الثلاثاء، 9 ديسمبر، 2014

د. سعيد صيني يكتب : الإسلام الحقيقي والكاثوليكية المتطرفة

لقد أثارت القصة التي رواها لنا الأستاذ عبد العزيز آل محمود –جزاه الله خيرا- عن مأساة غرناطة وطغيان الكاثوليكية المتطرفة بعض المحاورات التي طُرحت في عدد من ندوات ومؤتمرات الحوار بين ممثلي الأديان. ولعلي أسجل خلاصتها في المشاركة التالية بعنوان:
موقف الكتاب والسنة من أهل الكتاب
إن من يعش في بعض البلاد الإسلامية التي يشترك فيها المسلمون مع إخوتهم المسيحيين يرى مثالا رائعا للتعاون التلقائي غير المتكلف بين أتباع الديانتين، سواء يسكنون عمارة واحدة أو يعملون في مؤسسة واحدة، أو يتعاملون لتبادل مصالح مشتركة… وهذه العلاقة الودية التعاونية بين المسيحيين والمسلمين تمتد إلى قرون عديدة وتستند إلى الفطرة السليمة والأسس المشتَركة القوية، وإن كانت تواجهها أيضا بعض العقبات التي يصطنعها بعض قادة الرأي عن حسن نية أو لتحقيق مصالح شخصية.
ومن الأسس المشتركة أنه عندما نتأمل في الأشياء المشتركة بين المسيحيين والمسلمين نجد أشياء كثيرة يصعب حصرها، وعلى رأس هذه الأشياء هو انتسابهم جميعا إلى آدم عليه السلام، حيث يقول تعالى: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.( الحجرات: 13) فأصل الناس جميعا واحد، لهم أب واحد وأم واحدة، ويتكاثرون بالطريقة نفسها، ويتشابهون في التكوين الأساسي: العضوي والروحي والعقلي والنفسي والسلوكي؛ ويتشابهون كذلك في الدوافع والاحتياجات الأساسية للإنسان.
والتشابه لا يقف عند هذا الحد، ولكن يتعداها إلى التشابه في التشريعات الأساسية، وفي المبادئ الأخلاقية الأساسية، مثل حب الخير وكراهية الشر، وحب العدل وكراهية الظلم.
وإضافة إلى ذلك فإن هناك أشياء خاصة متشابهة منها:
أولا. الاتفاق على المكانة الخاصة لعيسى عليه الصلاة والسلام. فالإسلام يعتبره نبيا ورسولا ذا مكانة خاصة، فمثلا يقول تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}.( آل عمران: 45) ويقول تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.( آل عمران: 59)
ثانيا. الاتفاق على طهارة مريم العذراء ومكانتها العالية، وهذا ظاهر مثلا في قوله تعالى:{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ.}( التحريم، آية 12)
ثالثا. تخصيص الإسلام أهلَ الكتاب ومنهم المسيحيين بمجموعة من الميزات عن غيرهم. ومنها:
1 – إباحة أكل المسلمين لطعامهم إلا ما ورد نص في تحريمه. (المائدة: 5)
2 - إباحة زواج المسلم من نسائهم.( المائدة: 5)
رابعا. خصّ القرآن الكريم المسيحيين بمدح لم يحظ به أهل الكتاب الآخرين، وذلك في قوله تعالى: {... وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ.} (المائدة : 82)
خامسا. جعل النبي صلى الله عليه وسلم أحد ملوكهم موضع ثقة لأصحابه المضطهدين حيث أمرهم ناصحا: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملِكا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق."( ابن هشام ج1: 280) وكانت نصيحته صلى الله عليه وسلم في مكانها. فقد رحّب بهم النجاشي في أرضه وردّ مبعوث قريش الذي جاء ليستعيدهم خائبا.( البخاري: مناقب الأنصار، هجرة الحبشة وانظر العسقلاني ج7: 227-230؛ ابن هشام ج1: 280-291؛ والندوي ص 131-135.)
سادسا. أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم خيرا بأهل مصر وكانوا أقباطا بقوله: "إنكم ستفتحون مصر، ...فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحِما." وذلك لأن هاجَرَ أم إسماعيل عليهما السلام، الجد الأعلى للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت من مصر. وكذلك كانت مارية، إحدى أمهات المؤمنين.( مسلم: فضائل الصحابة، وصية النبي؛ وانظر الصالح ج1: 254-255)
سابعا. شهد التاريخ الإسلامي تقدير كثير من خلفاء المسلمين لذوي الكفاءات العالية من المسيحيين.
ثامنا. وفي العصر الحاضر يضع المسلمون يدهم في يد إخوانهم المسيحيين ليسهموا في تنمية البلاد التي يعيشون فيها كمواطنين أو ذوي مصالح مشتركة. ووصل بعض المسيحيين - في البلاد الإسلامية بالأغلبية- إلى مناصب رفيعة، بل قاموا بتمثيل بلادهم في مؤتمرات إسلامية على مستوى الوزراء، وربما ترأسوا بعض اجتماعاتها.
تاسعا. إن من يراجع الكتاب المقدس عند المسيحيين، والقرآن الكريم مراجعة فاحصة يتضح له أن الدين المسيحي والإسلام بريئان من الحروب التي نشبت وتنشب بين أتباعها. فمن يقوم بإشعال هذه الحروب وتأجيجها هم دائما بعض أتباع الديانتين.
ويلاحظ، في ظل الحقائق السابقة، أن العلاقة بين الإسلام والمسيحية هي علاقة حميمة، يمكن بسهولة بناؤها على قوله تعالى {لكم دينكم ولي ديني}( الكافرون: 6)
ويمكن حل مشكلات الاختلاف في الدين بطرق، منها الحوار للاتفاق على طرق التعامل مع المختلف فيه، وطرق تعزيز المتفق عليه. وبصورة عامة، يمكن الاسترشاد بما يلي:
أولا – هناك حاجة ملحة إلى جهود العلماء في الديانتين بصورة مستقلة أو بالتعاون، لتحقيق التوعية اللازمة –كما جاء في الكتب المقدسة- في مسألة التعايش السلمي والتعاون لنشر الخير وتحقيق العدل في الأرض والتكاتف لدفع الشر والظلم، وتذكير القيادات السياسية بالقيم الأخلاقية الدينية.
ثانيا – أن يدرك المسيحيون والمسلمون بأن أوجه الاتفاق لا حصر لها فيركزون عليها ويتعاونون فيها، وأن أوجه الاختلاف معدودة ويمكن حصرها والاتفاق على طريقة التعامل معها.
ثالثا – أن يدرك المسيحيون والمسلمون بأن الاختلاف ليس كلُّه شر، وأن الاتفاق ليس كلُّه خير، وأنه لا غناء عنهما لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة. والمهم هو كيف نسخرهما لتحقيق مصالحنا في الحياة المؤقتة وفي الحياة الأبدية.
رابعا – أن ندرك بأنه ليس من مسؤولية أحد –في هذه الحياة- محاكمة الآخرين على ما يختارونه طريقا للنجاة في الآخرة، ما لم ينقض عهدا قطعه على نفسه (مثلا التزم بالإسلام ولم يعمل به) أو يؤذي الآخرين. فالله سبحانه وتعالى يقول {لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي.} وهو أحكم الحاكمين. وهو الذي سيحاسبهم، عقب انتهاء فترة الاختبار. فهو مالك يوم الدين.
ومن الواضح أن هذا التفريق يسهل تطبيقُه في مجال المعتقدات والعبادات عموما، وذلك لأنها أشياء يغلب عليها أن تكون فرديةُ الصبغة.
أما في مجال المعاملات فيحتاج الأمر إلى جهود كبيرة، وذلك لأن المعاملات لا تكون إلا مشتركة بين طرفين أو أكثر. فتتشابك فيها حقوق الأفراد، وحقوق الأطراف المعنية بصورة مباشرة (مثل العقود بين الأفراد المحددين) وحقوق الجماعة. كما تتشابك فيها حقوق الأقلية مع حقوق الأغلبية، في حالة تعذر الاتفاق في الأمور التي لا تحتمل التعدد، وتتشابك فيها المعاملات الإلزامية بالمعاملات الاختيارية...
ولو تُرك أمر التشريعات للملتزمين من رجال الدين المسيحيين والمسلمين، المحافظين على قدر كبير من الفطرة السليمة والفاهمين لكتبهم المقدسة، فإن الأمر سيكون أكثر يسرا، وذلك للتطابق الكبير بين كثير من القيم الأخلاقية في القرآن الكريم وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكثير من القيم الموجودة في الكتاب المقدس عند المسيحيين، حتى في صورته الراهنة.
إرسال تعليق