الأربعاء، 28 مايو، 2014

المفكر الاسلامى الدكتور محمد عباس يكتب : أعدى أعداء السيسي

ربما يظن السيسي أن أعدى أعدائه هم الإسلاميون عامة والإخوان خاصة والجهاديون كخاصة الخاصة.
لن أدخل الآن في الاستراتيجيات الكبرى .. ولا في من يحرص على من؟ .. ومن يكافئ من؟ .. ومن يخون من؟ .. ولا في مصير الشاة ونورييجا والقذافي بعد أن سلم سلاحه وشرفه.
لن أدخل في هذا كله..
لكنني أقول بصدق أن أعدى أعدائه هم الذين ورطوه في المذابح من الساجدين إلى المنصة إلى النهضة ورابعة إلى 25 يناير إلى السادس من أكتوبر إلى المذابح اليومية.
قبل هذه المذابح كانت أمام السيسي فرصة كبيرة لأن يكون رئيسا بالفعل والانتخاب بعد الفترة الأولى للدكتور محمد مرسي. بل إنه كان رئيسا دون أن يصبح رئيسا: بمعنى أن كلمته كانت مسموعة ورأيه كان يُحترم وكان مؤثرا على الأحداث بصورة بالغة وربما تكون حاكمة.
***
وقعت الواقعة حين وقع السيسي في براثن إخوان الشياطين - وليس الإخوان المسلمين - وأقصد بهم من أطلق عليهم الدكتور عبدالوهاب المسيري: "الجماعات الوظيفية" وهي تلك الأقليات التي تعودت أن تعيش مهمشة ومهددة طول عمرها، وهي كالطفيليات، لا تستطيع الحياة دون عائل قوي تمتص إمكانات الحياة منه حتى لو قتلته في النهاية لتبحث بعد موته عن عائل غيره.
الجماعات الوظيفية في مصر أطياف واسعة مشتتة متباغضة وتتراوح - مع بعض الاستثناءات - ما بين الليبراليين والعلمانيين وكثير من النصارى والملحدين والفوضويين والاشتراكيين الثوريين ينضم إليهم الفاسدون واللصوص والخونة والجواسيس والعملاء المتورطون فيما يخشون الكشف عنه و و أتباع مسيلمة من الإعلاميين.. و.. و.. وهذه الفئات تعيش في رعب مقيم لأنها تدرك حجمها .. لذلك تراها في منتهى الدماثة والرقة حتى تتمكن عن طريق طاغية فتكشف عن حقيقة وحشية مفترسة بلا حدود وبلا سقف ولا خلق ولا ضمير ولا انتماء ولا صدق ولا أي درجة من الحرص على وطن لا يمانعون أبدا في تمزيقه لكي يأخذ كل واحد منهم ما يستطيع الاستيلاء عليه منه. هذه الجماعات حين تختلف لا تختلف مع رأي أو حزب أو اتجاه، إنما تختلف مع التوجه الرئيسي للوطن والأمة، عالمة أن وزنها حين لا تختل الموازين لن يحقق لها طموحاتها ولا أحلامها، كما أنه لن يحميها من الحساب على جرائمها، لذلك فإن عدوها الرئيسي هو أي شخص يمثل الأمة بصدق وتجرد. أما أصدقاؤها فهم كل من ينشق على الأمة ويسير عكس التيار. لذلك فإن واحدا كياسر برهامي، الذي اتفقت كل وسائل الإعلام (الميديا الإعلامية) خلال العقود الثلاثة الأخيرة على أنه رأس التشدد والتطرف، قد أصبح بين عشية وضحى، أهم للجماعات الوظيفية من تواضروس ورفعت السعيد وجورج إسحق ومحمد أبو حامد، لأن كل أولئك لم يكونوا محسوبين على التيار الرئيسي للأمة بل على التيار المناوئ. لذلك فإن قيمة برهامي الذي انسلخ عن التيار الرئيسي لا تضاهيها أهمية إلا ضابطا من جيش العدو انسلخ منه لينضم إليك، أو - بالأحرى في موضوعنا هذا - أن ينسلخ من جيشنا ضابط كبير لينضم إلى جيش العدو، صحيح أنه يفقد صفة كونه ضابطا بمجرد انسلاخه، لكن خطورته تظل كامنة. ومثل هذا الضابط المنسلخ، يكون حريصا على هزيمة وطنه أكثر من حرص ضباط جيش العدو، الذين حتى إن انهزموا وأسروا، سيظل عندهم أمل أن يعاملوا كأسرى وأن يفرج عنهم في مبادلات الأسرى أو مفاوضات بعد الحرب، أما ذلك المنسلخ فليس له سوى نهاية واحدة إذا ما أسر: الإعدام بتهمة الخيانة العظمى.
***
أتساءل كثيرا: هل حاولت الجماعات الوظيفية أن تصنع من السيسي ياسر برهامي آخر؟
التاريخ سخي بأمثلة كهذه .. لكننا في واقعة السيسي بالذات لا نظن أن طموحهم وصل إلى ذلك. لأسباب عديدة، أن السيسي بقوة الجيش على الأقل كان لقمة أكبر من طاقتهم على الابتلاع. كما أنه بفضل وسائل الإعلام (الميديا) والوقائع المستقرة في أذهان الناس بغض النظر عن صدقها وصوابها أو تزييفها وخطئها، شخصية محبوبة، لم يكونوا يضنون عليه بأصواتهم في أي انتخابات قادمة لو أنه انتظر.
***
كان رعب الجماعات الوظيفية أن ينجح الحكم الإسلامي سواء بقيادة العظيم الغائب حازم أبو إسماعيل أو خيرت الشاطر أو محمد مرسي أو حتى سليم العوا وعبدالمنعم أبو الفتوح، وأن يقطع عليهم طريق الرجوع كما حدث في تركيا على سبيل المثال. وكان رعبهم الأكثر أن يأتي السيسي بعد أربع سنوات ليضيف قوة الجيش إلى قوة نجاح الحكم الإسلامي، فكان عليهم أن يقطعوا عليه وعلينا الطريق.
***
...
***
هذه فقرة لا يحسن أن نتحدث عنها الآن لأننا -لأسباب مفهومة - لن نستطيع أن نوفيها حقها، لكن خلاصة الأمر، دون ذكر مقدماته، أن السيسي بدا بالنسبة للجماعات الوظيفية صيدا ثمينا فهو إن نجحوا في استقطابه سيكون مثل برهامي منسلخا من التيار العام. ولكن بقيت أمامهم مشكلة خطيرة تتعلق بأمرين: الأمر الأول طبيعة الإسلام والمسلمين والمصريين من الأخذ بالظاهر والتسامح فيما لا حد فيه، والثاني هو طبيعة السيسي نفسه، وما يبدو على ظاهره - دون التطرق إلى الحقيقة والباطن والأعماق - من تدين يصل - من وجهة نظر الجماعات الوظيفية - إلى حد الإفراط. هذا التدين كان علامة خطر، تشي بأنه كأي مسلم حقيقي ذي نفس لوامة، يمكن أن يخطئ، لكنه أيضا يمكن أن يتوب.
***
كانت المشكلة أمام الجماعات الوظيفية في أمرين: كيفية استقطابه: وهذا أمر طويل معقد متشابك بين الداخل والخارج والحاضر والماضي لذلك فهو خارج نطاق إمكانيات هذا المقال.
وعندما بدت في أفقهم بشارات الاستجابة والتوافق بقيت المشكلة الأخطر، ألا وهي كيف نمنع الارتداد ونغلق طريق الرجوع.
كانت وسائل الإعلام (الميديا الإعلامية) قادرة على غسل مخ الناس وإلباس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق، وكانت قادرة على فعل ذلك حتى وإن تبدلت المواقف، لذلك كان لا بد من خلق واقع جديد لا يمكن تخطيه أبدا كسرعة الضوء التي لا يمكن تجاوزها. وكانوا واعين تماما بما يريدون، وبدا ذلك فيما تسرب عنهم حين سجلت لهم الكاميرا وهم لا يشعرون، وكان كلب من كلابهم ينبح أن مصر غير إسلامية ولن تكون وحتى يحدث ذلك لابد أن يكون هناك دم .. ودم كثير.
***
كان ذلك مربط الفرس وحجر الزاوية وثالثة الأثافي: أن يكون هناك دم .. ودم كثير .. فذلك هو الضامن ألا يغير السيسي اتجاهه بعد الوفاق.
كانت هناك طرق كثيرة بغير دم.. البرادعي نفسه أقر بذلك..
لكن الدم كان مطلوبا.. لا لهزيمة الإخوان.. ولا لردع المسلمين.. ولا لمجرد القضاء على الإسلام.. بل لسد طريق الرجوع أمام السيسي نفسه.. الذي لن يستطيع الاستغناء عن تعضيدهم بعد هذا الطوفان من الدم.
كان هذا الدم هو الجزء العاري من كعب أخيل!!! (أدرك أنها أسطورة الهالكين من الوثنيين ولكنني أستعمل الجزء المجازي الرمزي فيها).
***
لا يهمنا الآن - حقا لا هربا- تفاصيل تدبير الأمر ولا المسئولية الحقيقية للسيسي عنه ومدى الجزء المتاح للإرادة والجزء المتاح للخديعة والمؤامرة فيه.
المهم أنه أصبح هناك دم .. ودم كثير .. شكل بحرا هائلا لا يمكن لأي طرف من الأطراف عبوره .. مهما كان .. ومهما فعل .. ومهما قيل.
وبهذا البحر من الدماء فقد السيسي - كأخيل- عنصرا من أهم عناصر قوته ودلهم على مكمن الهلاك فيه .. وبدلا من أن يكون هو القوي الذي يحتاجون إليه دون أن يحتاج إليهم أصبحت المنفعة متبادلة بل أصبحت حاجته إليهم أكثر من حاجتهم إليه بعد أن عبر بهم المحيط الذي كانوا لا يتخيلون عبوره في سفينة الانقلاب ، وأصبح يسيرا عليهم، أن يأتوا بعده بمن هو أشد علينا منه..
***
أصبح هناك دم..
ودم كثير ..
وهو الأمر الذي لن يجعل السيسي رئيسا أبدا .. حتى لو فاز في الانتخابات الفوز الساحق المعتاد منذ ستين عاما .. وحتى لو قطن في قصر الرئاسة.
***
سبحان الله..
كان رئيسا من غير أن يكون رئيسا.. !!
والآن: لن يصبح رئيسا أبدا .. حتى وهو رئيس.. !!
جفت الأقلام وطويت الصحف ..
**
إرسال تعليق