الخميس، 16 أكتوبر 2014

لواء عادل سليمان يكتب : باب المندب وأخواتها ولعبة الأمن القومي

 
*كاتب وباحث أكاديمي مصري في الشؤون الاستراتيچية والنظم العسكرية.

انتبه، أيها الشعب المصري العظيم، فأمنكم القومي في خطر داهم، جماعة الحوثيين في اليمن السعيد تسعى إلى التمدد، لفرض سيطرتها على كل الساحل اليمني، بما في ذلك مديرية باب المندب، المطلة على المضيق وجزيرة موين، أي الساحل الآسيوي للمضيق الذي هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، للسفن وناقلات النفط القادمة من خليج عدن وبحر العرب، متجهة إلى البحار المفتوحة عبر قناة السويس، وأيضاً، تلك المتجهة إلى موانئ البحر الأحمر في مصر والمملكة السعودية، وأيضاً، الميناء الوحيد للعدو الإسرائيلي على البحر الأحمر، إيلات. وإذا بنا أمام حملة إعلامية موجهة للمصريين، وللمصريين فقط، أنْ انتبهوا لهذا الخطر القادم من اليمن بالتحديد، فالحوثيون سيهددون قناة السويس القديمة والجديدة أيضاً. وتصريحات رسمية عليا تشدد على أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التهديد، وعلى الشعب المصري أن يكون جاهزاً لهذا التحدي الجديد لأمنه القومي !؟ كل الصحف، الورقية والإلكترونية وبرامج التوك شو ومقدميها ومقدماتها وضيوفها من الخبراء والمحللين، لا هم لهم سوى طرح هذا الأمر الجلل ومناقشته، ولا صوت يعلو على صوت باب المندب!
وتغاضى الجميع عن حقائق بسيطة على أرض الواقع، أهمها أن باب المندب مضيق على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، عرضه ٣٠ كيلومتراً، حوالى ٢٠ ميلاً، واليمن يطل عليه، ويمتلك جزيرة اسمها موين، على مسافة ٣ كيلومترات من الساحل اليمني هي التي يمكن أن تؤثر على المضيق، وعلى الساحل الأفريقي جيبوتي، تجاورها مباشرة أثيوبيا وإريتريا، والممر الرئيس للسفن من ناحية الساحل الأفريقي في ممر بحري، عرضه أكثر من ٢٠ كيلومتراً. والأهم أنه، بعد حرب أكتوبر 1973، وسيطرة مصر على باب المندب، بالتنسيق مع اليمن وقتها، لمنع السفن المتجهة إلى إسرائيل، عبر البحر الأحمر، من المرور في ظل العمليات العسكرية، مؤقتاً. تنبه العدو الإسرائيلي للأمر، وقام بتوثيق علاقاته مع الثلاثي الأفريقي، جيبوتي وأثيوبيا وأريتريا، للوجود في المضيق، ثم عقدت أميركا اتفاقية تعرف باتفاقية چاميكا في 1994، بشأن باب المندب والمضايق الدولية، ثم وجدت فعلياً في سفينة الاستخبارات، مونت ويتيني، في ميناء جيبوتي، ثم تشكيل قوة بحرية أميركية فرنسية بريطانية، تحت مسمى مقاومة الإرهاب في المنطقة، لتأمين الملاحة الدولية في المضيق، بل وأعطت نفسها وحلف الناتو باتفاق شراكة مع العدو الإسرائيلي في عام 2009، الحق في اعتراض وتفتيش أي سفينة، تشك في أمر حملها أي أسلحة بشكل غير قانوني، فماذا في وسع الحوثيين، أو أي كائن من كان قد يحكم اليمن، أن يفعل في هذا المضيق، باب المندب، الذي يمثل ممراً لنحو ٢٠٪ من نفط العالم؟
هذا عن باب المندب والحوثيين والأمن القومي المصري الذي أصبح فجأة في خطر. بالطبع، لا نقلل من أهمية المضيق بالنسبة لمصر. ولكن، نوضح أن الأمر يدخل في نطاق السلم والأمن الدوليين، ومصر شريك بالتأكيد. نعود إلى أخوات باب المندب، فسنكتشف خطراً داهما آخر تناوله إعلام الندامة، الذي لا هم له إلا تنبيه الشعب المصري العظيم إلى المخاطر التي تهدد الأمن القومي، من حين إلى آخر، وهو حلايب وشلاتين، تلك الأرض المصرية في أقصى الجنوب على حدودنا مع السودان الذي هو شقيق، وكان أحد جناحي وادى النيل، وكان لدينا ملك في زمن فات، لقبه ملك مصر والسودان. حلايب وشلاتين معرضة للسرقة واقتطاعها من حضن الوطن لضمها إلى السودان، فهناك تصريح من مسؤول سوداني أنها أرض سودانية، بأمارة أن كل سكانها من ذوي البشرة السمراء، فيا أيها الشعب المصري العظيم، انتبه، ولا صوت يعلو على صوت حلايب وشلاتين. وتفرد الصحف صفحاتها، وتخصص المواقع تحقيقاتها وأخبارها العاجلة، وتنشط سيدات التوك شو، وأيضاً رجاله، في استضافة الخبراء والمحللين، للتعليق والتنبيه والإنذار، ويصرخ الجميع أن حلايب وشلاتين ستضيع منا.
وتمر الأيام، وينشغل الناس في بلدي بأمور أخرى، لا ترى فيها السلطة أنها تهدد الأمن القومي، مثل انقطاع الكهرباء، أو أزمات الوقود، أو ارتفاع الأسعار، أو قمعية أجهزة الأمن، ومخالفات حقوق الإنسان، وغير ذلك، فيصبح من الضروري تنبيه الشعب المصري العظيم إلى مهددات الأمن القومي، لتستيقظ قضية أم الرشراش، والتي هي، الآن، ميناء العدو الإسرائيلي الوحيد على البحر الأحمر. تخرج علينا التحليلات والتأكيدات أن هذه القرية العربية هي، في الأصل، مصرية، ولابد من استعادتها، ولا صوت يعلو على صوت أم الرشراش. ومرة أخرى، الصحف والمواقع، والبرامج والمحللون. وللعلم فقط، أم الرشراش كانت، حتى سنة 1949، تحت سيطرة القوات الأردنية، وانسحبت منها، بعد توقيع اتفاقيات الهدنة مع العدو، كما أن الحدود المصرية مع فلسطين تحت الانتداب لا تتضمن أم الرشراش وتنتهي عند طابا، وأنها كانت في فترة تحت الإدارة المصرية باسم الدولة العثمانية، وهذا لا يعني أنها داخل الحدود المصرية التاريخية. وبالطبع، هي أرض عربية تحت الاحتلال الصهيوني، مثل كل الأراضي الفلسطينية، وهذه قضية أخرى؟
ولأن كل هذه القضايا ساعة تروح وساعة تأتي، كان لابد من قضية لها طابع الاستدامة، تهدد الأمن القومي المصري، ولا صوت يعلو على صوتها، بل ويمكن أن تهدد الأمن والسلم العالمي أيضاً، وقد كان، فلا شيء يصعب على العبقرية المصرية، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بالسلطة. إنها قضية الإرهاب. وهل هناك تهديد للأمن القومي أكثر من الإرهاب؟ وحتى تكون الأمور منطقية، كان لابد أولاً أن يستشعر القائد، بحسه وبما يملك من أدوات، أن الخطر قادم، وأن عليه أن ينبه الشعب لذلك الخطر، وأن يطلب منه تفويضاً صريحاً، بل أمراً شعبياً بمحاربة هذا الإرهاب "المحتمل"، وصحت فراسة القائد وتوقعاته، وتم الإعلان عن وصول الإرهاب إلى بر مصر، وبمعنى أدق، استيقاظ الإرهاب الذي كان كامناً في بر مصر. وانطلقت الحرب على الإرهاب، في القاهرة في منطقة الحرس الجمهوري، والمنصة، ثم الموقعة الكبرى في ميدان رابعة العدوية، وفي الجيزة في ميدان النهضة. ولأن المعارك الافتتاحية كانت عنيفة، فقد أريقت فيها دماء غزيرة. ولكن، المهم أنه أصبح لدينا خطر مستدام هو الإرهاب الذي يهدد "الأمن القومي"، ولا صوت يعلو على صوت الحرب على الإرهاب. فلماذا نستعيد باب المندب.. وأخواتها؟ إلا إذا كان الإرهاب الذي صنعوه فقد صلاحيته؟
إرسال تعليق