الأربعاء، 24 سبتمبر 2014

د. تقادم الخطيب يكتب :الثورة المضادة… كيف تم إدارتها؟

لم يتغير من الأمر شيء، هذا في اعتقادي بالنسبة إلى طريقة إدارة المشهد السياسي الداخلي، ومؤسسات الدولة وآلية إدارتها، وكذلك توجيه عمل المؤسسات الأخري القضاء/ الإعلام، وهي المؤسسات التي تمثل أركان حكم الدولة في دولة مثل مصر، إلى جانب المؤسسة الأمنية بذراعيها الجيش/ الشرطة. طريقة عمل هذه المؤسسات اليوم يشبه طريقة أدائها بعد أشهر قليلة من قيام الثورة وخلع مبارك، والإبقاء على نظامها. بنظرة ما إلى المعسكر الآخر للثورة المضادة بمكوناته المختلفة وكيفية إدارته للمرحلة يتضح أن من الذي أدار المشهد سابقا هو نفس الشخص/ المؤسسة التي تدير المشهد حاليا. صحيح أن الثورة المضادة تمكنت من الثورة السلمية الشعبية، عن طريق أخطاء متراكمة ومتتالية للقوي الثورية، وعوامل أخرى متداخلة، لكن من الواضح أن المسآلة هي نوع من الجولات ولم تنته بعد، وتبقي كل النهايات مفتوحة، وبالعودة إلى السؤال: كيف تم إدارة الثورة المضادة ؟
1- والناظر إلى الثورة المصرية يري أن عمليات احتوائها وأسلوب إدارتها من الخارج قد فرض نفسه عليها منذ اللحظة الأولي وقبل التنحي بأيام، فبعد أن تم الانقلاب الناعم على السلطة، وتولي العسكر لدفة الحكم بدأت الإشارة الحقيقية لأن المرحلة المقبلة ستكون ذات طبيعة مختلفة في إدارة المشهد الانتقالي، تتسم بالذكاء والمراوغة السياسية، واستخدام آليات تخدم المؤسسة العسكرية وما يربطها من مصالح مشتركة مع حلفائها من المعسكر الغربي والأمريكي، والذين يرون في العسكر الحليف الأساسي لتمرير قراراتهم ورؤيتهم، وليس من ضرر في دعمهم والإبقاء على حكمهم من خلال الاطمئنان على أن من سيصلون إلى الحكم سيصلون تحت رعاية العسكر وحمايتهم، وهذا يعكس من البداية الصيغة التوافقية لضمان الخروج الآمن للجنرالات من السلطة وكفالة الحماية الأساسية لهم، وعدم السماح بالمساس بهم أو محاولة إدانتهم، بالرغم من المجازر التي يرتكبونها، لكي يضمن السيطرة والضغط عليهم من ناحية، ومن ناحية أخرى الابقاء على المعونات العسكرية وتدفقاتها على الجيش، ومراقبته من الداخل، وقياس مدي قدراته وقوة تسلحه، وهنا يطرح السؤال نفسه من هو القائم بتطبيق تلك الآليات وترجمتها عمليا بدءا بإنشاء المعركة حول الاستفتاء مرورا بالدستور أولا أم الانتخابات، وانتهاء بقانون الانتخابات، في إشارة إلى المستشارين الذين يقومون بهذا الدور؟
2- الإبقاء على المؤسسات القديمة، وعدم تطهيرها، ومحاولة تقديم طرق إصلاحية دون المساس بجوهر بنيتها الداخلية أو آليات عملها، في محاولة جادة لاستنساخ النظام وإعادة إنتاجه بما يسمح للنظام المستنسخ بالهيمنة مرة أخرى وسيطرته على الحكم مجددا، فقد حدث ذلك في العديد من الثورات العالمية فمن يحكم روسيا الآن هو جهاز المخابرات الروسية kgb، وكذلك الحال بالنسبة لرومانيا بعد عودة نظام شاوشيسكو إلى الحكم مرة أخرى وماقام به من تصفية للثورة والثوار:
أ- وقد تمت عمليات الاستنساخ تلك من خلال مؤسسات وسيطة يأتي على رأسها الحكومة الانتقالية التي أدارت المشهد في ظل ضبابية دون الوقوف على حقائق ثابتة أو امتلاك قرارات نافذة، ويتضح ذلك في البدائل التي قدمها العسكر من داخل النظام ذاته، ممثلا في حكومة عصام شرف (عضو لجنة السياسات) وكذلك حكومة الجنزوري ( وزيرا لمدة 17 عاما في نظام مبارك)، وهو يشبه ما يحدث الآن في مسألة رئاسة البرلمان وغيرها من الأمور الأخري.
وتقدم وزارة الداخلية نموذجا حقيقيا في عدم تطهير المؤسسات، أو حتي إصلاحها؛ إذ مثلت الداخلية ولا زالت تمثل الذراع الأمني الذي يستخدمه العسكر للبطش بالثورة والثوار وتصفيتهم، وإن تم استخدم الجيش بطرق مختلفة ( سلخانة مجلس الوزراء 25 فبراير_ ماسبيرو_ محمد محمود وقد استخدم الجيش فيها بصورة جزئية من أجل تثبيت أمر ما على الأرض وإبقائه) وتستخدم تلك الذراع الأمنية تحت غطاء إعلامي يمثل حائط صد وجدار مانع لكشف الحقائق التي تجري على الأرض وتقديمها بصورة مغايرة وهو ماتم في أحداث ماسبيرو ومحمد محمود..
ب- اللعب على مساحات الاختلاف بين الثوار أنفسهم من خلال عمليات الاستقطاب والاستدراج، وإشعال حرب تمويلية في التدليل على فقدان السيادة على إدارة المشهد، وكذلك المؤسسات والشخصيات التي كانت تحسب في المشهد الإعلامي بوقوفها ضد ممارسات النظام السابق، فيما يمكن أن نسميه «فلول المعارضة».
3- استعداء الشارع على الثورة وحشد الأغلبية الصامتة ضدها، وقد تمثل ذلك في أمرين:
- إحداث فراغ أمني في الشارع والترويج لأكذوبة انهيار الشرطة، وإلقاء المسئولية على الثورة والثوار، وهو ما أثبتت التجربة فشله وبيان كذبه، فقد وضحت قوة الشرطة وبطشها في شارع محمد محمود لمدة 6 أيام متتالية، وكذلك قدرة الجيش والشرطة على تأمين المرحلة الأولي من الانتخابات، وعدم ظهور للبلطجة وممارساتها.
- تجييش الشارع والتأكيد على انقسامه من خلال اصطناع حشد كاذب وهو ماعرف بحشد العباسية في مواجهة حشود التحرير الصادقة، وهذا الأمر استنساخ للتجرية الناصرية عام 54 في أعقاب أزمة مارس الشهيرة بين نجيب وعبدالناصر، ووصلت الأزمة ذروتها عندما استأجر عبدالناصر صاوي أحمد صاوي رئيس اتحاد عمال النقل ودفعه إلى عمل إضراب يشل الحياة وحركة المواصلات وشاركهم فيها عدد كبير من النقابات العمالية وخرج المتظاهرون يهتفون «تسقط الديمقراطية.. تسقط الحرية» وقد اعترف الصاوي بأنه حصل على مبلغ 4 آلف جنية مقابل تدبير هذه المظاهرات.. 
4- استثمار المزيد من الوقت لكي تنشأ القوة الليبرالية الجديدة وتأخذ مساحة أكبر في الساحة السياسية، وهي قوة معروفة بعلاقتها وتحالفتها القريبة من السلطة، وقد تجلي الأمر من خلال التمويلات المختلفة لفرض الهيمنة في توجيه عمل القوي السياسية والحزبية الجديدة، وكذلك دعم العديد من الأحزاب الناشئة، أو إنشاء أحزاب لأهداف معينة، وهذا يدل على أن المجلس بدأ يمارس السياسة من خلال غطاء مدني، وهذا يذكرنا بالمشهد الجزائري، وما فعلته المؤسسة العسكرية الجزائرية من دعم وإنشاء للأحزاب، بهدف بقاء المؤسسة وتوطيد أركانها من خلال التمثيل السياسي المدني، ولقد أدت جبهة الإنقاذ قبل ٣٠ يونيو هذا الدور على اكمل وجه، ثم انفرط عقدها، وهذا دليل على انها لم تكن تحمل مشروعا سياسيا بل كانت غطاء مدنيا للقوي العسكرية.
5- إقامة التحالفات مع القوي الإسلامية:
والقوي الإسلامية في داخلها ليست مزجيا واحدا، فمنها من هو معروف بعلاقته الأمنية وتعاونه مع السلطة والعمل تحت مظلتها، وهو ما اتضح فيما بعد بصورة أكبر في ٣٠ يونيو ومابعدها، وبالعودة إلى الوراء وبتتبع للخريطة الديموغرافية في مصر كان من الواضح أن القوي الإسلامية لن تستطيع الوصول إلى الحكم إلا من خلال تحالفات مع القوي السياسية المختلفة، وعلي رأسها المؤسسة العسكرية باعتبارها طرفا يدير المشهد في تلك المرحلة زيادة على الانتهازية التي تتسم بها قوي الإسلام السياسي من خلال تحالفه التاريخي والاعتيادي مع السلطة، أو القوي المسيطرة خارجيا، وهو ما كشفت عنه الاتصالات المختلفة بين الإخوان والأمريكان حول العديد من التفاهمات المختلفة حيال موقعهم في السلطة القادمة وتقديم العديد من التنازلات المختلفة- وكذلك الارتضاء بالهامش الذي تمنحه لهم السلطة، من أجل الإبقاء على قوة التنظيم وعدم تفككه وهو الهاجس الذي سيطر على الجماعة منذ سيطرة مجموعة التظيم الخاص على المفاصل الهيكلية للجماعة.. ثم كانت لحظة وصول الجماعة إلى السلطة وكيف كانت طريقة إدارتها وتحيزاتها، وهو ما انتهي بإخراجها من سدة الحكم والتنكيل بأعضائها. 
من هنا تصدرت الأجندات الأيدلوجية، وانحصرت الأجندة الوطنية، واحتدم الصراع حول أمور هامشية لا تعني سوي المضي قدما في اجهاض ماقامت من أجله الثورة والاستمرار في عملية احتوائها، وقد تجلي هذا الأمر بوضوح في أن القوي السياسية التقليدية والجديدة على حد سواء قد انشغلت بمعارك أخرى، ولم تحاول أن تستمر في استكمال عمليات التطهير لمؤسسات الدولة، أو أن تلتف حول الحركة العمالية من خلال إضراباتها المختلفة والمتنوعة، وتجعلها منطلقا وأساسا لعملية التطهير، وقوة جديدة تضاف إلى قوي الثورة. كل ما سبق هو ما آوصلنا إلى لحظة الصدام المباشر مع الجماعة، والأحداث المختلفة وصولا إلى اللحظة الآنية بتعقيداتها المختلفة. 
*باحث بجامعة برلين الحرة/ ألمانيا.
إرسال تعليق