الاثنين، 8 ديسمبر، 2014

زهير كمال يكتب: العزبة ... ومحاكمة القرن

العزبة هي مصر المحروسة أم الدنيا التي تأبى الإنفصام عن علاقتها مع فرعونها.
علاقة استمرت سبعة آلاف سنة تختلف عن علاقة أي شعب بحاكمه، وربما كان للنيل دور في ذلك، فللنهر العظيم علاقة حميمة مع حياة شعب مصر وكذلك حاكمها.
وصلت العلاقة الى حد تأليه الفرعون في مراحل من تاريخ مصر القديمة ، ومنذ الأزل عبر السنين، لم نجد شعبا يخلد حاكمه فيحنطه ويزوده بالذهب والفضة ويبني له صرحاً عظيماً سوى شعب مصر، وبينما كانت الشعوب الأخرى تبحث عن مستقبلها، كان شعب مصر يعيش الماضي ويضحي بجزء من ثروته أو بالأحري يفقدها مع حاكم مات وانتهى.
قليل هم الفراعنة الذين أحبوا شعبهم وخدموه ، قد يكون من بينهم مينا موحد القطرين وأخناتون الذي دعا الى التوحيد وعبد الناصر الذي حاول رفع الذل والاستعباد عن شعبه ، أما الباقون فحدث ولا حرج ، عن القهر والاستبداد والأنانية.
مات مئات الألوف في بناء الأهرامات أو الأضرحة الفاخرة. هل كان الفراعنة يأبهون؟
مات عشرات الألوف في حفر قناة السويس أيام الخديوي سعيد، كان شباب مصر يعملون كسخرة. هل كان الفرعون يأبه؟
باع الملك فاروق أسلحة فاسدة لجيشه ليضع عمولات الصفقات في جيبه ، استشهد كثير منهم في حرب فلسطين. هل كان الفرعون يأبه؟
بينما كانت شعوب الأرض تتقدم وتصبح أكثر صحة وتعليماً ووعياً كان حسني مبارك يحطم مصر ويقتل أبناءها ويبطحها أرضاً لتصبح مداساً لمن هب ودب، فهل كان الفرعون يأبه؟
من غرائب التاريخ علاقة الفرعون المميزة باليهود أو الإسرائيلين عندما يكونون متواجدين في المنطقة.
قديماً 
سلم الفرعون خزائن مصر لابنهم يوسف .
ربى فرعون آخر نبيهم موسى في قصره وعندما انشق موسى وهرب منه لحقه فغرق في البحر الأحمر.
حديثاً
دمروا جيشه (عبدالناصر) في عام 1967 وقتلوا أسراهم من جنود مصر في سيناء بدم بارد.
جاء الفرعون التالي (أنور السادات) وعقد صلحاً معهم، ضارباً عرض الحائط بشعبه ودم شهدائه.
عندما احتجوا عليه واغتالوه عاقبهم الفرعون اللاحق (حسني مبارك) بالسجن المؤبد مدى حياته ( قانون الطوارئ) .
هذا الفرعون نفسه كان يستقبلهم في مقر إقامته في شرم الشيخ باستمرار وعندما خلع اعترفوا بأنهم فقدوا أعز صديق لهم.
أما الفرعون الحالي فهو يسير على خطى سابقيه ويضرب أعدائهم التاريخيين بحجة الإرهاب ويضيق عليهم الخناق ولو استطاع أن يمنع الهواء لمنعه، غير مبال بتأوهات الغلابا والمساكين والضعفاء.
بين المسؤولية السياسية والجنائية والأخلاقية:
كانت أول محاولة جادة من شباب مصر لتغيير الأوضاع فيها واللحاق بالعصر هي ثورة 25 يناير 2011 ، فقد انهارت دفاعات الفرعون واضطر للتنحي وتخلى عن الحكم ولكن لمن رباهم وأسمنهم وأغناهم.
وبعكس باقي الشعوب المقهورة عقدوا لها محاكمة، والحق أنها ظاهرة حضارية تفخر بها مصر. ولكن هالهم أنهم يحاكمون فرعوناً للمرة الأولى في تاريخهم فأسموها محاكمة القرن.
ولكن هل يختلف مبارك عن شاوشيسكو رومانيا أو قذافي ليبيا أو غيرهم من الطغاة الذين مروا في تاريخ الشعوب.
يختلف، فهو فرعون الذي وصل الى حد التأليه في مصر القديمة.
مر على مسرحية محاكمة القرن عدة قضاة كان أولهم أشجعهم فقد حكم على الفرعون بالسجن المؤبد ، كان ينطق الحكم وهو يرتجف وأتى بكل التبريرات التي يستطيعها للنطق بهذا الحكم الرهيب وأخيراً استجمع شجاعته وقالها.
ثم تنحى عدة قضاة عن نظر القضية وكانت حجتهم ( بداعي استشعار الحرج) .
هل يوجد استشعار حرج في ميزان السيدة معصوبة العينين ؟ ألا يجب أن يتخلى القاضي عن مشاعره تماماً عندما يتولى أية قضية ؟ ولكنهم لم يهضموا ولا يستطيعون محاكمة فرعونهم.
وأخيراً جاء هذا القاضي الهمام ليعلن براءة الفرعون وأعوانه، قالها وهو ينظر اليه بإعجاب ووله وكأنه يقول : أنت سيدنا ومولانا، أنت الغني ونحن الفقراء، أنت السيد ونحن العبيد. لعلك تذكرني وترضى عني وتتفضل علي ، فأنا أطمع في كرمك.
كانت نية هذا القاضي الذكي إعلان البراءة في الجلسة السابقة قبل شهر تقريباً ولكنه آثر تأجيل النطق بالحكم ربما ليختار وقتاً مناسباً لذلك.
في حيثيات الحكم قال القاضي إن محمد حسني مبارك وأعوانه يتحملون المسؤولية السياسية وليست الجنائية .
هب الجميع ومعهم كل الحق يتساءلون: ولكن من قتل المتظاهرين؟
يظن هذا القاضي العبقري أنه حتى يتحمل مبارك وأعوانه الجريمة كان عليهم أن يحملوا المسدسات والبنادق بأيديهم.
ولكنها مسؤولية جنائية واضحة كالشمس في رابعة النهار .
وهذا يطرح سؤالاً عن المسؤولية الأخلاقية لهذا القاضي، هل يحتاج فعلاً الى الأدلة الجنائية ومعرفة عدد الخراطيش التي أطلقت من جنود الفرعون؟
وهل من المعقول أن يستطيع وزير أن يبيع الغاز لإسرائيل على مسؤوليته الخاصة.
مصر الفرعونية لا يتم عمل أي أمر مهما كان تافهاً إلا بعلم الفرعون وموافقته.
ولأنها محاكمة القرن كما توصف فالأمر لا يحتاج الى أدلة عينية تقدمها النيابة لإدانة الفرعون جنائياً.
وما حدث استخفاف بعقول الشعب المصري وغيره من شعوب العالم.
كل المسألة هي الجينات المتوارثة عند جزء من الشعب الذي يرفض المساس بالفرعون مهما فعل. 
لاحظنا مثلاً أن هناك جمهوراً من العامة كان يقف خارج المحكمة أثناء انعقاد جلساتها يهتف لمبارك وأصحابه دون مراعاة لمشاعر العائلات التي فقدت أبناءها. ولاحظنا أيضاً تشكل حملات شعبية مثل حملة ( أسفين يا ريس ) والتي ترفض محاكمته مهما فعل.
والأدهى من ذلك أن قسماً لا يستهان به من الفنانين والمثقفين يقفون وما زالوا مع الفرعون السابق. ولقد شاهدنا بعضهم وهو يذرف دموعاً صادقة وسخية وبحرقة شديدة على ما يجري له والمفترض في هؤلاء أنهم زبدة الشعب وصفوته ولطالما قام الفنانون منهم بتمثيل واقع المعاناة المريرة لفئات الشعب المختلفة. ولن نستطيع تفسير الأمر على أنه انسلاخ عن مجتمعهم فقط.
ومن الغريب أن بعض المثقفين (الثوريين) وجدوا الحل في استبدال فرعون فاسد بآخر سطحي وتافه.
وإنما يكمن الحل في تغيير طريقة الحكم بشكل نهائي حيث يتمتع رئيس الدولة بمنصب شرفي ويكون رئيس الوزراء صاحب الأغلبية في مجلس الشعب هو الحاكم الحقيقي.
لن يصلح حال مصر ولن تنطلق الى المستقبل إلا بأسلوب حكم كهذا ، وهي الطريقة الوحيدة للتخلص من الجينات المتوارثة والتي يمكن أن نطلق عليها اسم لعنة الفراعنة.
حفظ الله شعب مصر من كل سوء 
إرسال تعليق