السبت، 6 ديسمبر، 2014

هشام علام يكتب: عزيزتي أم الدنيا: لماذا تعشقين الذل؟

أكتبُ لك اليوم وقد استجمعتُ كل شجاعة اكتسبتها من الميدان وكنت أظن قبلها أنّي لا أجرؤ، وأستحضرت صبري في مواجهة قسوتك طيلة أعوامي الثلاثين فوق أرضك، باستثناء بقعة واحدة، حملتنا فوقها ثمانية عشر يوما، ثم صارت في مثل «خذلانك»، أقسو عليك وأنت البارعة في القسوة، وأجحدُ قليلاً قدمتيه لنا كما جحدتِ كل كثيرٍ قدمناه لكِ.. يا وطن عدالته للصوص وظلمه للضحايا.
أكتب ومن خلفي جيل بكر، فعلتِ به ما تجيدين فعله دائما بالسذج، المؤمنين بالشرف والحرية والوطن،تستغيثين كالعفيفة حين يتكالب عليها الذئاب، ولما هبوا لنصرتك وهم لا حول لهم ولا قوة، عُزَّلٌ سوى من ضحكات لم تكتمل، وأعينٍ لم تبصر غير هوائك الأغبر، ونيلك القاتم، ونهارك الأشد ظلمة من ليلك، انتفضوا ثأرا لكرامتك، دفعوا ثمنا لا يُدفع إلا في الأوطان.. وانت كما عهدناك،حاشا أن تكونين وطنا،لا تحتضنين إلا فاسد، ولا تنصفين إلا ظالم، ولا تقتصين إلا من قتيل، ولا تبكين إلا على أبناء القتلة، ولا تسعين إلا لمن يعطيك ظهره.
يا وطن لا يهتم إلا بعزيز ذل، ولا يعنيه القابع في أوحال الذل، يا وطن يعشق لبس الأسود، يغريه اليُتم وقلة الحيلة والتنطع أمام الأبواب طمعا في المعونة،، مازلنا واقفين على أقدامنا في وجه طواغيتك، ونحن أهون من فيك عليك.
نحن الجيل الملعون، صبية الميدان، حاملو النعوش، أصحاب الأعين الواحدة، وعلامات الهروات في الكتف والساق، النائمون في الحدائق، المتغلبون على بردك بالأغاني، من رفعوا رايتك لأجلك وتغنوا باسمك شغفا، وكانت لا تُرفع إلا لمغتصبيك، نحن المتصبرون على نار الدنيا في أرضك بجنة الانصاف في الآخرة، المتواسون بالأمل وأنتِ تلقمين السوس ثدييك ليشتد عوده وينخر أعوادنا، نحن الحالمون بالحرية لك وأنت تنسجين أصفادنا في السر، نحن الغاضبون لأجلك والمغضوب عليهم، الثائرون لنصرك والمستنصرة علينا بمغتصبيك..عزيزتي «هبة النيل»:أما آن لكِ أن تعدلي؟
نحن الخائنون، المُدانون بكل التهم دون اثبات وقبل أي محاكمة، نحن المُسَرب لهم والمُتجسَس عليهم والمطعون في رجولتهم، نحن من لوثنا وسرقنا وهرّبنا وأتلفنا، نحن المدفونون في مقابر الصدقات أحياء، المتكدسون في قطارات الموت،الغارقون في العبّارات ومراكب الهجرة، الراقدون على أرصفة المستفشيات ومعاهد الأورام، نحن الحالمون لأنفسنا بالستر وميتة كريمة ولك بالكرامة ما حيينا، لماذا صدرك الرحب للغرباء والجاحد القاسي علينا، صوتك العالي في آذاننا وأنت الصماء البكماء المنكسرة القعيدة في حضرتهم..عزيزتي أم الدنيا: لماذا تعشقين الذل؟
حملناهم عصابة عن بكرة أبيهم وجئنا بهم تحت قدميك قربانا، وقالوا مستحيل..وفعلنا، فاحتضنتهم واتهمتنا بالتجني، وصبرنا. رفعناك فوق رؤسنا ووضعتنا تحت أقدامهم، وما تحملنا.رأينا البراءة تزحف نحوهم من بعيد ولم نصدق أعيننا وانتظرنا منك انصافا، ورأينا السجون تضيق عليهم وتتسع لنا وانتظرنا منك انصافا، ورأيناهم يُكرمون وتُعلق الزينات انتظارا لحريتهم ونحن المسجونون المقموعون بداخلك، وانتظرنا منك انصافا، ورأيناك تُدمنين الخذلان والتقهقر والانحناء وانتظرنا منك أن تُنصفينا ولو مرة..هل رأيت جيلاً من السذج مثلنا!!
عزيزتي أم الدنيا: يا وطن التنطع والفساد والعفن والظلم، مازلنا خلفك حتى تتطهر، مازلنا لم نيأس، لم نفقد أنظف ما فينا، مازلنا جيلا لم يدخل بعد في دوامة الحسابات والمساومات والمواءمات والصفقات السرية، ومادامت كل أدلة اتهامنا أننا ثُرنا يوما، وهتفنا بسقوط فاسد تلو فاسد، ومادام كل ذنبنا أننا قلنا «لا» في وجه كل مَن قالوا «نعم»..فالمجد لنا.
إرسال تعليق