السبت، 25 أبريل، 2015

وائل قنديل يكتب: من الذي لم تخدعه فاطمة؟

تذكّرك قصة الفتاة التي استخدمتها قوات الأمن المصرية لاصطياد التيار الرافض للانقلاب إعلاميا، بقصة ما اشتهر بلقب "مسحول أحداث قصر الاتحادية"، وهو مواطن، بثت قنوات التلفزيون المصرية وقائع تعرّيه على الهواء مباشرة، لتستخدم القصة ضد الرئيس محمد مرسي وحكومته، ليتبين، فيما بعد، أنه تعرى، ذاتيا، لصناعة تلك اللقطة، التي استثمرها الذاهبون للانقلاب على مرسي، على أوسع نطاق، حتى أن بعضهم أراد اعتماده "أيقونة ثورية جديدة"، كما كان الشاب خالد سعيد شهيد الشرطة وأيقونة ثورة يناير 2011.
قصة "حمادة" مسحول الاتحادية، تكررت مع "فاطمة" التي مثلت دور "المغتصبة" في أحد أقسام الشرطة، واستغاثتها على شاشات فضائيات مناهضة للانقلاب، ثم فاجأت الجميع بظهورها، على فضائيات الانقلاب، باعتبارها "إخوانية تائبة"، ولم يغتصبها أحد من رجال الشرطة، وأن "الإخوان" كلفوها بادعاء هذه الحكاية.
الفارق بين مدعي السحل ومدعية الاغتصاب أن حكاية الأول شاهدها ملايين على الهواء مباشرة، في كل القنوات تقريبا، وبإخراج تلفزيوني واحد، مع الإلحاح الشديد على تكرار إذاعة المشاهد، حتى نجحت "الحملة" في إثارة مشاعر الغضب ضد سلطة تعري المعارضين وتنكل بهم.
وأذكر أني، في تلك الليلة البائسة، كتبت على موقع "تويتر" أنه لو طلع النهار على وزير الداخلية، وهو في منصبه، فهذا يعني سقوط الشرعية الأخلاقية لهذا النظام. وفيما بعد، اتضح أن "حمادة" ممن يتم استئجارهم في وقفات "أنصار مبارك"، ولاحقا في "حملة عمر سليمان"، ثم في "حملة أحمد شفيق".
وكتبت وقتها "وكأن وزير الداخلية الجديد صعب عليه أن يرى سماسرة الغضب وتجار الدم عرايا من أي منطق سياسي أو أخلاقي، فقرر أن يهديهم قبلة الحياة، ويلقي إليهم بطوق النجاة ليتحولوا، في لحظةٍ، من متهمين بالضلوع في مهزلة سياسية إلى فرسان للحرية وحقوق الإنسان".
إن واقعة تعرية وسحل المواطن حمادة صابر عند قصر الاتحادية، أمس الأول، سترت عورة أولئك المنهزمين سياسياً وقيمياً، وأحيتهم من العدم، وبعد أن كانوا يبحثون عن مكان يتوارون فيه عن الأنظار، بعد أن شاهد العالم كيف جرى ابتذال الثورة والهبوط بمستوى الغضب الشعبي إلى ممارسات مخجلة، تحت قيادتهم ــ وإن زعموا أن لا سيطرة لهم على الشارع ــ ها هم يتلقفون الهدية، ويعودون في مسوح الكهنة والوعاظ والزعماء الكبار، مرة أخرى.
أما في موضوع الفتاة المغتصبة، فكان قصة فقيرة دراميا، لآخر مدى، إذ اعتمدت الرواية على اتصال هاتفي من فتاة تحكي أشياء لا يصدقها عقل عن اغتصاب الضابط ومساعديه لها، وفور إذاعتها، كانت مساحات عدم التصديق تتفوق بالتسليم بما قالته، بل إن كثيرين حذروا من فخ تنصبه السلطة لمعارضيها باستخدام الفتاة، وهو ما ثبت صحته الآن.
وتفتح واقعة هذه الفتاة، من جديد، ملفا شديد الأهمية، يختص بالإعلام المناهض للانقلاب، الذي يبدو لي، في أحيان كثيرة، غير مكترث بالمسألة المهنية، قدر اهتمامه بالحشد والتعبئة والشحن، بأية وسيلة، غير منتبه إلى أنه كثيراً ما ينتج خطابا زاعقا، ومبالغا في الصراخ، بما يبعده عن الموضوعية أحيانا.
وقد حذرت مبكراً من خطورة الاستسلام لمحاولات سلطة الانقلاب وإعلامها، لاستدراج المعارضين للرد على بذاءة الفعل الانقلابي، بأقوال ومفردات فيها شيء من الإسفاف والبذاءة أحيانا.
وأزعم أن الوقوع في كمين "فتاة الاغتصاب" ما كان ليحدث، لو أنه تم الاهتمام بالحد الأدنى من الضوابط والمعايير المهنية، في معالجة القصة الخبرية، بحيث يتم تدقيق الرواية واختبار صدقيتها من وجوه وزوايا مختلفة، قبل عرضها على الجمهور، تلافياً لمصيرٍ كالذي نحن بصدده الآن، وهي طريقة قديمة وتقليدية، تتبعها السلطات القمعية المستبدة، على مر العصور لتوريط معارضيها في أخطاء وخطايا مهنية من هذا النوع.
مرة أخرى: المهنية ثورة، والموضوعية سلاح لا ينبغي التفريط به، مع شديد التقدير لأصحاب النيات الطيبة.

إرسال تعليق