الأربعاء، 24 ديسمبر، 2014

عمرو حمزاوي :عن نشاط الدولة الأخلاقى

  
نقلا عن الشروق
ما إن تستسيغ منظومة الحكم/ السلطة والمصالح الاقتصادية والمالية والإعلامية والإدارية المتحالفة معها إخضاع المواطن لضمان امتثاله فى المجال العام ــ إن بتأييد الممارسات والإجراءات الرسمية أو بالقبول الصامت لفرض الصوت الواحد والرأى الواحد أو بالانسحاب من الاهتمام بالشئون العامة والرضوخ دون معارضة للتهجير بعيدا عنها، حتى تنفتح «شهيتها» على المزيد من العصف بحقوقه وحرياته والعبث بجميع تفاصيلها الشخصية قبل المدنية والسياسية.
فالتوظيف القمعى لمؤسسات وأجهزة الدولة دون اعتبار لقيمة العدل وبالتغول على سيادة القانون وكذلك السعى إلى تحديد حظوظ الناس (المتفاوتة) من الثروة والعمل وخدمات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وضمانات الحياة اللائقة بكرامة الإنسان وفقا لحضور أو غياب عناصر التأييد والولاء والطاعة (أو فى الحدود الدنيا التزام الصمت والامتناع عن المعارضة)، وهما الأداتان الأساسيتان لإخضاع المواطن فى المجال العام، يزينان لمنظومة الحكم/ السلطة العبث فى مجاله الخاص (معرفا كساحة تفضيلاته الذاتية ومبادرته الفردية وعلاقاته الشخصية) تارة بادعاء صون «الفضيلة» وأخرى باستدعاء «مكارم الأخلاق» وثالثة بتكليف مؤسسات وأجهزة الدولة بحماية «القيم الحقة والأصيلة» وبمجابهة «أنماط وأشكال السلوك الشخصى» المصنفة «رسميا» أو «من أعلى» كنقائض للفضيلة/ الأخلاق/ القيم.
وليست الأحوال المصرية الراهنة ببعيدة عن ذلك، إلا وكيف نفسر «النشاط الأخلاقى» للدولة التى تحارب «الفجور والفسق» وتكشر بعض مؤسساتها وأجهزتها عن قوتها وأنيابها الجبرية بإلقاء «القبض على مثليين جنسيا» وبإغلاق «مقاهى يرتادها نفر من الملحدين والمنحلين قيميا» وتدلل مؤسسات وأجهزة أخرى على قدراتها الإحصائية واحترامها لمبادئ تداول المعلومات والحقائق والتوعية الموضوعية للناس بإصدار تقرير يثبت أن عدد الملحدين فى بر مصر هو «866» على وجه الدقة؟
فما من تفسير لمثل هذا العبث فى مجال المواطن الخاص الذى تصون حرمته القواعد الدستورية والقانونية ولا للعصف بالحقوق والحريات الشخصية التى تقرها النصوص الدستورية والقانونية وترسخها العديد من أحكام المحاكم المصرية (خاصة محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا)، سوى استساغة منظومة الحكم/ السلطة وحلفائها لإخضاع المواطن وانتقالها المحموم من ضمان امتثاله فى المجال العام إلى إجباره على الامتثال فى مجاله الخاص للتعريف الرسمى للفضيلة ولمكارم الأخلاق وللقيم الأصيلة.
وعندها تمتهن حقوقنا وحرياتنا الشخصية، من الحق فى حماية الحياة الخاصة إزاء تغول مؤسسات وأجهزة الدولة وتورطها فى التتبع والتنصت والمراقبة دون التزام بالضمانات الدستورية والقانونية إلى حرية الاعتقاد التى تهمش يوميا فى تفاصيل كثيرة. وعندها تختزل حقوقنا وحرياتنا الشخصية على نحو يتناقض مع مبادئ الإنسانية والمساواة ومناهضة التمييز، ويصبح شرط «صونها» الأساسى هو تماهى المجال الخاص مع الرؤية الرسمية أى رؤية منظومة الحكم/ السلطة لثنائيات الخير ــالشر والمقبول ــ المرفوض والأصيل ــ الغريب وامتثال الناس التام لتصنيفاتها ولتعريفاتها للفضيلة ولمكارم الأخلاق وللقيم الأصيلة أى لجوهر «النشاط الأخلاقى» للدولة.
وبعد كل هذا تأتون بكلام مرسل عن الطبيعة المدنية للدولة وعن حماية الحقوق والحريات الشخصية فى مواجهة وحش الدولة الدينية الكاسر. بينما الثابت هو أن لا هدف للدولة الدينية ولا للدولة القمعية إلا الإخضاع الكامل للمواطن فى مجاليه العام والخاص، وفى الحالتين تذبح الحقوق والحريات
إرسال تعليق