الأربعاء، 4 فبراير، 2015

نوارة نجم لـ"السيسي": لم نر منك إلا قتلا، واعتقالا، وتنكيلا ، وتوحشا لإعلام قذر يدار من مكتبك


أيتها النبية المقدسة
لا تسكتي.. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً
لكي أنال فضلة الأمانْ
قيل ليَ "اخرس "
فخرستُ.. وعميت.. وائتممتُ بالخصيان
ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان
أجتزُّ صوفَها ..
أردُّ نوقها ..
أنام في حظائر النسيان
طعاميَ : الكسرةُ.. والماءُ.. وبعض الثمرات اليابسة
وها أنا في ساعة الطعانْ
ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ
دُعيت للميدان !
أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..
أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان
أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة !!
من قصيدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" لأمل دنقل.
قبيل هزيمة 1967، كان إعلاما طبالا راقصا متغنيا بانتصارات زائفة يصب قاره في آذان الناس. وكان جمهورا يصدق، أو يريد أن يصدق إيثارا للسلامة، وتهربا من مخاوف كابوسية تزعج منامه، وكانت حناجر صارخة، تتهم كل من يشير إلى الخطأ أو الخطر بالخيانة والعمالة والانهزامية، وكانت أصوات متخاذلة تبدأ بمقدمة صحيحة: الوطن في خطر، ثم تصل إلى نتيجة خاطئة: لذا يجب علينا التغاضي عن الأخطاء والجرائم لنواجه الخطر.
ثم ثبت بعد الهزيمة إن التغاضي عن الأخطاء والجرائم لم يقدنا إلا إلى هزيمة منكرة، ندفع ثمنها حتى اللحظة التي تكتب فيها السطور، ولم نعد كسابق عهدنا أبدا، ولا نعلم، لو استمرأنا مسلكنا الذي لا يبدو فيه إننا تعلمنا من الماضي، هل سنعود لسابق عهدنا أم سنظل نواجه انحدارا بعد انحدار، وهزيمة تلو هزيمة؟.
جريمة بشعة تنال جنودنا في العريش، ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. الغريب في الجريمة إن مقترفيها لم يعمدوا إلى أي ابتكار أو تجديد: هي ذاتها نفس مدافع الهاون، هي ذاتها نفس طريقة القتل، هو ذاته نفس الغدر، هي ذاتها نفس الغرة التي أخذ الضباط والعساكر على حينها. وهو القفا السابع والخمسين الذي نأخذه على سهوة.
شباب في عمر الزهور، يمكن أن يكون قريبك، أو أحد أفراد عائلتك، أو جارك، أو صديقك، يقوم بواجبه في أداء خدمته العسكرية، كل جريمته إن له أخ ذكر، وإنه لائق بدنيا وذهنيا، أو ضباط، كل جريمتهم إنهم التحقوا بالكلية الحربية. من المفترض إن دورهم هو حماية حدود البلاد، والموت في سبيل الوطن إذا ما قامت حرب حقيقية. يقتلون هكذا في غمضة عين، يذهبون ضحايا لثلاث عمليات إرهابية متزامنة، بينما يتجول الإرهابيون في سيناء التي طالما شربت دماء جنودنا على مر العقود، كأنهم يتجولون في غرف نومهم، يركضون بخفة ومهارة، يقتلون أبناءنا، ثم يذهبون كالأشباح.
تخرج علينا الصحف وهي تقول إن القوات المسلحة قتلت الإرهابيين المتورطين في العملية في اليوم التالي... ويقول أهالي سيناء: كذب... لقد قتلوا أهال بالخطأ.
عادة ما يحدث هذا، تنشر القوات المسلحة صورا لبعض القتلى، وتقول إنهم إرهابيون، ويقول أهالي سيناء: أبناؤنا.... قتلوهم بالخطأ، ثم اتهموا جثثهم بالإرهاب.
لا أعلم شخصيا من أصدق، لكنني أذكر إنه في الثامن من أكتوبر 2014 ادعت الصحف المصرية إن قوات الجيش قتلت أبو أسامة المصري، المتحدث الإعلامي لأنصار بيت المقدس، ثم فوجئنا بعيد عملية العريش بإن ذات الصحف تدعي بإن قوات الجيش ألقت القبض عليه!
قال لي أحدهم: لم نقصر... نحن نقاتل أشباح.
طيب.. تاهت ولقيناها.
من المؤكد إن طريقة الجيوش النظامية في القتال تختلف تماما عن طريقة حرب العصابات، وفي هذه الحالة، تكون العصابات أمهر وأخف في الحركة، إذن، فنحن نحتاج لخطط جديدة، واستراتيجية جديدة.
تخرج أصوات: يعني حيقولوا الخطة الحربية في التلفزيون؟
بالطبع لا.. لكن لو إن هناك تغير في الخطة الحربية لتغيرت النتائج.
تعلو أصوات هيستيرية: اقتلوا كل من يتظاهر، أي شخص يبدي معارضة في هذا الوقت هو خائن، أي إنسان يشير إلى تقصير أو قصور أو إساءة إدارة، هو عميل، مش من بلدنا، ولا من ولادنا.
طيب، على الأقل وفروا الرصاص الذي تقتلون به المتظاهرين لقتل الإرهابيين، وإن كنت أفضل أن تقبضوا عليهم وتحققوا معهم لمعرفة ما إذا كانوا إرهابيين بالفعل أم من الأهالي الذين زرعت فيهم الغل والكراهية، فأضحوا ضحايا لكم كما هم ضحايا للإرهابيين.
نحن لا نريد أن نسمع الحقيقة، نريد أن نستمر هكذا في الطبل والرقص، وإذا ما سقط جنودنا ضحايا جرائمنا نحن، نبكي عليهم ونولول وننشر صورهم، ونصرخ، ونسب، ونلعن، ونصرح باكتشاف خزعبلي: الأخوان وحشين، والإرهاب أسود، والإرهابيون قتلة ومجرمون.
ياااااااااااه... هذه المعلومات بالنسبة لي جديدة جدا، وقد فاجئتني، بقى الإرهاب أسود؟ أنا كنت فاكراه كافيه أو ليه.
لا أتحامل كثيرا على كل من يرغي ويزبد، فهو يتطوع لحل مشكلة لا يرى إن الدولة ماهرة في حلها، أو حتى مسيطرة على مقدرات الأمر، لذا فهو يشعر بعدم الأمان، مما يدفعه للهذيان الغاضب: اقتلوا الجميع حتى أنا... الخطأ الحقيقي هو إنكم لم تقتلوا كل من كان في اعتصام رابعة العدوية... اقتلوا بلا محاكمات... اقطعوا عنا المية والنور!
لكنني أقلق حين يردد الإعلاميون هذا الكلام، لا لإنني أخشى على الناس من تأثير الإعلام، بقدر ما أخشى على السلطة من أن يكون هذا هو تفكيرها! جميعنا يعلم أن أحمد يكتب ويتصل بالإعلاميين والإعلاميين يكتبون ما كتبه أحمد في السكريبت، ويقرأون منه بعد وضعه على السكرين، أي إن الإعلاميين لا يتحدثون من واقع ذعرهم كما يفعل العامة، بل من واقع ما أملاه عليهم أحمد.
مما يثير حفيظتي، هذا يعني إن الدولة وأجهزتها التي يكتب وراءها أحمد ويملي على الإعلاميين، تعاني من نفس الذعر الذي يعاني منه الناس، وليس لديها أي خطة لمواجهة هذه الكارثة الحقيقية التي نواجهها سوى بشحن الجماهير، أو كما قال طيب الذكر: عايزين نهيج الناس، حتى أوشك الناس على الاقتتال الأهلي في الطرقات من فرط الشحن وتغذية الغضب والخوف.
لا أحد يريد أن يعترف بإن العنف لا يولد إلا العنف، لا أحد يريد أن يعترف بإن الشحن وتقسيم المواطنين إلى وطنيين وعملاء، ويكون هؤلاء العملاء هم كل من يعترض على أي شيء حتى لو كان قطع التيار الكهربي، يشتت الدولة عن التركيز على هدفها، إذا كانت بالفعل تود أن تنتصر في هذه الحرب، لا أن تستغل الحرب لتحقيق مكاسب سياسية، غير آبهة أو غير واعية لفداحة الموقف الذي نتعرض له جميعا.
الأدهى من ذلك، إن أحد الإعلاميين، الملتزمين دوما بتعليمات أحمد، دعا الناس للنزول لمنح عبد الفتاح السيسي تفويضا جديدا. وبالطبع، هذا الإعلامي البريء ما كان له أن يقترح هذا الاقتراح المضحك الذي ينم عن ارتباك وهلع من تلقاء نفسه، الراجل عبد المأمور... ادبح يا زكي قدرة يدبح زكي قدرة. بقول آخر، هل اقتراح الاحتشاد لمنح السيسي تفويضا جديدا هو اقتراح السيسي ذاته؟
أمال فين التفويض الأولاني يا ريس؟ حمض؟
وما الذي فعلته بالتفويض الأول حتى نشعر بأنه استهلك، أو بأنك "نسلته" على دماغ الإرهابيين، فوجب شراء تفويضا جديدا بورقته؟
منذ أن منحك الناس التفويض لم نر إلا قتلا عشوائيا، واعتقالا عشوائيا، وتنكيلا عشوائيا، وتوحشا للإعلام، ثم نكتشف بإن هذا الانحطاط الإعلامي يتم إدارته من مكتبك، مع ازدياد في عدد الشهداء من جنودنا في سيناء، وازدياد في عدد الشهداء المسالمين من المتظاهرين وحملة الورود، ومع تددهور الوضع وخروجه عن السيطرة، وكلما وقعت حادثة وجب علينا أن نحاسبك عليها، أطلقت علينا طبالينك الإعلاميين، ولجانك الإلكترونية، والمغفلين التابعين لك، والمذعورين بلا عقلانية، يتهموننا نحن بالخيانة، ويدعون بإن من يعترض على تقصيرك هو المتسبب في قتل الجنود... يعني لو ما كناش اتكلمنا ما كانش الجنود ماتوا
ثم تخرج علينا سيادة الرئيس لتكشف لنا سرا خطيرا: العملية ديت بتدبير من جهات خارجية!
أنت فاجئتني بالمعلومة دي. وتقول لنا بإننا نواجه أكبر تنظيم سري في العالم. ثم تخطرنا بمعلومات عجيبة غريبة:
قيادي كبير، يمكن هو القيادة الأكبر والمتحكمة في شئون الجماعة، طلب مقابلة قيادة كبيرة.... اللي هي أنا، وقال لي حتواجهوا مقاتلين من أفغانستان وباكستان وفلسطين.... إلخ.
آه، وحضرتك ما قولتلناش إنه خيرت الشاطر ليه؟ خايف على مشاعره، ولا مش عايز تغتابه، ولا مش عايزه يرفع عليك قضية سب وقذف؟
بالمناسبة يا سيادة الرئيس، أنا أصدقك لإن بعض العناصر من قواعد جماعة الأخوان قالوا لي شخصيا كلاما مشابها لهذا، بل قال لي أحدهم بالنص: اللي عملناه معاكم في الاتحادية حمادة، واللي حتشوفوه من الجهاديين حمادة تاني خالص لو مشيتونا، احنا اللي حايشينهم عنكوا.
لكن لماذا لم تفسر لنا، كيف يجرؤ هذا الرجل على تهديدك بهذا الشكل السافر، ومع ذلك تقول بإنك كنت على استعداد لإجراء انتخابات مبكرة لمساعدة مرسي من الخروج من الأزمة؟ وماذا كنت ستفعل لو إن مرسي نجح للمرة الثانية في هذه الانتخابات المبكرة؟
كنت أتوقع خطابا يراعي مشاعرنا ويحترم عقولنا، خطابا يشير إلى أن هناك تقصير ما، وإن هناك انتهاكات ما، وإن هناك تشتيت ما عن القضايا الوطنية الحقيقية، وسيتم معالجة كل هذه الأمور، لكنك لم تقل شيئا سوى الحديث عن المؤامرة، وإرهاب المواطنين بالإرهاب، بل واستحثاثك للقضاء على مزيد من البطش، وللإعلام على مزيد من النفاق بدعوى الحفاظ على الروح المعنوية.
واجه الحققة: إننا جميعا نعاني من روح معنوية منهارة، أولنا من يقول بإن روحه المعنوية عالية وإنه لم ييأس، بل أنت أولنا يا سيادة الرئيس، وارتباكك باد عليك، وقد أشفقت عليك بالفعل، وأنا كمواطنة أريد مساندتك، لكنك لاتعطيني أو تعطي نفسك فرصة. أريد أن أصدقك، وأنت لا تمنحني هذا الحق.
الروح المعنوية تنهار من الكذب، لإن الكذب يربي عدم ثقة وعدم الثقة يؤدي إلى الشعور بعدم الأمان، والشعور بعدم الأمان يدفع الإنسان لتصرفات جنونية غير محسوبة العواقب.
يا سيادة الرئيس، نحن نركض بسرعة الصاروخ نحو "ستين داهية" وسيغرق جميعنا، ولن نجد وطنا نتعارك عليه، يا سيادة الرئيس الروح المعنوية ترتفع بالمصارحة والمكاشفة والصدق، يا سيادة الرئيس دعم المصريين الذي تطلبه يكون بالمشاركة لا بالحشد والتطبيل، أنت تحتاج النصيحة، حقيقة إنني لا أحبك البتة، لكننا جميعا نواجه عدوا حقيرا قذرا يهددنا، لا يرغب سوى في تحطيمنا جميعا، وليس لدينا رفاهية "الخيار" الذي طرحته علينا، ليس أمامنا سواك أنت والمؤسسة التي تقف خلفك، حنروح فين يعني؟ وأنت ليس لديك رفاهية التجربة والفشل، وليس أمامك خيار سوى النجاح، وأنت لا تعمل من أجل النجاح، أنت تعمل من أجل التخدير، كله تمام، احنا روحنا المعنوية تمام، احنا مسيطرين، احنا زي الفل.
لا احنا مش زي الفل يا ريس... احنا مش زي الفل أبدا. وأنت بدلا من تستخدم ذلك التفويض لمكافحة العصابات الداعشية، استخدمته للتنكيل بخصومك السياسيين، ولقتل المتظاهرين السلميين، ولتلفيق التهم للأبرياء، مثل تلفيق تهمة قتل شيماء لعم زهدي الشامي، الرجل المسن المريض، ولشحن المواطنين بالغضب والخوف، ولمنح صلاحية لضباطك كي "يكلموا القاضي"، إلى جانب صلاحيات أحمد.
يا سيادة الرئيس لقد نبهك الناصحون عدة مرات إلى أهمية شراء رضا أهالي سيناء بكل ما تملك من قوة وقدرة، فما كان من قواتك إلا أن نكلت بهم وأقعت بهم عقوبات جماعية، فرفض الأهالي التعاون مع قوات الجيش. أنت تشتت انتباه المواطنين، وتستغل جرائم الإرهاب كي تكمم الأفواه وتتهم كل من يعارضك أو ينصحك بالخيانة والعمالة.
أنت ستدفع ثمن ما تفعل. وسندفع جميعا معك، ولن نكون سعداء وقت أن نقول لك: احنا مش قلنا لك إن ده حيحصل؟
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبار
فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار
فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار
وحين فُوجئوا بحدِّ السيف: قايضوا بنا
والتمسوا النجاةَ والفرار
ونحن جرحى القلبِ
جرحى الروحِ والفم
إرسال تعليق