الخميس، 2 أبريل، 2015

بلال فضل يكتب: محاكمة الضحايا


قبل أن تدخل إلى المقال، هل تسمح لي بأن أرجوك أن تترك أفكارك المسبقة خارجه، حتى لو أحببت أن تحتفظ بالحذاء؟
ثم دعني أسألك، وأسأل نفسي معك: نحن، الآن، نركب معاً سيارة بيجو سبعة راكب، يقودها سائق أرعن، إما أنه "مونون حبتين"، أو أنه غير كفء على الإطلاق، أو أنه، وهذا الأغلب، يجمع بين الونونة وانعدام الكفاءة. ولذلك، هرب الركاب من الرعب الذي خلقته قيادته الرديئة في نفوسهم، كلٌ بطريقته. هذا أخرج مصحفاً من جيبه، وبدأ يقرأ بتركيز، وتلك أخرجت الموبايل، وبدأت تلعب في زرايره، وتلك احتضنت طفلها وسلمت أمرها لله، وهذا راح في نوم عميق، وذلك انشغل بالنظر من الشباك، وهو يبسمل ويحوقل، وأنا وأنت نجلس مزنوقين في الكرسي الخلفي الحقير. في البدء، تبادلنا النظرات الغاضبة، وبدا أننا مستاءون جداً من تلك القيادة الرديئة، ونفكر في الاعتراض عليها، لكن السائق جاءه اتصال من زميلٍ، يحذره من الرادار، أو من كمين يعرف الجميع مكانه على الطريق، فدوّى صوته المزعج في فضاء العربية، منطلقا بالشتائم واللعنات وقلة الأدب، فعدنا ثانيةً، لنتبادل النظرات القلقة هذه المرة، وقرأ كل منا أفكار الآخر "ده باين عليه راجل قليل الأدب وشراني، وبما إنه ضارب حاجة.. فأكيد مش هنسلم من لسانه.. مش طالبة الواحد يتهزأ ويسمع له كلمتين.. أنا عارف هيقول إيه.. هو أنا باسوق كده عشان أمي.. مش عايزين توصلوا وتلحقوا أشغالكو.. وساعتها مافيش حد من الركاب هيفتح بُقّه ويوقف معانا.. وساعتها مش بعيد يعمل علينا دكر وينزلنا في الطريق.. حصلت مع واحد صاحبي قبل كده.. نعمل إيه طيب.. نخليها على الله وربنا يسترها".
السؤال بقى: بِعد الشر، لو وقعت للسيارة حادثة من تلك الحوادث المريعة التي تقع كل ساعة في طُرق مصر، ألسنا نتحمل جزءاً من المسؤولية عما حدث؟ ولو كنا بكل ما فينا من قوة، تكاتفنا ورفضنا تلك القيادة الرديئة، وأجبرنا السائق على أن يلم نفسه ممارسين حقوق دافعي الأجرة في قيادة آمنة، إلى أي حد كنا سنقلل من فرص "أن تعمل بنا العربية حادثة"؟ آه، هل أخذت بالك أساساً من التعبير الذي نقوله، كمصريين، في حالات كهذه "العربية عملت بيهم حادثة". كعادتنا، نلقي المسؤولية على جماد العربية، لا على قادتها المتهورين، أو عديمي الكفاءة، أو على ركابها الذين سابوا له الحبل على الغارب، أو حتى على أجهزة العربية التي أغفلنا عدم صيانتها، أو على الطرق الرديئة الخالية من الإضاءة، والمليئة بمفاجآتٍ، لا ينجيك منها إلا الله، أما نحن فلسنا مقصرين، ولا مهملين، ولا مسؤولين عما "يتعمل بينا" من فساد وظلم ونهب وتجهيل وإفقار. لأ، العربية هي التي عملت بينا الحادثة.
إذا كانت سيرة حوادث العربيات المقبضة قد أغمّتك على الصبح، فدعني أنتقل بك إلى سيرة أكثر غمّا، وتخيل، معي، أننا نعمل معاً في هيئة أو شركة أو مصلحة، ونركب معاً في أتوبيس الشركة كل يوم، عندما يقف أحد الموظفين الكبار من زملائنا ليتحدث مع السائق، ببذاءة وغلظة، ويمارس عليه الفرعنة التي بتنا نمارسها جميعا على بعضنا، من أول بائع السندوتشات في مطعم الفول الذي يكاد يفتك بك، بنظراته وهو يأخذ منك بون السندوتشات، وحتى بائع الوطن الذي يستغرب، لأنك لازلت قادراً على أن تقول "أي بيوجع". للأسف، لن يقف أحدنا ليقول "عيب مايصحش كده.. إزاي تكلمه بالطريقة دي"، لن نناصر السائق ضد الموظف الكبير الذي يمكن أن يحطنا في دماغه، سنجلس لنستمع إلى السخريات القاسية التي تنهال على السائق، وسننظر إلى زملائنا في الأتوبيس. هذا يقرأ في المصحف، وذلك يلعب في الموبايل، وذلك ينظر من الشباك، وتلك راحت في النوم. وسنكتفي، أنا وأنت، كعادتنا، بتبادل نظرات الاستياء، ويقرأ كل منا أفكار الآخر "وأنا إيه اللي يدخلني يا عم ما بين الناس دي.. هاخد لي كلمتين.. خليني ساكت.. يصطفوا مع بعض.. المهم نوصل في معادنا.. وبعدين هو السواق، لو كان عنده كرامة، ما كانش يسيبه يكلمه كده.. حاجة تقرف.. نعمل إيه طيب.. نخليها على الله وربنا يسترها"، ثم نفيق جميعا على الواقعة، وهي تقع على رؤوسنا، حين ينفجر السائق، ويطيح فينا قتلا. 
سأقولها معك: اللهم الطف بنا في ما جرت به المقادير، لكنني سأذكرك بالحقيقة المرة: للأسف، أنا وأنت، كشأن كل المصريين، نتكلم في الدين طول الوقت، نحب كثيرا الأحاديث التي تتكلم عن الحجاب والأذكار وموجبات الكفر وتحريم الغناء وعذاب القبر، لكننا لا نفضل الآيات والأحاديث التي تتحدث، مثلاً، عن إعمال العقل وطلب العلم وفضيلة الحرية، أو عن الناس الذين إذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده. ولذلك، نحن نصمت دائما على كل ما يحدث في سيارة الوطن التي نركبها من أخطاء، سواء كانت من السائق أو من الركاب الأعلى صوتاً. كل ذلك على أمل أن نصل في موعدنا، قائلين "هنعمل إيه طيب.. نخليها على الله، وربنا يسترها.. المهم نوصل". وللأسف، في النهاية لا نصل أبدا. 
(نشرت هذه السطور في عمود اصطباحة في "المصري اليوم" بتاريخ 17 يوليو/تموز 2010، ولعلك تتفق معي في أنها لا تزال صالحة للنشر).
*المصدر «العربي الجديد»
إرسال تعليق