الاثنين، 8 سبتمبر 2014

د. مصطفى النجار يكتب : قصة طفل من الإرهابيين أعداء الوطن

تجلس والدته منذ تسعة شهور فى قريتها بمحافظة القليوبية تنتظر أن يدق الباب ويدخل ليعانقها ويقبل يديها كما تعوّد لكن الباب لا يدق ودموعها لا تتوقف وصرخات طفلها ودموعه تحاصرها منذ قابلته عقب اعتقاله فى 25 يناير 2014 فى الذكرى الثالثة للثورة كان يصرخ منهارا ويقول لها ولأبيه : خرجونى من هنا انا هموت انا اتبهدلت وشفت الموت بعينى عشان اعترف انى ارهابى ومعايا متفجرات انا مش عايز اعيش فى البلد دى خلاص .. مش عايز أعيش أصلا !
(محمود محمد ) طفل يخطو لمرحلة الشباب بسنين عمره السبعة عشر ، جسده ضئيل ووجهه يفيض بالبراءة والرغبة فى المرح مثل كل طفل خرج لهذه الحياة ، رغم صغر سنه إلا أنه مدرك لما يدور حوله ويتحدث مع زملاءه بالمدرسة عن ثورة يناير التى هى أعظم حدث فى تاريخ المصريين الحديث ، يقول لهم إن كرامة الانسان حق إنسانى لا يجب أن يفرط فيه ، توجع قلبه الانتهاكات وما يسمعه عن قصص التعذيب لكنه لم يتخيل أن يوما سيأتى ليكون واحدا من أبطال حفلات التعذيب
يحتفظ منذ الثورة بتيشيرت مكتوب عليه ( وطن بلا تعذيب وطن نحيا فيه بالكرامة ) يرتديه تحت ملابسه أحيانا مثل أى شاب يرتدى تيشيرت داخلى خاصة فى أيام الشتاء ، كان يركب ميكروباص عائدا إلى بيته يوم 25 يناير 2014 وتم إيقاف الميكروباص فى كمين على الطريق الدائرى أعلى منطقة المرج وتم تفتيش كل من فيه واكتشفوا أنه يرتدى هذا التيشيرت تحت الجاكت الواقى من المطر ، أصابهم غضب شديد وكأنهم اكتشفوا قنبلة نووية يخفيها فى طيات ثيابه وسيفجرها بهم ، سحلوه على الأرض وضربوه بأقدامهم وأيديهم وهم يسبون أمه وأبيه ، وبدا المشهد كأن كلمة التعذيب محببة إليهم ومقدسة وتم إهانتها والنيل منها لذلك فهم يذودون عنها ذود الرجل عن عرضه وذود الجندى عن وطنه !
وبعد وصلة من التعذيب والإهانة اقتادوه الى قسم الشرطة القريب من الكمين حيث فوجىء أن ما حدث له بالكمين كان دعابة ومزاحا بالمقارنة للجحيم الذى اصطلى به فى هذا المكان ، أربعة أيام كاملة قضاها بين الموت والحياة ، يهتز جسده ويرتجف من شدة الصعق بالكهرباء ، يصرخ فيهم : انا عملت ايه ؟ انا ما كنتش فى مظاهرات ولا عملت حاجة انا كنت مروح بيتنا وقبضوا عليا من الكمين ، يصفعونه ويقولون : اخرس يا ارهابى يا بن ال ... انت كنت واخد فلوس من الاخوان عشان تجيب متفجرات وتحطها فى المكان اللى قالوا لك عليه ، يصرخ : اخوان ايه ومتفجرات ايه ؟ أنا أبعد مشوار بروح فيه هو دروس المدرسة انتم بتعملوا فيا كدا ليه ارحمونى
لم يرحمه أحد وحين خارت قواه من شدة الألم والجزع قالوا له سنتركك لكن ستعترف أمام كاميرا الفيديو أن هذه المضبوطات من سلاح ومتفجرات ومنشورات هى ملكك وضبطناها معك وانك قابض من الإخوان لعمل افعال تخريبية ، بكى الطفل وهو يصرخ : والله ما عملت حاجة حرام عليكم انتم هتطلعونى مجرم ، لم تثنهم دموعه وتوسلاته وتحت الضغط والتهديد باستئناف العذاب فعل ما يريدون حتى يتوقف عذابه !
طفل أقصى ما حمله على ظهره هو شنطة مدرسته صار اليوم ارهابيا خطيرا يتنقل بالمتفجرات ويزرعها ليقتل البشر ، هكذا بجرة قلم حولوه الى ارهابى وألقوا به فى سجن أبو زعبل ثم سجن الاستئناف ليحبسوه احتياطيا علي ذمة القضية رقم 715 لسنة 2014 اداري المرج ، تسعة شهور بلا محاكمة ، تسعة شهور وقلب أمه ينفطر ويضيق الحال بوالده المريض الذى يحتضر وهو يرى ابنه يتعرض لظلم بشع لا يستطيع رفعه عنه
إذا كنا سنقوم بتأليف كتاب ( كيف نصنع الإرهاب ) فقصة الطفل محمود صفحة من صفحاته وقصص أخرى مشابهة لا ندرى بها ولم تصلنا مازالت تحدث والناس تتهامس بها فى خوف والبعض ينكرها ويهاجم كل من يحكى عنها ويتهمه بالاساءة للشرطة والتآمر على الوطن
إذا كان توصيل صرخة المظلوم مؤامرة فلنكن متآمرين ، إذا كان رفض إهدار كرامة البشر والظلم والاعتقال العشوائى جريمة فنحن مجرمون ، ربما لا نستطيع أن نرفع عن محمود وأمثاله هذا الظلم الصارخ ولكن السكوت عن هذه المآسى خيانة للوطن لأن من يحب الوطن ويخشى على الدولة من الانهيار سيتصدى للظلم وقمع البشر لأن الدولة التى تسحق الانسان لا تبقى !
إذا شكك من اعتادوا التشكيك وأدمنوا التبرير فى قصة محمود فارجعوا إلى أسرة محمود وقابلوا أبيه وأمه وأخيه ( طارق محمد أحمد حسين ) فهم مصدر حكى هذه المأساة وحاكموهم إن كانوا كاذبين ، إلى كل من تبقى لديه ذرة ضمير فى هذا الوطن تذكر أن صمتك أو تبريرك يجعلك شريكا فى الظلم أمام الله ، إلى كل من تحمل مسئولية فى هذا الوطن قبل أن تنام تذكر صرخات الطفل محمود وتخيل أن ابنك مكانه وتذكر أن الله أعطاك فرصة لرفع الظلم حين تقرا هذه الكلمات فهل تفعل ذلك ؟ أم تتجاهله ؟
تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
من يحب الوطن ويتشدق بالوطنية فليرفع الظلم وليتضامن مع المظلومين ، من يخشى على مصر من الخطر فالخطر الأكبر أن يكفر أطفالها وشبابها بمعنى الوطن الذى يُظلمون فيه ويُسحقون
اللهم نبرأ إليك من عجزنا اللهم نشهدك أننا ننصح خوفا على هذا الوطن وناسه من انتقام المظلومين وثورة اليائسين ، الحرية لكل معتقل مظلوم نحبه أو لا نحبه ، نعرفه أو لا نعرفه ! العدالة للجميع ..
إرسال تعليق