الأحد، 28 سبتمبر، 2014

أحمد الدريني يكتب : جريمة العميد أدهم صبري في حق هذا الجيل!

للأسف هي أزمة مواليد الثمانينات.. بمفردهم يحسون بها أكثر من سواهم.
نشأنا على قراءة روايات «أدهم صبري»، وتغذى بداخلنا شعورٌ عميق بأن كل رجال المخابرات هم أدهم صبري..رجل المستحيل.
كلهم يجيد 6 لغات، ويلعب التايكوندو والجودو، ويغوص بقبضته في معدة عملاء الموساد، بينما يركل برجله عميلا للسي آي إيه.، في حين يقضي وقت فراغه في مراقبة أنشطة الـ«كي جي بي».
هذه هي الصورة النمطية في أذهاننا، التي كان يعززها نبيل الحلفاوي في دور نديم قلب الأسد بملامحه الجادة واتزانه المدهش في مسلسل رأفت الهجان، والتي كان يعمق من أبعادها صلاح قابيل في دور الريس زكريا، بدهائه المثير للإعجاب.
لكن للأسف، تمكن اللواء ثروت جودة وكيل جهاز المخابرات السابق من نسف هذه الصورة الوردية في أذهاننا بحوار واحد فحسب لا تحتاج لأكثر من 13 دقيقة للانتهاء من قرائته، أجراه لصالح جريدة الوطن، ليتبين لنا أن ضباط المخابرات بالضرورة ليسوا نديم قلب الأسد ولا الريس زكريا..ولنتعلم-من بعد جهل- أن هناك كائنات أخرى تعمل في المخابرات لا تمت إلى هذا العالم الأسطوري بصلة.
سامح الله مخرجي الأعمال الفنية التي جسدت بطولات المخابرات المصرية.
لماذا جئتم لنا بنبيل الحلفاوي، بينما كان يونس شلبي أكثر اتساقا مع الواقع الذي سنراه فيما بعد؟
(2)
«أكيد في سلاح ردع»..
هكذا يعلق أحد أبطال فيلم «ليلة سقوط بغداد» حين يفكر في استعدادات مصر لصد العدوان الأمريكي المحتمل علينا، فلا أحد يتخيل أننا لسنا مستعدين وجاهزين تماما..ومن هذا المنطلق كثيرا ما كنت أتداول مع أصدقائي من أبناء جيلي «أكيد المخابرات اللي بجد مستخبيين ياعم».
كنا ننسج قناعة كاملة التبلور..
-الوجوه التي يتم تصديرها لا تعبر في حقيقة الأمر عن العقول التي تتولى تأمين هذا البلد العظيم...الأمر قد يكون مراوغة مقصودة، أو ربما منصب وكيل الجهاز أو ماشابه من مسميات يتم تصديرها هو منصب إداري روتيني أقرب لمكافأة نهاية خدمة منه لمنصب حقيقي فعال.
- لا لا..هناك جهازان مخابرات..جهاز يتم تصديره للملأ والرأي العام، ويتحدث عنه اللواء «ث.ج» واللواء «س.س»..بينما جهازنا الحقيقي يعمل في خفاء تام وإنكار للذات غير مسبوق.
-من المؤكد أن له مقرات سرية، حيث يعمل تلامذة نديم قلب الأسد والريس زكريا..من المؤكد ذلك..«أكيد في سلاح ردع».
-بالطبع كل ما جرى ويجري من فوضى، مخطط مدروس بدقة لتغيير خصائص الشعب المصري..هم يلاعبون كيانا ما ضخما جاثما على أنفاس البلد..هم يفعلونها بمهارة ودقة..من المؤكد..من المؤكد!
-هم يعرفون كل صغيرة وكبيرة ويفهمون جيدا في كل شيء..إنهم ثعالب ماكرة.
البنود أعلاه كانت خلاصة ما توصلت إليه مع أصدقاء من أبناء جيلي، يمتهنون مهنا مختلفا، بحيث يصعب أن يسيطر عليهم رأيُ واحد، تمليه بالضرورة تقاربارت البيئة الوظيفية والعقول المحيطة بكل بيئة.
لكن ما الذي يزلزل بنيان عقائدنا بخلاف اللواء الذي يرمز له داخل الجهاز وخارجه بـ «ث.ج»؟
(3)
شهادات كل من اللواء عمر سليمان، واللواء مراد موافي واللواء محمد فريد التهامي، رؤساء جهاز المخابرات العامة المتعاقبين على مسؤولية إدارة الجهاز منذ يناير 2011، مضافا إليهم شهادة اللواء مصطفى عبدالنبي رئيس هيئة الأمن القومي، في محاضر التحقيق معهم..كلها مثيرة للتساؤلات.
-معظم إجابات عمر سليمان –رحمه الله- تتراوح بين «لا أدري» أو «ليس من اختصاص الجهاز معرفة هذا»، فضلا عن مساحة الظنية الواسعة في كل شيء، والتي لا تفضي لمعلومة حاسمة متماسكة.
وهو ما غلف من بعده إجابات اللواءات الثلاثة، حيث الكثير من «لا أدري» و«على ما أعتقد» و«ليس لدي معلومات بشأن هذا». فضلا عن الفجوات الواسعة بين آرائهم فيما جرى، ثم إلقاء كل منهم بتبعية المعرفة بما يجري في الشارع ثم تصعيد هذه المعرفة لرئيس الجمهورية على جهة أخرى. وكأن المخابرات وهيئة الأمن القومي ووزارة الداخلية ورئاسة الجمهورية وشخص الرئيس..كيانات منعزلة عن بعضها البعض (لينكات الشهادات مدرجة في نهاية الصفحة).
لكن قمة الإثارة كانت في الإجابة العدمية المدهشة التي قالها السيد اللواء محمد فريد التهامي رئيس جهاز المخابرات الحالي فيما يخص «يناير»: لا أستطيع أن أجزم مَن قتل من!
هكذا وبمنتهى الوضوح والصراحة. أهم جهاز أمني ومعلوماتي لا يعرف على وجه الدقة ما الذي جرى أو من قتل من!
هي إجابة تحترم لو كانت هي حدود معرفة علم قائلها فعلا. لكن المقلق، أن هذه الإجابة هي إجابة رئيس جهاز المخابرات المصرية. ومن ثم فإنها كما تؤسس لمحدودية كفاءة الجهاز من ناحية، فإنها تؤسس من ناحية أخرى لحرية كل شخص أو جهة فيما بعد أن يزعم ان بحوزته «الرواية الحقيقية لما جرى».
(4)
مازلت أنا والأصدقاء، نعتقد أن كل هذه الإجابات مراوغة ومتعمدة كي لا يفصح الجهاز عن مكنونه.
ربما نحن هوسى، ربما ننكر ما تتواتر الأدلة على إثباته رغما عن عاطفتنا وعقولنا، لكن ما بين شهادات تكاد تكون هزلية إذا ما قيست إجاباتها لحدود معرفة رئيس جهاز أمني، وما بين يقيننا بأن الخطة الحقيقية تجري على قدم وساق..يتشوش كل شيء أمامنا.
اللواء «ث.ج» هو صاحب رائعة الروائع «شفرة عوكل». وهو الاصطلاح الذي أفشاه قبل شهور حول نظام التشفير المخابراتي المصري الذي لايمكن لأحد اختراقه. وهو المتكلم بهذه اللغة الركيكة التي تكاد تدينه بأكثر مما تنصف المخابرات.
اللواء «ث.ج» نصف اللواء رأفت شحاتة الذي تولى رئاسة المخابرات في عهد مرسي بأن ينسى قسمه ويصلي ركعتين! كيف أثق في معلومات شخص جاوز ال60 من العمر ويعتقد أن كفارة اليمين في الإسلام (لو أن ليمين كهذه كفارة) هي صلاة ركعتين!
(5)
ناشدتكم الله أيها المخابرات (اللي بجد)..اختاروا من يتحدث عنكم..لو كنتم موجودين أصلا!
أو اتركوا لنا صورتكم الرومانسية الجميلة، قبل أن يحرق كل منا أعداد «رجل المستحيل» بنفس عود الثقاب الذي سيحرق به إسطوانات رأفت الهجان..
روابط ذات صلة:
إرسال تعليق