الثلاثاء، 21 أبريل، 2015

زهير كمال يكتب: حول الموقف من إيران

في مقال هام للأستاذ محمد سيف الدولة بعنوان عرب وإيرانيون وبعض التعليقات الواردة عليه أود إيراد النقاط التالية علها تلقي بعض الضوء على هذه العلاقة المتشابكة بين العرب وإيران والتي تنعكس أو يتم عكسها على المذهبين السني والشيعي.
1. في التاريخ القديم عاشت الدولة الفاطمية لمدة 250 عاماً على معظم أراضي الوطن العربي وكانت عاصمتها القاهرة ، والمعروف أن هذه الدولة كانت دولة شيعية ، مع أسفي الشديد على استعمال هذا الوصف الذي لم يستعمله سوى مثقفينا في العصر الحاضر ، كان يمكن للمجتمع العربي السني أن يتشيع في هذه المدة الطويلة من الزمن ، أليس الناس على دين ملوكهم ؟ ألم يكن الأولى بأهل مصر السنة ومركز صنع القرار في عاصمتهم أن يفعلوها . لم يحدث هذا والدليل أنه في الوقت الحاضر يدين جميع الشعب المصري بالمذهب السني .
ولن نستطيع وصف حكام ذلك الزمن بأنهم ديمقراطيون وأنهم يؤمنون بحرية الرأي والمعتقد. ولكن لأنهم ببساطة شديدة لم يكونوا يشعرون بأي فرق بين المذهبين .
وعلينا أن نسجل هنا أنهم لم يكونوا يدينون بالتبعية للدول الكبرى في ذلك الزمن ، فهم دولة كبرى ويشعرون بالعظمة وليس مثل الفئران المذعورة، كما في يومنا هذا، والتي ترتمي في أحضان الأجنبي وتستمد حمايتها منه.
2. قبل قيام الثورة الإيرانية احتل شاه إيران ( الشيعي) سلطنة عمان وسيطر على مضيق هرمز من الجانبين ، هذا المضيق الذي تمر منه معظم الصادرات النفطية وتقوم أساطيل العالم المختلفة بحمايته وضمان بقائه مفتوحاً، كان هدف الشاه القضاء على ثورة أهل ظفار ( السنة). يومها لم يعترض النظام السعودي وشيوخ الخليج وسلطان عمان على قتل الشيعة للسنة في عمان ، يومها لم يهدد أحد بالويل والثبور وعظائم الأمور لتلك الفعلة الشنيعة ، ولم يتباكَ أحد على المذهب السني الذي يضيع على أيدي الشيعة. فلماذا لم ينظر أحد الى هذه الفروقات المذهبية قبل نصف قرن ؟ أليس واضحاً أن ولي أمر الطرفين كان واحداً وليس من مصلحته إثارة هذه النقطة التي تعصف بعالمنا العربي؟
3. بعد قيام الثورة الإيرانية ظهر في العالم الإسلامي طراز جديد من الحكام ، يجلسون على الأرض في بيوت متواضعة ويتناولون الخبز وبعض حبات التمر مع اللبن ، يعطون مثلاً مغايراً للأبهة والفخامة والبذخ عمن يتناولون طعاماً مثل ألسنة بعض أنواع العصافير القادم من باريس بطائرات خاصة. وكان لابد من القضاء على هذا المثل المنبه للشعوب العربية الغافلة التي تؤمن بأن الله قد قسم لها رزقها وأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يقف فيها النظام السعودي ضد ثورات الشعوب فمنذ الخمسينات من القرن الماضي وقفوا ضد الثورة المصرية وحاولوا اغتيال قائدها واستمر هذا النهج حتى يومنا هذا، فهي مسألة مبدأ لا يحيدون عنه.
4. تلاقت مصالح صدام حسين الذي وقع اتفاقية مذلة مع شاه إيران في الجزائر مع مصالح النظام السعودي وتم شن حرب ضد الثورة الإيرانية الوليدة مات فيها مليون شاب من الطرفين واستمرت ثماني سنوات وتم ضرب صواريخ على سكان طهران، اضطرت الخميني الى الاعتراف بالهزيمة. في نفس الوقت الذي استقبل فيه السادات شاه إيران السابق واحتضنه بعد أن لفظته كافة دول العالم بما فيها السيد الأمريكي.
5. ما يعنينا من هذا السرد التاريخي هو إبراز الحالة النفسية التي وصل اليها الشعب الإيراني وهو يرى العرب يقومون بكل ما يستطيعون فعله ضده من أعمال تقتيل وتآمر وإذلال ، ألا يشبه هذا حالة الشعب المصري بعد نكسة 1967 وهم يرون دولة صغيرة مثل إسرائيل تهزم دولتهم وهم يعدون عدة أضعاف سكان إسرائيل. يومها عبر الخميني عن حالة شعبه قائلاً إنه تجرع السم ، بينما عبر عبد الناصر عن ذلك بتقديم استقالته الى شعبه. طبعاً مضى زمن طويل على شعوبنا العربية لم تر فيه زعماء يشعرون بشعوبهم ويعبرون عنها.
ومن الجدير بالذكر أن حرب الخليج الأولى كانت بداية الحملة العنصرية ضد شعب إيران ، وصلت الى حد تكفيره بعد أن أطلق صدام اسم القادسية على حربه ضدهم. وهناك صفة تمتاز بها كافة شعوب الأرض وهي التعميم فما يفعله الزعيم ينطبق على شعبه كله حتى ولو كان هذا الزعيم مفروضاً بالقوة .
6. هذه الحالة النفسية التي يصل اليها شعب من الشعوب هي الدافع له لكي ينهض من كبوته وسباته ، وقد استطاع شباب مصر الانتصار في حرب أكتوبر المجيدة ، أما إيران فقد أطلقت أقماراً صناعية الى الفضاء الخارجي ، بينما نجد أن الملك السعودي يذهب الى العلاج في الخارج. وهذا مثل على حالة الأمم التي لا تتقدم الى الأمام.
ويرجع ذلك الى علة واحدة تسري على كل الدول العربية وهي نظام الحكم غير المناسب للعصر الحالي ، إن لم يكن غير مناسب أساساً لأي عصر. فشعوبنا حباها الله الذكاء والفطنة والقدرة على تحمل الصعاب وحل مشاكل عصرها إن منحت الفرصة ، الأمر الذي لم يحدث حتى تاريخنا هذا.
7. من المعروف علمياً أن الطبيعة لا تقبل الفراغ وينطبق هذا على النفوذ والقوة أيضاً وفي الحالة العربية الراهنة ، نجد كلاً من إيران وتركيا تحاول ملء الفراغ الموجود في المنطقة ، فهل نلوم إيران أو تركيا على ما تفعلانه أم نلوم أنفسنا؟ لم يستطع النظام السعودي ملء الفراغ الناتج عن تخلي مصر عن دورها الإقليمي والدولي، فالمال وحده لا يشتري النفوذ ناهيك عن استقلال القرار والتمثيل الحقيقي للشعب ولكافة شعوب المنطقة.
8. كانت المحاولة الأولى للشعوب العربية للخلاص من حالة الجمود التي فرضت عليها لمدة طويلة ما عرف بثورات الربيع العربي التي فشلت في معظمها نتيجة الضعف الشديد الذي أصاب الطبقات الوسطى في معظم البلاد العربية ، ضمن هذه المحاولات الأولى كانت الثورة السورية التي أيدها الجميع في بدايتها. لم يع قادة الثورة ومفكروها ولم يحللوا أوضاع المنطقة والمحاذير الكثيرة التي تصاحب ثورة شعبية في منطقة ملتهبة وكان أولى بهم أن يحافظوا على سلمية الثورة مهما كانت الظروف والتضحيات، كما هي حالة تونس ومصر التي نجح فيها الشعبان في إزاحة رأس السلطة ، ولكن هؤلاء المفكرين استسهلوا الحل فبدأ العنف. واليوم حين نلخص الوضع بسؤال نقول:
ما هذه الثورة التي يمولها النظام السعودي ويقوم بتدريب أفرادها المخابرات الأمريكية والأردنية ويقوم بعلاج جرحاها الكيان الإسرائيلي؟
9. في نقاط الخلاف مع إيران حول الجزر الثلاث المحتلة في الخليج ، علينا أن نعمم المسألة فالجزر الثلاث هي جزء من وضع عام في العالم العربي الذي تطير أطرافه بسبب الضعف العربي، سبتة ومليلة والجزر المغربية، ولواء الاسكندرون الذي تحتله تركيا، والأحواز الذي تحتله إيران .
وقد يحلم ملك المغرب باسترجاع المسروقات الى ملكه السعيد ، غير أن الأمر لا يتعدى الحلم المجرد ، ولكن شيوخ الخليج يستعملون الموضوع للتجارة وكسب المال. فمنذ الحظر الغربي المفروض على إيران كانت دبي متنفس إيران المالي على العالم الخارجي ، وخشية التجار أن تنقل إيران تعاملاتها الى مراكز مالية أخرى في آسيا مثل هونج كونج أو سنغافورة تجعلهم يغضون الطرف عن أمر صغير مثل احتلالها لبعض الجزر الصغيرة. ولكن للأمانة يقوم إعلامهم بتذكيرنا بالواقعة التي مر عليها ردح من الزمن كلما احتاج الأمر.
10. بالنسبة لموضوع إيران وتصدير المذهب الشيعي الذي يخيف مثقفينا، يخطر على البال سؤال افتراضي وهو ما الذي يحدث لو تحول أهل السنة الي المذهب الشيعي أو العكس؟
لن يتغير شيء من واقع هذه الشعوب فالمسألة الخلافية بين المذهبين هي مسألة تاريخية لا علاقة لها بحاضرنا المعاش. كما أن التاريخ نفسه لن يتغير ولعل المذهب الزيدي في اليمن هو الحل الوسط بين السنة والاثنا عشرية فهم يحترمون صحابة رسول الله وزوجاته ولهذا لم نجد أية مشكلة مذهبية عبر العصور في اليمن السعيد والمظلوم. ولم أجد أسخف من اتهام إيران بهذا الموضوع ، إذ لم يستطع الحكام الفاطميون عبر 250 عاماً تحويل السنة فما الذي يستطيع بعض الدعاة إضافته؟
11. إن موقف المثقفين من القضية الفلسطينية ووجود إسرائيل كجسم سرطاني هو المعيار الحقيقي وهو البوصلة، ولن نتطرق الى موقف الدول من هذا الموضوع فهو معروف للجميع. ولكن دعونا نتخيل منطقة الشرق الأوسط بدون حركات المقاومة كما يريدها النظام السعودي وباقي الأنظمة العربية ، فما مبلغ الإحباط والخذلان واليأس التي ستشعر بها شعوبنا ؟ 
يقول أهلنا في الجزائر : لا يبق في الواد إلا الحجارة .
أما مظفر النواب ( الشيعي) فيقول:
يا حامل مشكاة الغيب بظلمة عينيك ترنم بلغة القرآن فروحي عربية
إرسال تعليق