الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2014

أحمد جلال الدين يكتب : لله ثم للتأريخ، الثورة وتنظيم الدولة الإسلامية "حلقة 1 و2"

الحلقة الأولى:

إلى اليمني الذي يفتخر بإسلامه ((ولاتقف ماليس لك به علم))


ناصح من العراق

الحلقة الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم..
نحمد الله سبحانه على نعمة الإسلام، ونستعيذ به من الوقوع في مخالفته، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد خرج علينا مناصر لتنظيم الدولة الإسلامية، مقرب منه على مايبدو، سمى نفسه: اليمني الذي يفتخر بإسلامه، بمقال نشره على بعض مواقع الإنترنت، كذب فيها مايقال عن مشاركة ثوار العشائر والمجلس العسكري في القتال الدائر على الساحة العراقية.
وقد أسند الكاتب ـ الذي لايعرف أبناء البلد شيئا عنه ـ مزاعمه هذه بتسجيلات فديو؛ زعم انها لتنظيم الدولة الإسلامية تمت سرقتها، وتبنيها من آخرين، واتهم ثوار العشائر والمجلس العسكري بانهم (ضباع ولصوص الجهاد في العراق)، وانتهى إلى خلاصة مفادها أن لاوجود في ساحة الجهاد لسواهم، وانهم وحدهم يقاتلون الخصوم والاعداء.
والمقال لايخلو من طول، ومن مجازفات بالحقائق، ومن تمويه، لن أشغل نفسي بالرد عليها.
لكني أرى ان هذا الكبرياء، والتلاعب بالحقائق، وسياسة إقصاء الآخرين، ومصادرة جهود الأكثرية، لتتربع الأقلية على المشهد، والمجازفة بمستقبل عشرات الملايين من المسلمين، من قبل جماعة تظن في نفسها أنها رسل الله في الأرض، وانها وحدها صاحبة الشرعية، أمر لاينبغي السكوت عليه، لانه منكر، وآن الأوان لكشف بعض الخفايا وليس كلها، فلا مصلحة في كشف جميع الاوراق والصراع مع الطواغيت مازال قائما، عسى أن يعتبر من ذلك من يعتبر، ويكف عن مغالاته من يكف، ونتقي الله في مصائر الشعوب المسلمة، فإن الحق يحفظه الرحمن، وليس يحفظه نفر من الناس.
وقد أرتأيت أن أرد على الاخ اليمني في حلقات، اتجنب في كل حلقة منها الطول، وأركز فيها على مايسمح الوقت بالإفصاح عنه..
وبادىء ذي بدء أحب التسجيل أن هناك اتفاقا بين الثوار على اختلاف فصائلهم، بإلتزام الصمت تجاه مايصدر من هذه الجماعة من مزاعم وخروقات حفاظا على إنجاح مشروع الثورة، ودفعا للفتنة الداخلية، وضمانا للوصول إلى الهدف في أقصر وقت.
هذا الإتفاق تم اثناء التخطيط للثورة، قبل اندلاعها، ولم يكن بين صفوفها وقتئذ من يمثل هذه الجماعة، فقد كان ثمة توقع لدى الجميع إن الثورة إذا وقعت وحققت انتصارات، وانهارت المنظومات الامنية للحكومة في بغداد؛ فإن هذا التظيم الساكن في الصحراء منذ سنوات، والذي لديه خلايا نائمة في بعض المدن، سيستغل الفرصة، وسيعلن عن نفسه، وسيدخل ساحة الصراع، ومن الراجح أنه سيعيد أخطاء الماضي ، وسيحاول مصادرة الآخرين، فما العمل، فكان الرأي ان الهدف الاول هو اسقاط النظام في بغداد، ولاينبغي أن يشغلنا عنه شاغل، وعلينا تحمل هذه الجماعة، والصبر عليها، كما فعلنا معهم من قبل اثناء الاحتلال الأمريكي، لأن هذه الجماعة لديها الإستعداد أن تترك المالكي وعصابته، وتلتفت لمقاتلة الثوار كمافعلت أصولهم زمن الإحتلال الامريكي، فقد قاموا في مواطن عديدة بترك الامريكيين، والمواجهة مع بعض فصائل المقاومة، لأنها رفضت البيعة لدولتهم الوهمية وقتئذ، الأمر الذي أعطى الامريكيين فرصة لتنفس الصعداء بعد أن كانوا على وشك الرحيل بشهادة كبار قادتهم، وبطبيعة الحال لا أعني بذلك المواجهة مع الصحوات، لأننا نعد قتال الصحوات حينها واجبا لاغبار عليه، مع التحفظ على مبالغات، وخروج على الضوابط الشرعية إرتكبتها هذه الجماعة في هذا الشأن.
وهنا أود أن أسوق لصاحب المقال وغيره، ممن ينسج على منواله في الإعلام، غفلة منه، أو عن سابق إصرار في التمويه والتضليل، لحسابات الغلبة والتفوق للمشروع الذي يعمل في ظله، فهذه تفاصيل وحده المولى عز وجل يعلم أسرارها، إذ ليس سواه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور..
أحب أن أسوق لهم حقيقة قد تثيرهم، وقد يستشيطون لها غضبا، لكنها تبقى حقيقة، توالت على تأكيدها التجارب، وهي أن تنظيم الدولة الإسلامية حاله حال تنظيم سياسي إسلامي معروف يعد أصحابه انفسهم شعب الله، وانهم هم الإسلام، والإسلام هم، فمن أساء إليهم بحق أو بغير حق، فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، إن لم تكن أكبر الكبائر، على اعتبار ان الإساءة لم تكن لهم وإنما إلى الدين، ولهذا عبر مسيرتهم، كانوا يستهدفون كل من ينتقدهم، أو لايواليهم، أو يختلف معهم، بكل مالديهم من سلاح، ومنها حرب الإعلام والشائعات، وليس يهمهم في هذا الصدد الصدق من الكذب، لأن من أساء إلى الدين ليس له حرمة، وشاع بين بعض صفوفهم لفترة أنه يجوز الكذب على صاحب البدعة، وكم نالوا من علماء اجلاء، وكم أساءوا إلى حركات إسلامية، وكم تواطأوا مع دول في سبيل أن يصفو لهم الجو، وتكون لهم الغلبة..
تنظيم الدولة الإسلامية هو الآخر يتصرف بنفس الطريقة، فهو الدين الحنيف، وهو واجهته، وعلى الجميع أن ينحني له، ويسير وراءه، لانه المفوض عن الله، ومن لايفعل ذلك فينبغي أن يفلق رأسه بالرصاص، كما عبر عن ذلك الناطق باسم هذا التنظيم فور إعلانه عن الخلافة.
ولذا فبعض افراده مثل ذلك التنظيم السياسي الذي أشرنا إليه آنفا، يسوقون لمشروعهم دعائيا، ويحاولون أن يستجلبوا له الدعم والتأييد، ولايهمهم ماهي الحقيقة، إنما كل الذي يهمهم كيف يقنعون الناس ان هذه هي الحقيقة، ويمكن تقديم الأخ اليمني نموذجا لذلك..
بل إن هذا التنظيم مارس بحق الثوار والمجاهدين المكر والخديعة، والظلم والإقصاء، من أجل ان يبدو امام العالم انه وحده من يقاتل، وأنه صانع الثورة وقائدها، وكان يحاسب من يشاء، ولايقبل بأن يحاسبه أحد حتى لو وقعت منه أخطاء قاتلة، وكان ينزل عقوبات بمن يشاء، ولايسمح لأحد بإنزال عقوبات بحق من يسيء من عناصره، حاله في ذلك حال أي حزب سياسي يحكم شعبه بطريقة الإستبداد..
وللأسف على الرغم من إدعاء عناصر هذا التنظيم انهم رجال التوحيد، وانهم حماة هذه الكلمة العظيمة، فإن لديهم سلوكيات منافية لمقتضيات التوحيد، سلوكيات ينطبق عليها وصف الشاعر حين خاطب ملكا جبارا فقال له:
ماشئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار.
هم كذلك.. لايسألون عما يفعلون، وغيرهم يسأل..
وهذا وهم، وآفة كبيرة، تورد أصحابها موارد الهلاك في الدنيا وفي الآخرة الآخرة، فليس في شرع الله معصوم سوى الانبياء، وقد قال سلفنا الصالح كلمة اجمعوا عليها، كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولاتوجد جماعة لديها الحصانة من الله سبحانه، كما أن الإختلاف في الحديث، وطمس الحقائق أمر لايليق بالرجال حتى يليق بمسلم مجاهد، فضلا عن أن الكبرياء رداء الله، وليس رداء خلقه، وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار )، وروي بألفاظ مختلفة منها ( عذبته ) و( وقصمته )، و( ألقيته في جهنم )، و( أدخلته جهنم )، و( ألقيته في النار )، الحديث أصله في صحيح مسلم وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وغيرهم.
حتى الخليفة نفسه هو في الدين مجرد رجل قائم بأمر الله، يمكن أن يعزل، ويمكن أن يقتص منه، حاله في ذلك حال أي فرد في رعيته، وقد سجل لنا التاريخ أن سيدنا عمر رضي الله عنه، حين تعرض للإغتيال، قال لأصحابه وهو على فراش الموت، إن عشت فدعو الامر لي يعني محاسبة من طعنه، وإن مت فاقتلوه فإنما هو رجل برجل، ومثله فعل حين طعن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي تؤكد أخبار سيرته أنه جلس يوما بجوار يهودي أمام القضاء، وغضب لأن القاضي كناه في محادثته بينما نادى على اليهودي باسمه المجرد..
حين خطب السيد أبو بكر البغدادي أول خطبة له في جامع النوري في مدينة الموصل، قرأت مقالا بعد أيام حول هذا المشهد بعنوان: أخطاء البغدادي في خطبته الأولى، كان مما جاء فيه أن البغدادي في أول ظهور له صلى في مسجد فيه قبر ! وبحسب الفكر الذي ينتمي إليه فإن هذا من المحرمات، ونظف فمه بالسواك بعد أذان الظهر، وهذا في عرف العلماء مكروه لأن السواك مستحب للمسلم في كل الأوقات إلا بعد زوال الشمس للصائم، وأورد من الاحاديث ماهو ضعيف ومنكر ولم ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل في السند شيئا، وهو أمر مخالف لأهل العلم وما درجوا عليه من الإبانة، وقال إن الخلافة ضعيت منذ مئات السنين، وهو خطأ فاحش، فقد كانت الخلافة العثمانية قبل مائة عام، وغير ذلك.
وعلى الرغم من ان هذه الاخطاء ـ في تقديري ـ لاتغض من قدر الرجل، وتضيع في إيجابيات خطبته، وتفاصيل المشهد الأخرى، لكنها رسالة يجب أن نتعظ منها، وهي أننا بشر نخطىء ونصيب، وليس من حق احد أن يرى في نفسه تفوقا على البشر، أو يسوق له اصحابه ـ حتى ولو كان ذلك بطريق الإشارة والتلميح ـ على أنه الرجل الذي لايخطىء.
وعلى أية حال، فإني سأسوق في الحلقات القادمة وقائع تدلل على ما ذكرته، وتؤكد أني لم اتهم أحد ظلما، وأني أريد الإصلاح ما استطعت، قبل أن يفوت الاوان، ويسلط الله علينا بسبب ذنوبنا من لايخافه، ولا يرحمنا..
والله من وراء القصد
21 رمضان 1435هـ

19 تموز 2014 م

*****************************

(الحلقة الثانية)

ناصح من العراق
بسم الله الرحمن الرحيم
وبعد:
سأتحدث في هذه الحلقة مع الأخ اليمني ومن نسج على منواله عن ثورة أهل السنة والجماعة، وحقيقتها، ومادتها، وكيف بدأت، ومحطات عن تنظيم الدولة الإسلامية فيها.
سائلا المولى عز وجل أن يجنبنا الخطأ في القلم، والزلة في القدم.
ماهية الثورة ..وكيف بدأت
الثورة ثورة أهل السنة والجماعة الذين وضعوا في دائرة الهدف منذ بدء الاحتلال الامريكي قتلا واعتقالا وتعذيبا واغتصابا وتطهيرا طائفيا وسرقة للمال العام، والارقام والإحصائيات الدولية بهذا الصدد مروعة ومعروفة ،وما خفي كان أعظم.
مفتاح الثورة:
كان المفتاح لهذه الثورة هي التظاهرات السلمية والإعتصامات الجماهيرية التي انطلقت بتاريخ 23/12/2012م، في المحافظات الست التي يقطنها أهل السنة والجماعة بأغلبية ساحقة، وامتدت لسنة وسبعة أيام، والتي قام المالكي باستهداف الناس فيها على ساحات الإعتصام والتظاهرات بالآلة العسكرية، وارتكب مجارز بحق المعتصمين السلميين كما حدث في الفلوجة والحويجة والموصل وبعقوبة في جامع سارية فقد وجه نيران أسلحته إلى المتظاهرين السلميين وسقط المئات منهم بين قتيل وجريح.
أجواء الظلم هذه هي قاعدة الثورة ومنطلقها، والمظلومون هم مادتها وقوامها.
أين كان تنظيم الدولة الإسلامية خلال فترة التظاهرات..
لم يسجل لتنظيمات القاعدة أو ماسمي الآن تنظيم الدولة الإسلامية أي وجود خلال المظاهرات والإعتصامات،التي قام بها اهل السنة في محافظاتهم.
نعم سجل له حضور بسيط في تظاهرات الأنبار، سمحت به العشائر، ورصده المالكي وتحدث به في اجتماع مغلق لمجلس محافظة الانبار ذكر فيه محافظ الأنبار له ـ وشريط الفديو موجود على اليوتيوب ـ أن الاجهزة الامنية رصدت وجود 35 فردا من القاعدة بين صفوف المتظاهرين، وهذا العدد إن صح لايشكل شيئا امام مئات الآلاف من المتظاهرين التي كانت تعج بها ساحات التظاهر في الانبار، وقطعا لو كان العدد اكبر من ذلك لم يتوان المحافظ عن ذكره لأنه ومن معه كانوا حريصين على تضخيم دور القاعدة في التظاهرات قدر الإمكان، ليقنعوا العالم بأن الثورة ليست ثورة شعب..
كيف بدأت الثورة المسلحة، وهل كانت التنظيم في طليعتها.
بدأت الثورة المسلحة في محافظة الانبار، وتحديدا في ساحة الإعتصام لمدينة الرمادي ..والمعلوم ان ساحة الإعتصام في الرمادي تختلف عن الساحات في المحافظات الأخرى لأن النظام الإجتماعي في هذه المحافظة نظام عشائري قبلي، لذلك لما بدأت التظاهرات والإعتصامات في هذه المدينة جاءت العشائر وعددها في المحافظة سبعون عشيرة تقريبا، فنصبت لكل شيخ عشيرة خيمة، وقال شيخ العشيرة هذا ديوان العشيرة، وفي عرف العشائر الديوان رمز للعشيرة له حرمته والمساس به يعني المساس بالعشيرة.
وحين هدد المالكي باقتحام ساحة الإعتصام في الرمادي حذرته العشائر، وهددته انه سترد عليه إن فعلها بالسلاح، لأن هذا يعني المساس بالشرف والكرامة، ولكن المالكي فعلها ظنا منه ان العشائر ستخضع لسطوته، ولن ترد عليه بشيء، ولكنه تفاجأ فور مباشرة قواته بتاريخ 30 / 12 / 2013م باقتحام الساحة بالرد العشائري المسلح، وأول من اطلق النار على جيش المالكي من العشائر عشيرة البوفراج لأن موقعها كان محاذيا لساحات الإعتصام، فأمطرها الجيش بالرصاص فهبت لنجدتها عشائر أخرى منها عشيرة البو علي الجاسم، وكان تلك شرارة الثورة، التي امتدت في اليوم نفسه لتشمل المدينة كلها حتى وصف الاهالي المشهد بالقول: إن النار اشتعلت في الأنبار من اقصاها إلى أقصاها ، وغلب على الظن انه لايوجد شخص قادر على حمل السلاح إلا وأخرج سلاحه، واستهدف به قوات المالكي المجرم.
ولم يشهد أحد في تلك اللحظات أي وجود لتنظيم الدولة الإسلامية، وأول ظهور سجل لهذا التنظيم في هذه المحافظة كان بعد ثلاثة أيام من إنطلاق الثورة حيث استغل الفوضى وتسلل الى المحافظة من الصحراء، وشوهد حينها السيد شاكر وهيب القيادي المعروف في التنظيم يتجول ومعه عدد محدود من السيارات في المحافظة..
انتقلت الثورة إلى مدينة الفلوجة، وتم تحريرها بالكامل، ولم يكن بين صفوف الثوار قاعدة أو هذا التنظيم، بل دخل هذا التنظيم المدينة بعد تحريرها وكانت بداياته باصطناع المشاكل مع أهلها، حول الموقف من الشرطة المحلية .
ثم حررت الكرمة على يد الثوار من فصائل الجهاد وثوار العشائر، ولم يكن للتنظيم وجود يذكر..
والامر نفسه جرى في تكريت فقد تم تحريرها من قبل الثوار، وكان لستمائة سجين في المدينة أثر كبير في عملية التحرير، فقدحررالسجناء انفسهم بأنفسهم، ولم تر راية لهذا التنظيم في تكريت وقتها، ولك أن تسأل أي فرد من تلك المدينة عن ذلك، ولم يدخل التنظيم مدينة تكريت إلا بعد قطع شوط في تحريرها.
ماحدث في الموصل:
من الخطأ التصور ان الانهيارات المتلاحقة التي شهدتها منظومة المالكي العسكرية والأمنية في مدينة الموصل والمناطق المحررة كانت وليدة اللحظة، أو أنها بسبب قوة تنظيم الدولة الإسلامية في معركة الموصل، فهذا تفكير سطحي، وإنما هي نتيجة لعمل مسلح للثوار بدأت فعالياته منذ سنة 2011 وأول بيان أعلن فيه فصيل من فصائل المقاومة عن بدء استهدافه لجيش المالكي كان لجيش المجاهدين في هذه السنة، وهو من اقوى الفصائل العاملة في الأرض منذ الإحتلال الامريكي وإلى اليوم ، ويمتاز بخبرة عالية، ويسمى ابناؤه بين العشائر بـ صائدي الطائرات، لكثرة ما أسقطوا من طائرات المالكي، وقد تحلى هذا الفصيل ومعه فصائل المقاومة الاخرى بنكران ذات كبير أوجب احترامهم من قبل الجميع، فقد رضوا أن يقاتلوا تحت اسم الثوار، دون أن يبرزوا عناوينهم، وهذا أمر اتفق عليه المخططون للثورة قبل اندلاعها لغايات إنجاح الثورة على الصعيد العراقي والعالمي، بينما لدينا معلومات مؤكدة ان التنظيم اعطى وعودا لبعض شيوخ العشائر ان يقاتل تحت اسم الثوار، والا يبرز اسمه، ولكنه تنصل من وعوده بعد ذلك، وليس الوقت مناسبا لذكر التفاصيل.
على أية حال كان جيش المالكي وأجهزته الامنية يتلقون ـ على مدى سنتين تقريبا ـ ضربات موجعة يوميا تتجاوز احيانا المائة عملية، لاننكر أن جزء مهما ونوعيا من هذه العمليات كان يقوم بها التنظيم، بل إن هذا التنظيم لم ينقطع عن استهداف الحكومة ولمدة طويلة قبل هذا التاريخ.
ولما أعلن عن الثورة المسلحة بعد هجوم المالكي على الانبار بشكل رسمي في التاريخ آنف الذكر، تضاعفت العمليات بشكل مكثف، واستنزفت قوات المالكي في الرمادي والفلوجة والكرمة استنزافا كبيرا، وصمدت الفلوجة امام هجمات المالكي التي بلغت أكثر من أربعين هجوما خلال خمسة أشهر، باءت كلها بالفشل ، وخسر المالكي خلالها آلاف الجنود وعدد كبير من المعدات والمدرعات والمركبات والطائرات، وتهاوت المعنويات لدى جيش المالكي امام هذا الصمود.
ولما جاءت معارك الموصل، كانت معنويات الجيش قد انهارت تماما، بسبب هذه المعارك التي تطايرت أخبارها في الآفاق، فحدثت الهزيمة مع أول لقاء، وما انهزام القادة الكبار الثلاثة في الموصل مهدي الغراوي وعبود قنبر وعلي غيدان إلا دليل واضح بين على ما حصل لدى هؤلاء من خور ورعب.
ثم لما وجد الثوار سرعة الإنهيارات أغراهم ذلك بمواصلة الطريق، وكانوا كلما اقتربوا من ثكنة عسكرية فر جنودها وتركوها بكل مافيها من سلاح وذخيرة، وحدثت بعض المعارك البسيطة، هنا وهناك، ولكن الطابع الغالب على تشكيلات المالكي العسكرية والأمنية كان هو الهزيمة.
والقول إن تنظيم الدولة الإسلامية استطاع بقوته، وشراسته في المعركة أن يسقط المدينة خلال يومين فقصة غير واقعية سيقت لأغراض الدعاية والإعلان ليس إلا..
والدليل على ذلك ان الطب العدلي في الموصل اعلن انه تسلم في يوم 14/6 أي بعد اندلاع معركة الموصل بأيام وبعد تحريرها بالكامل، 120 جثة فقط، ثلثهم مدنيون، وهذا يؤكد ان الانهيار حصل ابتداء لأسباب سابقة، وليس بفعل معارك ضارية قادها التنظيم، أوغيره، إذ ليس من المنطقي أن معارك تدور رحاها ضد عشرات الآلاف من أجهزة الجيش والشرطة والامن، والميليشيات، وتكون محصلة قتلاهم سبعين نفسا فقط!!.
دارت المعارك في الموصل لاكثر من عشرين ساعة، قبل أن تدخل قوات التنظيم ليلا من مواطن استيطانهم في صحراء جزيرة الموصل، ودخلوا ـ بحسب شهود عيان ـ ببضع مئات من المقاتلين ليس أكثر..
نعم ..كانت لديهم خلايا نائمة في الموصل يعتقد انها شاركت في القتال أيضا، لكن مدينة مثل الموصل فيها مليونا نسمة، وهي من الناحية الجغرافية ثاني أكبر محافظة بعد العاصمة بغداد، تحتاج الثورة فيها إلى الآلاف لتحقيق الفوز والنجاح..حتى لو كان الامر لمجرد ملء فراغ مواقع المنهزمين.
اما الزعم من قبل الأنصار والمؤازرين بأن تنظيم الدولة الإسلامية هو وحده من حرر الموصل، فتسويق إعلامي غير صحيح، واسألوا ابناء التنظيم أنفسهم على سبيل المثال لا الحصر: من أول من دخل معسكر (الكندي) مقر الفرقة الثانية، ومن أول من دخل معسكر الغزلاني ، ومن حرر الفوج الذي يقع بين المعسكر وقرية العذبة، إنهم الثوار، والمجالس العسكرية، والتنظيم دخل المعسكرين بعد ذلك، وطلب من الثوار ترك ماغنموه من سلاح، وتسليمه لهم، وفعلوا ذلك عنوة، وكانوا يشهرون السلاح بوجه من يأبى !!
ولأن الثوار حريصون على إنجاح ثورتهم كانوا قد قرروا كما بينا في الحلقة الأولى تجنب الصدام مع الآخرين،ولأنهم حتى اللحظة لايجيزون استهداف التنظيم رغم تجاوزاته،فإن التنظيم يستغل ذلك إلى الآخر، ويفعل مابدا له من غير مراعاة للثوار ولحقوقهم، وهو بذلك يرتكب خطأ فادحا، لايدرك عواقبه.
على أن التنظيم ليست أعداده كبيرة، ولذا هو كثيرا ما يستنجد بالعشائر في القتال..والعشائر لاتتردد في دعمه لأنها ترى الهدف واحدا.. على سبيل المثال قدم اثنا عشر عنصرا منه فقط إلى (العشيرة الفلانية) في مدينة الموصل، وطلب منها النجدة فمدته العشيرة في الحال بمئات المقاتلين، وهو يفعل الامر نفسه مع الفصائل والمجلس العسكري ليعوض مالديه من نقص في المقاتلين، ولكنه للأسف بعد أن يرى بأسهم في القتال، أو حرفيتهم، يحاصرهم ويطلب منهم البيعة، ويستعمل سطوته، في السابق كان يقول بايعوا دولة الإسلام في العراق والشام والآن يقول بايعوا الخليفة..وسلوا اعضاء التنظيم ماذا فعلوا بأكثر من مائة مقاتل من الثوار والمجلس العسكري ترجوهم أن يحموا طريق الموصل ـ الحضر، ووافق الثوار على تقديم العون شريطة عدم المبايعة فوافق التنظيم، ودعاهم إلى القاعدة (الفلانية) لتجهيزهم بمايلزم من عربات وسلاح ، وفي القاعدة حاصرهم التنظيم لثلاثة أيام، كان يراودهم على البيعة....
هذا مايفعله التنظيم مع جميع المقاتلين
ولان الناس تريد أن تقاتل، ولاتريد إحداث اي مشكلة داخلية، كان الكثير منهم يخضع لمثل هذه السطوة، ولدينا بصدد ذلك وقائع وقصص كثيرة تبدأ من محافظة الانبار، مرورا بالفلوجة فأبوغريب، فبغداد، فصعودا إلى مدينة الموصل، بل إن التنظيم تجاوز ذلك في مناطق عديدة بمطالبة العشائر وبعض الفصائل والمقاتلين بتسليم سلاحهم، أو البيعة أو ترك القتال، تماما كما فعلت أصوله اثناء الوجود الامريكي فقد كان يطالب فصائل المقاومة بالأمر نفسه، على اعتبار انه الدولة الشرعية ولاسلاح خارج إطار الشرعية، ودخل الآن في مشاكل مع العشائر في محافظة صلاح الدين وغيرها لهذا السبب، ومازال يفعل ذلك، وحين تقول له العشائر كيف تنزع السلاح منا والمعارك ماتزال قائمة، ويمكن في أي لحظة أن تنقلب الموازين، ويدخل العدو علينا مرة أخرى، فمن يحمينا؟!، وأنت في السابق حين حوصرت ذهبت إلى الصحراء، واستوطنتها أعواما، وستفعل ذلك مجددا إذا حدث الأمر نفسه، وسنبقى نحن بمواجهة الآخرين، فكيف ترتضي أن نبقى بغير سلاح، لكن التنظيم يتجاهل هذه التساؤلات ولايحر جوابا. .
الاخ اليمني زعم ان الثوار الذين وصفهم بضباع ولصوص الجهاد أنهم بعد ان يحرر التنظيم مواقع يأتون وياخذوا صورا ويزعموا انهم من حررها، وأكثر من ذكر معسكر سبايكر بهذا الخصوص.
وللاخ اليمني ولمن ينسج على منواله نقول: العكس أحيانا هو الصحيح، ويتجلى ذلك في قصة معسكر سبايكر نفسها التي أكثرت من ذكرها ووظفتها لطروحاتك رجما بالغيب...
وإليك البيان:
معسكر سبايكر أول من دخله المجلس العسكري، وهو الذي تفاوض مع العدد الهائل من الجنود ليسلموا انفسهم مقابل سلامتهم، ونظمهم على كراديس ، كل كردوس 10 في 10 أي مائة، وبدأوا يخرجون من المعسكر حسب الاتفاق، ولكن الذي حصل أن التنظيم سمع بذلك الإنجاز، فجاء بقوة مسلحة كبيرة واحاط بالأسرى وبالمجلس ، وكان الكردوس الرابع قد تجاوز باب المعسكر، فطلب من المجلس تسليمه الأسرى، وحدثت مشادات بين الطرفين، وتبادل اطلاق نار كاد يدفع بالطرفين إلى قتال عنيف، لكن تدخل البعض دفعا للفتنة، وفض النزاع للأسف بطريقة غير عادلة، وسمح للتنظيم بأن يحصل على مراده وأخذ الأسرى، والصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام للتنظيم وهو يقود مجموعات كبيرة للجنود تتقدمهم سيارة عليها شعار الدولة الإسلامية، وتتاخرهم سيارة مثلها، هي أخذت بعد هذه التفاصيل، فالاسرى بالاساس ليس أسراهم، والحصول عليهم ليس جهدا لهم، وإنما أخذوهم من المجلس عنوة، ، وروجوا إعلاميا انهم من حقق هذا النصر، على العكس مماقاله اليمني تماما، ليس هذا فحسب لم يحترم التنظيم العهد الذي اعطاه المجلس لهؤلاء الجنود بضمان سلامتهم وفعل فعلته المعروفة، ولايدري احد من أين يستمد التنظيم شرعيته ليفعل مايحلو له...
فيا أيها اليمني.. لاتقف ماليس لك به علم..
((ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا))..
وإذا كنت تفتخر بإسلامك فكلنا نفتخر به، ولكن المطلوب ان نفتخر به سلوكا وعملا قبل أن نفتخر به قولا..
وليس من الإنصاف أنك في اليمن وتطلق تصريحاتك عن الاحداث في العراق، وليس من المقبول شرعا وطبعا ان تتهم ثوار العشائر وفصائل الجهاد، والمجلس العسكري بأنهم ضباع ولصوص الجهاد في العراق، وهم أساس الثورة ولبناتها الأولى، والممثلون الحقيقيون والشرعيون للمحافظات الثائرة ولطموحاتها.
وبعد:
فهذه الحلقة الثانية والأخيرة، وقد لاتكون الأخيرة، وذلك تبعا للظروف والمقتضيات، وكل ماذكرته غيض من فيض، ومالدى الناس من معلومات عن تجاوزات هذا التنظيم محبطة ومقلقة للغاية، لكني أكتفي بهذا الآن، لأن القصد النصح والتسديد، وليس التخذيل والتنديد، وبما ذكرت غنية في هذه المرحلة، لمن أراد أن يستغني.
ماأريد تسجيله في ختام هذه الحلقة أن المعركة مع المشروع الإيراني الامريكي شرسة،ولن يكون بمقدور احد أن يحقق الإنتصار فيها لوحده، فعلى الثوار بمن فيهم تنظيم الدولة أن يعملوا معا بعيدا عن الأثرة والانانية،والرغبة في الإستحواذ والغلبة،فالله سبحانه لاينظر إلى جهاد المجاهد، ولا إلى سعية في تشييد دولة الإسلام، وإنما ينظر إلى قلبه، وسلامة صدره، قال عليه الصلاة والسلام في حديث الشيخين الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:...(( إِنَّ اللَّه لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ و لا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ )).
وقد يخوض المرء قتالا في سبيل الله مع الكافرين، وقد ينغمس بينهم وينال الشهادة، وهو عند الله ليس بشيء، ولنتذكر حديث أبي هريرة أيضا الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ..)).
هذه شهادتي.. وهذه نصيحتي
29 / رمضان / 1435هـ
27/7/2014 م

إرسال تعليق