السبت، 15 فبراير 2014

الفضيلة في خطر بقلم عبد الرازق أحمد الشاعر

في عصر المهازل الدينية، استطاع حفنة من رجال الكهنوت المنحرفين أن يحولوا بيوت الرب إلى مسارح للغواية، فوقفوا يباركون الداخلين إلى ساحات الكنائس بيد، ويعبثون بالأخرى في تفاصيلهم الدقيقة، استجابة لنداءات شياطينهم الماجنة، وهكذا لم يجد الفارون بخطاياهم من دروب الذنب في ساحات الكنائس ربا، ولكنهم فوجئوا بعصبة فاسدة من أعوان أبليس يخلعون ما تبقى من عذرية دينية في صدورهم المظلمة. ولو اقتصر الأمر على بعض الحوادث الفردية لهان، لكنه وللأسف، وطبقا لتقرير أممي صادم تحول إلى ظاهرة مرعبة. 
في رسالة شديدة اللهجة موجهة إلى الفاتيكان، طالبت كريستين سانبرج البابا بالقيام بمهامه المقدسة في حماية الأطفال من تحرش القساوسة وكف أيديهم وفروجهم عنهم. وبعد شهادة تشارلز من أهلها، لم تجد الكنيسة بدا من الرد على ما جاء بتقرير لاهاي. وإن كان الرد أبلغ في الإدانة من كل الوثائق والقرائن والشهادات الحية التي جمعها الفريق الأممي من كافة أقطاب اليابسة. 
في تقريرها المرعب، تقدر كريستين رئيسة اللجنة المكلفة بمتابعة ملف الانتهاكات عدد الأطفال الذين تعرضوا للتحرش الجنسي من قبل الكهنة بعشرات الآلاف، وهو رقم يتجاوز سقوف المسموح من الصمت. عشرات الآلاف من الأطفال ذهبوا إلى الكنائس الكاثوليكية بأغشية براءة، لكنهم عادوا إلى بيوتهم ببقع من الدماء في سراويلهم الصغيرة، وذكريات ثقيلة لن تفلح الأيام في محوها أو طمس قساوتها من دفاتر ذكرياتهم البائسة. تسخر كريستين من تعلل الكنيسة بعدم وجود تشريعات تمكنها من معاقبة القساوسة البعيدين عن إحداثياتها، ومن حبس القيم الكاثوليكية في قفص الفاتيكان والسكوت عن ممارسات الكهنة المنحرفين خوفا من اهتزاز ثقة المتدينين بقساوستهم. وتدين المرأة ببالغ الحسرة تلك الضغوط التي مارستها بعض الكنائس على ضحايا التحرش للتوقف عن ملاحقة العابثين بمؤخراتهم. وتطالب الحبر الأعظم بالالتزام ببنود الاتفاقية الدولية لحماية الأطفال من التحرش. 
ربما يجد حبر الفاتيكان ما يبرئ ساحته من إثم السكوت عن جرائم تفرق إثمها على من سبقه من الباباوات، فالرجل لم يكد يكمل عامه الأول في منصبه الديني الرفيع فوق قمة الهرم الكاثوليكي بعد. كما أنه لا يستطيع وحده إصلاح ما أفسدته الحصانة الدينية في نفوس الكهنة المنحرفين. ويستطيع البابا فرانسيس أن يدافع عن "الجاماريللي" الأبيض الذي لم يتشرب عرقه بعد بأنه تجاوب منذ فترة مع توصيات اللجنة التي قامت بالتحقيق في القضية، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول توقيت هذا التقرير والغاية منه. 
وشهادة تشارلز سكيكلونا رئيس هيئة المحققين في قضايا التحرش الكهنوتي لا تدين الرجل، لأنه لم يكن قد تولى مهامة الكنسية بعد. وإدانة الكرسي الرسولي بغض الطرف عن ممارسات الكهنة الفاجرة عام 2012 لا تدنس ثوب الرجل الأبيض ولا سيرته الدينية الناصعة، فقد وقف الرجل بحزم لقضايا فساد كثيرة جعلت البعض يصوره على هيئة فرانسيسمان القادر على التحليق فوق الكل المشكلات التي تواجه الفاتيكان. بالإضافة إلى أن الرجل مشغول للغاية في استقبال اثنين وعشرين ألف عاشق وعاشقة من ثمانية وعشرين دولة توافدوا على ساحة القديس بطرسبرج للاحتفال بالفالنتين مع قداسته. 
ربما يكون التقرير الأممي محاولة جديدة لابتزاز الفاتيكان من أجل الحصول على تشريعات جديدة تتعلق بحقوق الإجهاض والشواذ، وهو ما حرض عليه المدافعون عن عفة الأطفال في لاهاي صراحة، لكن هذا لا يخفف أبدا من حجم الصاعقة النفسية التي وقعت بنفوس أحبار الكنيسة الكاثوليكية وأتباعهم في مشارق الآرض ومغاربها، وجعلت الكاثوليكيين في العالم ينظرون من طرف خفي إلى أبجدياتهم الدينية في ريبة مستحقة. 
حين يتخلى رجال الدين عن قيامهم بواجباتهم الدينية، ويشاركون السفلة من الخلق في ممارسة الرذيلة، ولا يجدون في أنفسهم حرجا من التغرير بأطفال قادهم الحظ التعس إلى أبواب الخطيئة في ساحات الرب، تغلق السماوات أبوابها، وتضيق السبل بأقدام التائبين، ولا يجد المنحلون طريقا إلى الرب ولا مسلكا إلى ملكوته في الأرض، فيكثر الفجور ويعم الكفر وتنتشر الزندقة. وحين يغض المؤمنون أطرافهم عن خطايا ترتكب في بيوت الرب خوفا من الفضيحة، فإنما يشاركون بصمتهم في اغتصاب أطفال لا حول لهم ولا نصير. أيها الجالسون فوق كراسي العقيدة النخرة، الفضيلة في خطر، ومؤخرات الأطفال خط أحمر لا يجوز الاحتفال بتجاوز قرمزيته في ساحة القديس بطرس بقلب الفاتيكان. 
*أديب مصري مقيم بالإمارات 
Shaer129@me.com
إرسال تعليق