الأربعاء، 10 ديسمبر، 2014

السفير د. عبدالله الأشعل يكتب : اقتصاديات التخلف

اقتصاديات التخلف
يقصد باقتصاديات الشيء المنافع والمزايا فهو معني ايجابي ، أما اقتصاديات التخلف فلها معني اخر ويقصد بها في هذا المقام الخسائر والاعباء التي تقترن بحالة التخلف والتي تزيد حالة التخلف واعباءها سوءا
وللتخلف عدد من الاعباء المالية والاجتماعية والنفسية بعيدة المدى التى تترتب على التخلف. وقد حاولت أن أجد تعريفاً دقيقاً موضوعياً للتخلف فعدت إلى ما قرره منذ خمسين عاماً عميدنا الاشهر المرحوم زكى شافعى الذى وقف فى مثل هذا اليوم من خمسين عاما لكى يعرف التخلف تمهيداً للحديث عن التنمية التى تؤدى إلى التقدم فأخذ يستعرض معايير التخلف وأمارات التقدم لكى يصل فى النهاية إلى استبعاد كافة المعايير وأن ينتهى إلى ما انتهيت إليه اليوم بعد خمسين عاماً من التأمل والدراسة بأن التخلف هو التخلف. ولكن التخلف والتقدم صفتان للدولة تصل إليهما بطرق مختلفة. فقد اخترعت التنمية لكى تؤدى إلى أن تقف الدولة فى صفوف الدول المتقدمة والتى اطلق عليها حتى بداية عصر المعلومات الدول الصناعية. ومنذ ذلك الوقت أصبحت هناك دول متقدمة لم ترتد إلى الوراء ودول متخلفة حاولت أن تتقدم وأطلق عليها خلال هذه المحاولة الدول النامية والقليل منها أكمل مرحلة مهمة من نموه ولكنه ليس معدوداً من المتقدمين وأما البعض الآخر فقد أنقلب على عقبيه وأنهارت آماله فى التنمية وأصبح لدينا اليوم تصنيف جديد هو الدول المتقدمة وكلها دول أوروبية والدول النامية وعددها قليل من العالم الثالث على رأسها تركيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا أى معظم دول منظمة البركس وأما المرتبة الثالثة فهى الدول الريعية التى تعيش على ريع المورد كالبترول وتنفق دخلها لتحسين الحياة دون أن تأمل فى أن تنضم إلى الدول المتقدمة، ثم هناك أخيراً الدول المرتدة وهى التى تسرع إلى الوراء فى جميع المجالات، وليس عيباً أن نقول أن مصر أنضمت إلى هذه الدول والدليل هو تراجع مصر فى جميع المؤشرات الدولية بلا استثناء وعلى من لديه عكس ذلك أن يدلنى عليه . هناك أكثر من ثلاثين مؤشراً تحتل فيه مصر مراتب متقدمة أى تقترب من القاع وكان أخرها ترتيب الفريق القومى المصرى لكرة القدم فى إطار الفيفا حيث تحتل مصر المرتبة الستين وتقع فى المربع الأخير من الدول الكروية. ولابد أن يدعونا هذا بالمناسبة إلى البحث عن أسباب الانهيار حتى يمكن أن نوقفه ثم نبحث عن أسباب التقدم ولكننا حتى الأن نخادع أنفسنا وقد تبين لى مؤخراً أن التقدم والتخلف صفتان ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بالادراة والنظام وإلا كيف نفسر أن دولة متخلفة مثل تركيا أصبحت فى عداد الدول المتقدمة بعد نجاح تجربة التنمية فيها ، وهى تنمية بالمناسبة شاملة اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية ونفسية. وليس صحيحاً أن التخلف يلحق بالشعوب لأن هذه الشعوب كما رأينا تستطيع أن تسهم فى التقدم إذا كان هناك نظام يحتويها ويحدد لها مساراتها والادلة على ذلك لا تحصى ولكن تكفى الإشارة إلى مثالين أثنين ، الأول هو لماذا يبرع أبناء العالم الثالث عندما يعملون فى دول أخرى لديها نظام أو يتفوقون فى دراساتهم ويبزون أقرانهم فى الجامعات الغربية. أما المثل الثانى فهو ما لاحظته خلال زيارة أخيرة فى الجامعات الأمريكية وهو أن معظم الشعب الأمريكى ينتمى إلى العالم الثالث ومع ذلك لا يتصرفون فى الشارع تصرفاً متخلفاً وإنما يضبطهم النظام، وما تحتاجه مصر هو أن يوضع فيها نظام ثم يقوم النظام بالقضاء على الشخصانية وأن يتم كل ذلك بحكم القانون فى كل جوانب الحياة فيظهر القانون أمامنا ويتوارى الأشخاص وهذه البيئة هى التى صنعت التقدم من عناصر تنتمى إلى عوالم التخلف وأن أدعو المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ومراكز الابحاث فى مصر أن تجرى دراسة لهذه النقطة وتستقصى سلوك المصريين مثلاً فى الولايات المتحدة فلا نكاد نلحظ مصرياً واحداً خرج على النظام أو انتهك القانون وإنما وفر له القانون البيئة الصالحة للامان والحرية والاستقرار والازدهار.
ولكل وضع اقتصادياته ولكن لا نلاحظ حديثاً عن اقتصاديات التقدم لأن التقدم فى ذاته وهو ارادة وقيادة يصنع التقدم ويضيف إليه تماماً كالغني يزيد الغنا والعلم يزيد العلم على خلاف المقابلات فى هذه النقطة ولذلك من الوجاهة بمكان أن تهتم مراكز البحوث بدراسة اقتصاديات التخلف أى التبعات والاثار والخسائر المترتبة على التخلف وفى هذه المقالة نقدم بعض الاضاحات التى تحتاج إلى احصائيات ودراسات. ففى مجال الاقتصاد هناك الكثير من الجوانب الخاصة بتركيب الاقتصاد والمؤشرات الاقتصادية والعمالة والبطالة والانتاجية ومستوى الجودة والتنافسية والقدرة على التصدير والاكتفاء والوفاء بالحاجات والتطوير والابتكار والبحث العلمى فى المجال الاقتصادى والشراكات الاقتصادية ووضع الاقتصاد ضمن الاقتصاديات الدولية وأوضاع العملة وعلاقتها بالعملات الأخرى وغير ذلك من المؤشرات الاقتصادية. وقس على ذلك فى مختلف المجالات التى تعكسها المؤشرات ولكنى أشير بصفة خاصة هنا إلى تكاليف التخلف فى مجال الجهل الطبى والصحى والدوائى والتخلف فى مجال عدم الوعى بقواعد المرور واحترامها، وبهذه المناسبة فإن المقارنة بين ضحايا الطرق والنقل فى مصر مثلاً حيث يتجاوز العدد المائة ألف بالاضافة إلى أضعاف هذا العدد من المصابين الذين يحتاجون إلى علاج كما يؤثرون على الانتاج إذا كانوا يعملون، وبين دولة متقدمة تحترم فيها قواعد المرور وتطبق القواعد على الجميع فلا تقع حادثة إلا نادراً ومن أشخاص لديهم مشاكل نفسية. بهذه المناسبة أيضاً فإن حالة الاكتاب القومى التى تصيب الشعب عادة بسبب تدهور الأوضاع تؤثر تأثيراً فادحاً على انتاج الناس واقبالهم على العمل. أما فى مجال الصحة فإن التخلف يعنى نوعية هابطة من الاطباء وغش فى الأدوية وانحدار مستوى الخدمات الحكومية وانتشار الامراض الضعيفة انتشاراً وبائياً وقلة الامكانيات المادية المخصصة للصحة مما يؤدى إلى المزيد من الانهيار ولكن إذا تمت ادراة الصحة بالوعى والتعليم والاخلاص والرقابة والدقة فإنها تصنع التقدم حتى فى بيئة متخلفة. صحيح أن العلاقة بين القطاعات وخصوصاً التفاعل بينها وقيادة قطاع منها لبقية القطاعات من المسلمات الاقتصادية فى علم الاقتصاد ولكن يجب دراسة فكرة النهوض فى قطاعات معينة تخفف من مظاهر التخلف وتمد المجتمع بعناصر نافعة للقطاعات الأخرى. فلا شك أن ارتفاع معدل الاصابات من الحوادث والتلوث يؤدى إلى المزيد من نسب الاعاقة البشرية فى المجتمع حتى أظن أن القهر السياسى والاقتصادى والاجتماعى والبلاهة السياسية والعجز عن التغيير واهدار الكرامة عبر أجيال كثيرة يؤدى إلى تخلف جينى لا يبرأ منه المجتمع إلا بعد أجيال من لحظة الوصول إلى الجيل الأول بعد الاصلاح. ولا نظن أن القهر الأمنى وحالة الخوف من الشعب واهتزاز النظام وارتفاع اعداد المعتقلين ووتيرة التعذيب فى السجون إلا أن تكرس مظاهر جديدة للتخلف وخلق النفوس السوداء والاحقاد وهذا كله له تكاليف اقتصادية هائلة. يضاف إلى ذلك أن الدولة المتخلفة تعانى من الفساد وقد تم رصد مقابل الفساد فى منظمة الشفافية الدولية والذى يمثل فى بعض الدول معظم ميزانيتها. فلوكانت الدولة مدينة بمبلغ معين لا يستطيع الاقتصاد أن يفى بالدين وخدماته ويشكل ذلك نسبة عالىة من الناتج القومى الاجمالى ويصبح الدين حدبه على ظهر الدولة تؤدى به إلى التقوس والعجز ثم الافلاس، فإن نسبة الفساد تفوق معدل الدين وهذه حقيقة علمية ثابتة بالاحصائيات. وحتى الموروث الثقافى والعادات والقيم السلبية والتقاليد يترتب عليها تكاليف اقتصادية يصعب حصرها ولكن هذه العادات مثلاً فى مجال الحفلات والاعياد قد تدخل السرور على القلوب ولكنها تسجل تراجعاً مخيفاً فى المجال الاقتصادى وأخيراً فإن التعليم الهابط والاعلام المتدهور والثقافة السطحية تخرج مجتمعاً يعانى من العاهات الاجتماعية والثقافية وتنتشر فيه القيم السلبية مثل الخرافات والنصب والاحتيال والمخدرات وكل مايضر بالصحة ويعتبر أرضا صالحة لازدهار عناصر تتغذى على النفاق والسطحية والخداع مما يؤدى إلى أثار اجتماعية خطيرة وتفكك الأسر وارتفاع معدل التوترات الاجتماعية مما يثقل كاهل الاجهزة الامنية والقضائية، وتزدهر فى هذه البيئة قيم الاستبداد والدكتاتورية والسلوكيات الشكلية المظهرية والاحقاد الطبيقة وانحسار قيمة القانون.
أننى أرجو أن يهتم المتخصصون فى الاقتصاد والاجتماع والثقافة والأمن والصحة وغيرها بإجراء أبحاث مشتركة حول اقتصاديات التخلف والبحث عن أسباب التقدم، لأن خسائر التخلف إذا قورنت بفضائل التقدم فسوف يظهر أن التقدم فى ذاته عملية اقتصادية يجب الحرص عليها والسعى لنوالها. ويجب أن يهتم البحث بالعلاقات الاقتصادية الدولية وخرافة المعونات الاقتصادية وان يفحص مدى صحة ما يتردد من أن أسباب تقدم المتقدمين هى نفسها الأسباب التى يحرصون على تخلف المتخلفين لأن الفضاء لا يتسع لكل الدول فى سلة واحدة وأن التبادل والانتفاع المتبادل يحتم وجود التخلف والتقدم ويجب أن يشمل البحث أخيراً خرافة حوار الشمال والجنوب التى استمرت عقوداً طويلة وانخداع العالم الثالث بما يسمى حوار الجنوب الجنوب، ونحن فى العالم العربى إذا صحت هذه المقولة أولى بالحوار لولا أن دوانا واقتصادياتنا تتحدد مصائرها وأقدارها بالبيئة الدولية التى تعيش فيها والتى تفرض عليها أن يكون التقدم والتخلف قراراً سياسياً.
إرسال تعليق