الأربعاء، 30 يوليو، 2014

جمال سلطان يكتب : أحاديث مريبة عن قتلى مصريين بمعارك ليبيا

المصريون
قبل ثلاثة أيام نشرت وكالة الأنباء المصرية الرسمية خبرا مفاده أن صاروخ "جراد" أصاب منزلا يسكنه المصريون في منطقة الكريمية في طرابلس بالقرب من المطار ، حيث تدور معارك طاحنة بالأسلحة الثقيلة ، مما أدى إلى مقتل ثلاثة وعشرين عاملا مصريا ممن يعملون في ليبيا ، وقد استندت الوكالة إلى شهادة من أطلقت عليه رئيس الجالية المصرية في ليبيا المدعو علاء حضورة ، بعدها بعدة ساعات أعطى العقيد محمد حجازي المتحدث باسم قوات اللواء المنشق خليفة حفتر تصريحات لوكالات الأنباء ليؤكد الخبر ويقول أن العدد ربما كان ستة عشر مواطنا مصريا قتلوا والباقي أفارقة ، وحمل المسؤولية عن قتلهم للكتائب الإسلامية التي يحاربها هناك ، وبعدها بساعات قليلة تحدثت مصادر الخارجية المصرية ـ بدون ذكر أسماء من تكلموا ـ للصحافة والفضائيات وقالوا أن مصر تتابع التحقيقات في تلك الجريمة مع السلطات الليبية ، وأصدرت بيانا ناشد فيه المصريين العاملين في طرابلس بالتوجه إلى الحدود التونسية من أجل ترحيلهم إلى مصر ، وتم نشر هذه الأخبار على نطاق واسع في الصحافة المصرية الرسمية والخاصة ، والفضائيات الرسمية والخاصة ، قبل أن يخرج المتحدث باسم وزارة الداخلية الليبية في بيان رسمي أمس ليعلن أن كل هذا الكلام محض هراء وأكاذيب ، وأنه لا صحة لمقتل مصري واحد في منطقة الكريمية أو غيرها ، وأن مواطنا مصريا واحدا أصيب بإصابات بسيطة من جراء شظايا صاروخ فيما يبدو ، وانتظرت طويلا بعد التصريحات الصادمة للحكومة الليبية أن يخرج مسؤول مصري ليوضح معنى هذا الكلام ، ولماذا روجوا لهذا العدد الكبير من القتلى المصريين ، فلم أظفر بشيء ، وحتى وقتنا هذا ما زال الأمر لغزا يستعصي على الفهم ، فقط قال وزير الخارجية سامح شكري أن وزارته تتحرى الأمر بعد بيان الداخلية الليبية "حتى لا نقع في الخطأ مرة أخرى" حسب نص كلامه ! .
الأخبار عن تفاصيل الوضع في ليبيا وما يجري هناك شحيحة إعلاميا ، كما أنها شديدة الغموض في فهم الموقف المصري بشكل خاص ، ولكن هناك مؤشرات علنية لا يمكن تجاهل دلالتها عن انحياز السلطات المصرية للواء المنشق خليفة حفتر الذي يخوض معارك طاحنة مع الكتائب الإسلامية التي تعمل من خلال رئاسة أركان الجيش الليبي الشرعي ، كما أن الرجل تحدث كثيرا عن تأييده للسلطة الجديدة في مصر وحربها على الإخوان واعتبر نفسه في ليبيا امتدادا لتلك الحرب وأنه يخدم المسار المصري في ليبيا وأنه عازم على تدمير القوى الإسلامية ونفوذ جماعة الإخوان هناك على النحو الذي حدث في مصر ، والإعلام المصري الرسمي والخاص والخبراء العسكريون الذين يظهرون على الشاشات يتحدثون عن المعركة في ليبيا باعتبارها حرب حفتر على الإرهاب والإخوان والدعم الإعلامي والسياسي والمعنوي العلني أوضح من أن يجهله أحد ، لا داخل مصر ولا خارجها ، وهناك اتهامات مصرية رسمية متتالية ضد القوى الإسلامية في ليبيا تتحدث عن تآمرها على مصر واحتضانها لكوادر إسلامية مصرية مسلحة تنشط على الحدود لتهديد الأمن القومي المصري واختراق الحدود والقيام بأعمال إرهابية ، وصفوها أحيانا بالجيش المصري الحر ، وتحدث إعلاميون مرارا عن أهمية توجيه ضربة مصرية استباقية في الداخل الليبي ، وشارك الرئيس المصري نفسه عبد الفتاح السيسي في حوارات ومشاورات إقليمية بخصوص ما اعتبره التهديد الليبي للاستقرار في المنطقة ، وفي كل الأحوال ، وفي مثل تلك الظروف لا يمكن التقليل من الحضور المصري في الحالة الليبية بصورة أو أخرى ، وخاصة أن ليبيا يلعب فيها الآن أكثر من جهاز استخباراتي دولي وإقليمي .
عندما تكون الأمور متداخلة إلى هذا الحد والغموض سيد الموقف في السياسات والمواقف العملية ، عسكرية وأمنية واستخباراتية وديبلوماسية ، فإن مثل تلك الأخبار عن قتلى مصريين في معارك ، حتى وإن قيل أنهم عمال أصيبوا عرضا من جراء اشتباكات قوى ليبية متناحرة ، لن تكون أخبارا مريحة ، وسيكون ضررها كبيرا ومحرجا للموقف المصري من أحداث ليبيا ، وقد تفتح الباب أمام شكوك واسعة ، تتردد الآن بقوة وخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي ، ويزداد الأمر سوءا عندما تتورط جهات رسمية مصرية في تسويق تلك القصص عن القتلى المصريين ، وتصبح الإجابة صعبة على التساؤل البديهي : هل من المعتاد أن يسكن العمال أو يعملون في أحياء تشهد مثل هذه المعارك الدموية بالصواريخ والدبابات والمدفعية ؟!
إرسال تعليق