الجمعة، 7 فبراير، 2014

الخبير بالجامعة العربية د محمود ابوالوفا يكتب : العرب و دروس التاريخ

مقدمه :
فى تعليقه على ما سمى بالربيع العربى قال مراسل الشئون الخارجية فى صحيفة نيويورك تايمز روبرت وورث " أن ثورات الربيع العربى سلّطت الضوء على مأساة الحدود المعيبة فى الشرق الأوسط ، إذ خلقت توجهاً انفصالياً واضحاً لدى شعوب المنطقة ، وهناك تحركات قوية نحو هياكل حكم أكثر محلية وبأشكال مختلفة ، منها النظام «الفيدرالى» على طريقة دولة الإمارات العربية المتحدة التى أصبحت مثالاً يسعى آخرون إلى تكراره ، لكن المثير للدهشة هو ظهور كيانات صغيرة جداً راغبة فى الانفصال أكثر من كيانات أكبر مؤهلة بشكل أفضل نسبياً ، فمثلاً أظهرت مدينة «مصراتة» غرب ليبيا ميلاً للحكم الذاتى أكثر من شرق ليبيا ، وفى اليمن ، تطالب مدينة تعز - التى لم تكن أبداً جزءاً من الجنوب - بنوع من الحكم الذاتى والهوية المحلية."
ورغم تحفظى الكامل على نوايا الغربيين تجاه ما يحدث فى عالمنا العربى الا ان هناك الكثير من المقولات يجب الوقوف عندها بالتحليل والدراسه ، حيث يتحتم علينا ان ناخذها بعين الاعتبار ، كما يجب تحليلها بطريقتين متوازيتين احداهما داخل السياق العام للاحداث والاخرى خارجه استنادا الى حقائق تاريخيه نتجت عن احداث فعليه تعود الى ما يناهز المائة عام ، ولابد ان نؤمن بأن التاريخ قد يعيد نفسه ، وما أشبه الليلة بالبارحه.
مقولات كثيره تتناثر هنا وهناك فى مؤتمرات وندوات عالميه ومقالات فى كبرى الجرائد الدوليه وكعادتنا – نحن العرب - لا أحد منا يقرأ ، ومن يقرأ لايفهم ، ومن يفهم لا يحرك ساكنا ، وهو يرى الأوطان تسحب من تحتنا وتتقطع اوصالها وتتعرض للضياع فى مهب الرياح العاتيه ، حيث تتمثل المشكله الحقيقيه والرئيسيه – من وجهة نظرى – فى طريقة التفكير الخاطئه والمنحرفه عن الصواب لدى اغلب النخب المتصدره للمشهد فى الوطن العربى ، بالاضافه الى تشبث القائمين على الأمر بغالبية الدول العربيه بالسلطه رغم فشلهم الزريع فى ادارة شئون البلاد والنهوض بها لتلحق بركب الدول المتقدمه , فمن المخجل ألا يصنف بلد عربى واحد على انه من العالم الاول , وانما الكل عالم ثالث لا يستطيع اللحاق بالركب يستوى فى ذلك غنيهم وفقيرهم.
التاريخ يعيد نفسه :
" إن مشكلة «سايكس - بيكو» أنها لم تقسم الشرق الأوسط بما فيه الكفاية ، أى أن الحدود المرسومة من قِبل القوى الغربية فى نهاية الحرب العالمية لم تأخذ فى اعتبارها الخلافات الطائفية والقبلية والعرقية فى المنطقة ، وبالتالى قد نشهد ظهور دويلات وكانتونات مستقلة أو شبه مستقلة أصغر، خصوصاً فى سوريا والعراق ، ومهمة «الحرب العالمية الثالثة » أن تنجز ما بدأته «سايكس - بيكو» وتصلح مساوئها " هذه ما قالة «لى سميث» رئيس تحرير مجلة «ذا ويكلى استندرد» فى ندوة نظّمتها مجلة "تابلت" الأمريكية اليهودية فى 21 مايو 2013 بمشاركة الكثير من الخبراء الغربيين فى شئون الشرق الأوسط , كما جاء فى كتاب "كيف تموت الحضارات؟ " للمؤلف ديفيد جولدمان :" إن الدول الاستعمارية التى رسمت حدود مستعمراتها فى الشرق الأوسط تعمّدت أن تعطى الحكم للأقليات ، فمثلاً الأقلية السنية حكمت العراق ذات الأغلبية الشيعية ، والأقلية الشيعية فى سوريا حكمت الأغلبية السنية ، وكان منطق القوى الاستعمارية أن دولاً متعددة الأعراق مثل سوريا والعراق لا يصلح لاستقرارها إلا مبدأ «حكم الأقلية» الذى يخلق نوعاً من الضوابط والتوازنات ، فحكومة الأغلبية قد تفكر فى إبادة الأقليات ، أما حكومة الأقليات فتسعى دائماً إلى إيجاد تسويات مؤقتة وهذا هو السبب فى أن حكومة أغلبية تمثل مأزقاً وجودياً للأقلية ، وهو السبب فى أن الأقليات فى العراق وسوريا تستميت فى قتالها الآن ، لكن مبدأ حكم الأقلية انهار ولا يمكن استعادته الآن".
وقد كان هذا ايضا رأى " إدوارد لوتواك" مؤلف كتاب «الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية البيزنطية » حيث قال: " إن حدود الشرق الأوسط الحالى اصطناعية هشة رسمها الساسة الغربيون على الورق بأقلام رصاص على عجل ، والنتيجة خرائط معيبة ودول مصطنعة يصعب بقاؤها على قيد الحياة ، فليبيا تجميعة من قبائل متناحرة فى برقة وطرابلس ، وسوريا توليفة طائفية مفخّخة ، والعراق توليفة متناقضة من الأعراق ، ولم يكن لسوريا أى قيمة تحت الانتداب الفرنسى سوى أنها منطقة نفوذ لباريس فى مواجهة المحميات البريطانية من حولها ، والأردن واليمن لا يختلفان عن هذه الدول ".
ورغم ان هذه المقولات يكذبها التاريخ ، والغربيون يحاولوا ان يوهمونا بصدق وواقعية ما يقولونه وان مقولاتهم هى الحقيقه التى لا جدال فيها ، وثوابت التاريخ تكذبهم ، انهم يريدون تشويه الواقع من وراء كل هذه الافتراءات ، لكن يجب الا يغيب عنا ان كل هذه المقالات والمقولات تصب باتجاه سيكس بيكو جديده يتآمر فيها الغرب على البلاد العربيه وينظر لفكرة تفتيت الوطن العربى المفتت على انها حلول للمشكلات المزمنه التى تعانى منها الدول العربيه بوضعها الحالى ، فى حين ان هذا التنظير فى حقيقة الامر يصب بداية فى صالح الكيان الصهيونى بصفه خاصه وصالح الولايات المتحده والكيانات الغربيه بصفه عامه ويكرس للهيمنه على المنطقه العربيه بما يحقق ما جاء فى تقرير " كامبل بترمان " سنة 1907 والذى نتج عن المؤتمر الذى انعقد فى لندن بحضور كلا من انجلترا وفرنسا واسبانيا والبرتغال وبلجيكا وهولندا وايطاليا ، حيث اتفقوا على ضرورة العمل على فصل الجزء الأفريقي من الوطن العربي عن جزئها الآسيوي عن طريق إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الّذي يربط آسيا بأفريقيا ، ويربطهما معًا بالبحر المتوسط ، حيث تقوم في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس ، تكون قوة مواليه للغرب (الكيان الصهيونى ) ، وعدوة لسكان المنطقة ، ويدعم استمرار استيلاء القوى الغربيه والامريكيه على مقدرات الوطن العربى من النفط والموارد الطبيعيه الاخرى فى ظل الضعف والوهن المسيطران على الحاله العربيه .
سايكس بيكو بين الماضى والحاضر:
فى تعليق على الازمه السوريه قال "ناثان ثرول" كبير المحللين فى مجموعة الأزمات الدولية : " ليس الغريب انهيار دول الشام الآن ، بل الغريب هو عدم انهيارها طوال السنوات الماضية ، و أن حرباً إقليمية واسعة النطاق ستجعل هذا التغيير أسهل بكثير ".
وفى اعتقادى ان هذا القول به الكثير من المغالطات وانه يحاول ان يؤسس لمنطق الحروب العربيه العربيه وخراب كل ماهو عربى لانجاح مخطط تقسيم الوطن العربى الى دويلات ، وإن أسباب عدم إنهيار الشام معلوم لذوى النهى ، الا ان الكثير من العرب اليوم لا يعلمون شيئا عن سايكس بيكو التى قطعت اوصال بلادهم فى بداية القرن المنصرم ، فعندما نشبت الحرب العالمية الأولى توهم الشارع العربي إن الفرصة أصبحت سانحة للتخلص من النظام التركي الجائر بما فيه من ظلم وقمع واضطهاد ، أمتد عبر تاريخًا طويلا ، وإستبشر الكثير من العرب – كما هو اليوم - بطروحات الحرية والديموقراطية التي بشره به الغرب ، وقد أقنعوه بأنها ستتحقق فور انتهاء الحرب ، وصدق العرب حاكمين ومحكومين الخدعه الغربيه .
وفي خضم جو من الجنون الثورى العربى أعلن الشريف حسين الحرب على الأتراك متحالفًا مع الانجليز والفرنسيين ، فانضم إليه الشباب العربى الطامح الى الحريه والحياه الكريمه من كل حدب وصوب ليتشكل تحت قيادته أول لواء لجيش عربي حديث ، ولكن بتوجيهات عسكرية غربية ، ودفع الانجليز بالشريف حسين وبالجيش العربي إلى اتون المعارك ليتصدروا الصفوف الأولى ويخوضوا المعارك التي توالت من الحجاز إلى ما وراء حلب ، أي إلى الحدود التركية حاليًا ، ليتحمل اللواء العرب الكثير من التضحيات وكذلك الخسائر الفادحة في مواجهة الأتراك وحلفائهم من دول المحور ، وعندما وصلت الجيوش المنتصرة إلى الأراضي التركية توقفت الحرب ، وأخرج الحلفاء من جعبتهم اربع مخططات دنيئه للعرب ، في طليعتها تقرير «كامبل بنرمان» ، واتفاقية «سايكس بيكو»، و«سان ريمون»، و«وعد بلفور» ، ولم يجد العرب لا الحرية ولا الديمقراطية ولا الاستقلال القومي الذي تحالفوا مع الغرب من اجله ، وهكذا صحا الشريف حسين - ومعه كل العرب - من أحلام الوحدة والحرية والعدالة ليجد نفسه الفاعل الاساسى فى تحقيق المخططات الدنيئه ، لمصالح الغرب وأهدافه الإستعمارية العليا .
ووجه المفارقه بين الحدثين القديم والحديث ان المخططات الغربية الاستعمارية فى القرن الماضى ظلت طيّ الكتمان إلى أن جاء وقت تنفيذها والعمل بها ، لكن المخططات الاستعمارية الحاليه اعلن عنها بكل صراحه قبل البدء بتنفيذها ، حاملة نفس الشعارات : إرساء الديمقراطية ، وتمكين الحريات العامة لشعوب الشرق الأوسط وتطويرها اقتصاديا لتصل الى الغنى والرفاهية ، بعد إزالة الأنظمة الغير ديموقراطيه التي تمنع تقدمها ونموها ، والغريب فى الامر ان العرب من المحيط الى الخليج صدق اكثرهم ما يقال ولم يلقى احد منهم نظره الى الخلف يتجاوز بها مائة عام من الاخفاقات العربيه والخدع الغربيه التى ادت الى الكثير من الكوارث فى محيطنا العربي على امتداد قرن من الزمان ، اما وجه المقاربه بين الحدثين فأن العرب لدغا من نفس الجحر مرتين ، رغم الحديث المشهور " لا يلدغ مومن من جحر مرتين ".
تفتيت المفتت وتقسيم المقسم :
لم يسمع الكثير من العرب اليوم عن خريطة «بيترز» للشرق الأوسط الجديد ، كما لم يسمعوا ايضا بخريطة اخرى أكثر شهرة للمؤرخ الأمريكى «برنارد لويس» ، تتداولها مراكز الأبحاث وصنع القرار فى الغرب ، منذ عام 1983، وتنتشر على مواقع كثيره جدا على شبكة الانترنت ’ واشارت اليها جريدة الواشنطن بوست فى اواخر العام الفائت ، فقد بدأ لويس المفكر الأمريكى اليهودى ذو الأصول البريطانية مشروعه فى منتصف السبعينات ، وكانت خطته أقرب إلى اتفاقية «سايكس - بيكو» ، تزيل كل الحدود العربيه السياسية الحالية وتعيد رسمها من جديد ، لتضم نحو 52 دويلة صغيرة ، على أساس طائفى وعرقى ، وبرنارد لويس هذا هو المنظّر الذى ردد الرئيس الإسرائيلى شيمون بيرز، فى التسعينات مقالاته ، حيث قال: « لقد جرب العرب قيادة مصر للمنطقة لمدة نصف قرن ، فليجربوا قيادة إسرائيل إذن » - بدأ انحسار قيادة مصر للمنطقه عام 1979 بعد اتفاقية كامب ديفيد رغم محاولة المحافظه عليها كدوله محوريه - لقد تمثلت الفكرة الاساسيه فى خريطة برنارد لويس فى مركزية الدولة اليهودية ، ودور فاعل لتركيا ، وازالة ما يسمى بالقومية العربية ، وإلغاء أى دور يذكر للعرب فى منطقة الشرق الأوسط الجديد.
وتبين خريطة «لويس» إنشاء دول جديده مثل دولة البربر ودولة النوبة ودولة البوليساريو ودولة الأمازيغ ، و تقسيم ليبيا إلى ثلاث دول ، دولة شرق ليبيا ودولة الجنوب الليبى ودولة الشمال الغربى، وتقسيم السودان إلى أربع دول ، وهى دولة النوبة المتكاملة مع دولة النوبة فى الأراضى المصرية وعاصمتها أسوان، ودولة الشمال السودانى الإسلامى ودولة الجنوب السودانى المسيحى، ودولة دارفور غرب السودان، كما اقترح «لويس» تقسيم مصر لأربع دويلات ، دويلة تضم سيناء وشرق الدلتا تحت النفوذ اليهودى، ودويلة كبيرة للأقباط عاصمتها الإسكندرية ، هذه الدولة تمتد من جنوب بنى سويف حتى جنوب أسيوط ، وتتسع غرباً لتضم الفيوم وتمتد فى خط صحراوى عبر وادى النطرون حتى الإسكندرية، وستتسع لتضم أيضاً جزءاً من المنطقة الساحلية الممتدة حتى مرسى مطروح. ثم دولة النوبة المتكاملة وتضم شمال السودان ، وتبدأ من صعيد مصر حتى شمال السودان ، باسم «بلاد النوبة» بمنطقة الصحراء الكبرى ، وتكون متاخمه لدولة البربر، التى سوف تمتد من جنوب المغرب حتى البحر الأحمر ، وأخيراً دويلة « مصر الإسلامية» وعاصمتها القاهرة ، وتشمل الجزء المتبقى من مصر الحالية ، وتقضى خطة «لويس» اندثار الكيانات السياسية فى شبه الجزيرة العربيه ، وتقسيم شبه الجزيرة ومنطقة الخليج إلى ثلاث دول فقط ، دولة الإحساء الشيعية (تضم الكويت والإمارات وقطر وعُمان والبحرين) ، ودولتان سنيتان ، الأولى نجديه والثانية حجازيه ، تضم اليمن الحالى ، كما يقترح مشروع «لويس» أيضاً تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، و تقسيم سوريا لأربع دويلات ( علوية على امتداد الشاطئ، و سنية فى حلب، وأخرى سنية حول دمشق ، ودروزيه فى الجولان وجزء من لبنان وشرق الأردن) ، على أن يتم تقسيم لبنان الى كانتونات قد يصل عددها الى ثمانيه ، ودمج الأردن فيما يعتبرونه بديلا لدولة فلسطين الاصليه . 
و مع ذلك فأن غالبية العرب يسعون الان – عامدين - قدما لاذكاء النعرات الطائفيه أو المذهبيه أو الحزبيه أو الاقليميه متهمين بعضهم البعض بالعماله والخيانه وكافة التهم الرخيصه ، وكأنهم يريدون تفعيل المخطط الغربى ووضعه قيد التنفيذ ، مع أن امم الارض من حولهم تتجمع فى كيانات كبرى لترتقى بامكاناتها ولتصنع لها مكان تحت شمس الحضاره.
*مستشار بجامعة الدول العربية
maw01000@yahoo.com
إرسال تعليق