا يؤكد على الحريات. فإن كانت تحاول التحول إلى دولة بوليسية، فلم تم كل ذلك".
يقول مساعد وزير الداخلية المصري لحقوق الإنسان، أبوبكر عبد الكريم، إن الشرطة تتعامل مع المتظاهرين وفق القانون.

ورغم زيادة عدد القتلى في الشوارع، يصر عبدالكريم على أن قوات الأمن أرحم من غيرها في دول أخرى. "فعندما يتجه المتظاهرون للعنف، تواجههم الشرطة بحسب القانون. ولا تتعامل الشرطة معهم بعنف كالذي نراه في بلدان أخرى على شاشات التليفزيون".
ولكن هذا إنجاز ضئيل بالنسبة لدولة تدعي الديمقراطية. لكن العديد من المواطنين يؤيدون بطش الحكومة، إذ يتوقون إلى الاستقرار أكثر من الحرية.
وليس من المتوقع أن تتدخل الحكومات الغربية كثيرا بشأن تزايد الاستبداد في أكبر بلدان العالم العربي، فاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل تجعلها حليفا لا يعوض للولايات المتحدة.
ومع استمرار الفوضى في ليبيا وسوريا والعراق، تعتبر مصر ثقلا للاستقرار في المنطقة.
وكان النشطاء يأملون في نتيجة مختلفة عندما خرجوا إلى ميدان التحرير عام 2011. أرادوا إصلاحا جذريا وإنهاء القمع. لكن الكثيرين يرون أن الرئيس فقط هو من تغير، لا النظام.
وتقول أسماء محفوظ إن مصر تواجه ثورة مضادة. وكأم لطفلة صغيرة، فإنها تنظر إلى المستقبل بخوف. "أحاول أن أظل هادئة. أحاول التفاؤل من أجلها. لكن إن استمر الحال على ذلك، فنحن نتجه إلى الظلام. هم يحاولون قتل أحلامنا".
إرسال تعليق