الخميس، 28 مارس 2013

فـى بــلــد اللــحـى..قصة قصيرة يقلم حسام عادل



- (1) -

فى حارتنا الصغيرة يسكن العشرات من الناس بمختلف ألوانهم وطباعهم....لا يشبه أحد منهم الآخر , فكل منهم له شخصيته وصفاته التى أعرفها جيدا بحكم عملى...ورغم هذا الاختلاف إلا أنهم يشتركون فى صفة واحدة....جميعهم بلا استثناء زبائن لمتجرى الصغير....وهذا المتجر إن لم تكن تعرفه , هو متجر صغير أبيع فيه المسابح وسجاجيد الصلاة والمصاحف والجلابيب و.....واللحى

.

- (2) -

نعم...ففى نهاية المتجر أحتفظ بهذا الدولاب الكبير الذى يحوى مئات اللحى بمختلف ألوانها وأشكالها وحتى أطوالها....يكفى أن يختار الزبون اللحية التى تتلائم مع وجهه ولون بشرته حتى يؤجرها منى لمدة معينة وبسعر محدد يناسب اللحية التى اختارها , أو قد يشتريها لتكون ملكه دائما فيرتديها ويخلعها متى يحب...وسواء هذا أو ذاك يكون السعر بسيط للغاية , لا يقارن مع الفائدة التى تعود عليه من اللحية التى سيرتديها....وتلك الفائدة تختلف دوما من شخص لآخر وأيضا من غرض لآخر...فمن الناس من يريد اللحية لأنه سيتقدم لوظيفة فى شركة إسلامية جديدة من التى بدأت تنتشر بقوة فى بلدنا , أو مثلا لأن عريسا سيتقدم لابنته ويريد اقناعه بالعائلة المسلمة التقية التى سيخطب منها , أو ربما يريد أن يلتحق بإحدى المناصب الهامة فى حكومتنا الإسلامية الجديدة والتى تشترط شكلا لموظفيها لا يجب تغييره مهما حدث...وغير ذلك الكثير والكثير من الفوائد التى يكون مفتاحها دوما اللحية.



- (3) -

بالطبع لا يتعامل الجميع معى فى هذه التجارة...فمازال هناك الكثير من المسلمين الحقيقيين فى كل أنحاء البلد والذين أطلقوا لحاههم سنة عن النبى الكريم (صلى الله عليه وسلم) وليس رياءا وخداعا كما يقولون عن زبائنى...وهؤلاء يمقتوننى بشكل لا يوصف ويدعون أنى شيطانا أعلم الناس النفاق والخداع....وأنا حقيقة لا أعلم سر غضبتهم تلك , فليس معنى أنى أبيع الناس شيئا أنى بهذا مقتنعا ببضاعتى التى أتاجر بها....مثلى مثل مندوب المبيعات الذى يروج لمنتجاته وهو أصلا غير راضى عنها...هذا هو عملنا الذى لم نختره فلا تحاسبونا من فضلكم...ألا يكفى أننا اضطرننا لهذا العمل أصلا بعد أن وصلت الجماعات الإسلامية إلى حكم البلد وفرضت على المواطنين النقاب والجلابيب البيضاء القصيرة وإطالة اللحى بالأمر؟....أم كنتم تريدون أن نكون مثل جماعة (الفاسقون)؟...تلك الجماعة التى ضربت بأوامر الحكومة الجديدة عرض الحائط وظلوا كما كانوا دوما فى السابق أشخاصا طبيعيين يلبسون ملابسهم القديمة ويمارسون حياتهم العادية التى اعتبرتها الحكومة فسقا ومجونا لا ترض به أبدا...فقط حين فعلوا هذا أسقطتهم الحكومة تماما من حساباتها , ولم تعد تعتمد لهم معاشا ولا تأمينا صحيا ولا أى خدمة أخرى من التى توفرها لمواطنيها الباقين , عقابا لهم على تمردهم هذا....ولم يتوقف الأمر عند ذلك فحسب بل أغلقت كل المصالح فى وجوههم وطردت معظمهم من أعمالهم ليتولاها غيرهم ممن ترضى عنهم الحكومة...بل ووصل الأمر إلى أنه لم يعد أحد يتزوج بناتهم ولا يرضى بأبنائهم زوجا أبدا خشية ما يمكن أن تفعله بهم الحكومة إن ارتبط مصيرهم بمصير أحد منهم....باختصار أصبح (الفاسقون) - كما تسميهم الحكومة - منبوذين تماما فى بلدهم دون ذنب جنوه.

أما من تبقى منهم والذين استمروا فى أعمالهم بمعجزة ما , فتكفل الناس بنبذهم أكثر بتجاهلهم التام وكأن لا وجود لهم من الأساس , بعد أن أصبح كل مواطن يخشى التعامل أو مجرد الحديث معهم حتى لا تعتبره الحكومة ضمنهم فيناله ما نالهم .

وكان من تلك الفئة الأخيرة أخى (سعيد) الذى يسكن بجوارى فى نفس الحارة , ولكن شتان بين تعامل الناس معى وتعاملهم معه....فالمسكين قد أصبح منبوذا ومكروها تماما من كل أهل الحارة ومجبرا على التعامل هو وطفلته الوحيدة مع أشخاص يراهم يخشون منه ويخافونه وكأنه الطاعون....حتى الطعام والشراب أحضرهم إليه سرا فى ظلمة الليل حتى لا يراه أحد , أو بالأحرى يرانى أنا فينشرون الخبر بينهم وعندها تكسد بضاعتى ويقاطعنى الناس مثله.



- (4) -

إن (سعيد) يحبنى لأنى أخيه الوحيد ولكن صورتى أمامه لا تتغير....مجرد شيطان يمشى على قدمين يبث فى الناس السموم والنفاق والخداع...لا أتذكر مرة أنه ألقى التحية علي...دائما ما يبدأ يومه بأن يغادر المنزل متجها إلى أول الشارع ليوصل ابنته إلى مدرستها قبل الذهاب إلى عمله...يكفيه فحسب تلك النظرة الصامتة السريعة المعتادة التى يلقيها على كل يوم وهو يعبر أمامى قبل أن يدير وجهه ويسير هو وطفلته فى صمت....نظرته تلك تحمل مئات الكلمات والمشاعر , ولكنه أبدا لا يجرؤ على البوح بها حفاظا على نفسى قبل كل شىء....ولكنى أمامها لا أملك سوى أن أطرق بوجهى أرضا فى خجل من تلك الجريمة التى أرتكبها فى إصرار شديد يوما بعد يوم , قبل أن أتناسى الأمر مؤقتا لأعود إلى عملى وزبائنى...أنا أعرف مصيره جيدا وأعرف أن الأسوأ بينه وبين الحكومة قادم لا محالة , ولكن ماذا بيدى لأفعله؟...هو فى نظرهم عم (سعيد) الموظف الكهل والفاسق عدو الدين وعدو أولى الأمر من الحكومة...أما أنا فالمسلم التقى وبركة الحارة عم (إسماعيل)....بائع اللحى .

* * * * * * * * * * * * * * * * * * *

- (1) -

لم أقدر أبدا أن أكره أخى (إسماعيل)....رغم ريائه ونفاقه وإدعائه التقوى والورع , لكنى لم أقدر لحظة على كراهيته....لقد تغير جلده بالكامل مع الظروف التى مرت بها البلد , ونجح أن يركب الموجة كما يقولون ليزيد ربحه من هوجة التدين المزيف التى انتابت الناس , ولكن رغم كل هذا لم تزل هناك في نفسه بقايا من عناد قديم وحرية لم تضيعها الحكومة بأوامرها وتعنتها....أرى هذا من شرفة دارى كل يوم حين نسمع أذان الصلاة فينتشر رجال الحكومة لإغلاق المتاجر حتى يصلى أصحابها....حينها أراه يطفىء أضواء متجره ويدخل إليه ليقبع منتظرا انتهاء الصلاة...إنه لا يصلى فقط لأنه لا يريد تنفيذ أوامر الحكومة حتى وهو بهذا يعاند نفسه ويعصى الله سبحانه وتعالى...وبعد كل هذا يستغرب إصرارى على موقفى واعتراضى مثل غيرى على أوامر الحكومة العجيبة وتعنتها مع المواطنين بشكل لا يرض الله أبدا....إننا لا نقبل أن يفرض علينا شيئا بالقوة , فما بالك بشىء شديد الحساسية كهذا؟...ألا يعلمون أن هذه علاقة بين الله وعباده لا يحق لأحد أبدا أن يتدخل فيها؟...من نصبهم وسطاء أو باباوات بيننا وبين إلهنا العليم بنا وبقلوبنا؟....ثم ماذا يعنى أن تكون بزى معين أو أن تكون لحيتك طويلة بعض الشىء؟....أهكذا فقط تكون مسلما وتستحق أن تحمل تلك الصفة؟...هكذا فقط يقبلك الناس بينهم وإلا فلا؟...أى سخف هذا.

ولكن دون أن أدرى تغير كل شىء من حولى تماما وانقلبت حياتى رأسا على عقب فى ذلك اليوم الذى لن أنساه أبدا ما حييت.



- (2) -

بدأ الأمر بعد وصولى بدقائق إلى المكان الذى أعمل فيه , وبعد أن انتهت الإجراءات المعتادة فى معاملتى باحتقار والتى أصبحت شبه رسمية فى هذا المكان...فمن نظرات البواب المقيتة حين مررت به إلى زملائى أنفسهم الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء رد تحيتى عليهم وكأن ليس لى وجود من الأصل....وحتى مديرى فى النهاية الذى واصل إهانتى وتقريعى مجددا لتأخرى عن العمل رغم وصولى فى ميعادى بالضبط , قبل أن يختم كلامه بخصم يومين من مرتبى لأتذكر أن أستيقظ مبكرا فى الغد...وأخيرا ما أن كدت أستقر فى مقعدى وأبدأ فى العمل حتى دق جرس الهاتف بجوارى ليأتينى صوت مدير المدرسة يخبرنى أن ابنتى تم نقلها للمستشفى العام بعد أن فاجأها ألم شديد لم تتحمله ولم يعرفوا له سببا.

نهضت كالملسوع من مكانى لأغادر المكان بسرعة غير عابىء بشىء من حولى....وحين وصلت للمستشفى طالعنى الطبيب المعالج بنظرة قرف بالغة - بعد أن رأى ملابسى المغايرة وعرف لأى جماعة أنتمى- وهو يخبرنى بمنتهى البرود أن ابنتى تحتاج إلى عملية لإستئصال الزائدة منها , وهى عملية لا تحتمل التأخير وينبغى أن أجريها لها فورا.

حاولت أن أفهمه أن حالتى المادية لا تسمح بأن أجريها فى مستشفى خاص وأنه لا مفر من إجرائها هنا فى المستشفى الحكومى....حينها زاد الضيق على وجهه وهو يخبرنى بنفس اللهجة الباردة أن الطابور أمامى طويل حتى يأتى الدور على ابنتى...أتريد الانتظار؟...انتظر كما تحب , ولكن بعد إذنك قليلا...التالى.

وفى لمح البصر تهللت أساريره وهو يطالع هذا التالى والذى كان رجلا وقورا قوى الجسم وله هيبة مميزة رغم ملابسه المعتادة التى أصبحت سمة مميزة فى أغلب المواطنين , ولكن زاد عليها هذا الشماغ الفاخر الذى انسدل على رأسه والذى دل على أنه أحد أعضاء الحكومة ذوى المناصب الهامة....انشرح الطبيب للغاية وهو يحدث هذا الرجل بمنتهى التواضع وكأن أحدا غيره كان يحدثنى منذ قليل وليس هو أبدا , بعد أن اختفت نظرة التقزز من عينيه وتلاشت ابتسامة التعالى والبرود من شفتيه لتحل ابتسامة التزلف والتذلل مكانها.

ولعشر دقائق ظل الطبيب يشرح لهذا الرجل حالة ابنة شقيقته التى كانت تجرى عملية على نفقة الدولة لتجميل أنفها وأنه بنفسه يتابع حالتها يوما بعد يوم إكراما لخاطره و...

وعندها كان الوضع قد أصبح لا يمكن السكوت عنه أكثر من هذا...وجدت نفسى أنفجر فيه وأثور وأرغى وأزبد , مهددا باللجوء لأعلى السلطات...ولكن يبدو أنى نفسى لم أقتنع بما أقول فانعكس هذا على صوتى المرتجف الذى حاول التماسك أمامه , وعليه بالتالى وهو ينظر إلى فى استخفاف شديد مطالبا إياى أن أخفض صوتى لأن هذه مستشفى وليس حظيرة.

بصعوبة شديدة سحبنى الممرضون من أمامه قبل أن أفتك به حتما...وأقنعونى أنه ليس أمامى فرصة معه خاصة وأنا من تلك الجماعة المحظورة التى يعرف الجميع أنه لا صوت لها فى بلدنا وليس لها تأمين صحى أصلا....إذن أنا أطالب بخدمة لا يحق لمن مثلى أن يطلبها...كل ما يمكنهم تقديمه لى ولخاطر تلك الطفلة المسكينة هو أن يبقوها فى المستشفى لرعايتها لليلة واحدة فحسب حتى أقرر ما سأفعله بالضبط , وهذا أقصى ما يمكن أن أناله هنا....فلا ينبغى أن أطمع فى المزيد.



- (3) -

إذن لا يوجد حل سوى إما أن أوفر المال لأجرى العملية فى مستشفى خاص حتى أرحم طفلتى من هذا الألم الذى لا يحتمل , أو أن أجد شخصا له علاقات قوية ونفوذ يكفى لتقديم دور ابنتى للأمام وجعل الطبيب يجرى لها العملية بأسرع وقت ممكن.

لم أجد أمامى إلا هذا الحل الأخير...فبالطبع لم تكن نية السرقة متوفرة لدى ولن يكفى بيتى بكل ما يحويه لسداد ربع المبلغ الذى سيطلبه المستشفى الخاص.....لذا ليس أمامى سوى أن أجد هذا الشخص الى تتوافر فيه تلك الثفات....شخص مثل الطبيب ومثل باقى الناس فى البلد , يقول جزاك الله خيرا وبارك الله فيك ويكفى زيه وهيئته والأثر الضخم الذى يزين جبهته من كثرة السجود لتنفتح أمامه الأبواب المغلقة....يا إلهى...أين سأجد هذا الشخص والكل يكرهنى هكذا؟.



- (4) -

سرت فى الطرقات مكتئبا وشاردا أبحث فى وجوه البشر عن هذا الشخص المجهول حتى قادتنى قدماى لبيتى حينها رأيته ساهرا فى متجره...(اسماعيل) أخى...نعم هو الأصلح لهذه المهمة...حتما يعرف شخصا أو اثنين ممن لهم سلطة قوية ونفوذا يحققان ما أتمناه لابنتى...يارب يا كريم.

دخلت متجره لأول مرة منذ أن افتتحه , ودون مقدمات شرحت له كل شىء والدموع تنهمر من عينيى كالمطر , فرق (إسماعيل) لحالى وقرر أن يساعدنى بأى ثمن....كاد يوافق على طلبى ويأتى معى فى البداية حتى ينهى الأمر بنفسه , ولكنه وجد شيئا أفضل لفعله ويحقق لى الفائدة من كل الجهات...شيئا سيعطيه لى مجانا لأنى أخوه الوحيد ويعلم ظروفى جيدا.

غاب قليلا فى الداخل قبل أن يخرج حاملا تلك اللحية الطويلة فى يد , وفى الأخرى أفضل جلباب عنده مع تلك الزجاجة الصغيرة من المسك...فى البداية استنكرت بشدة أن أخالف ضميرى ومبادئى لكنى بعد برهة ترددت ثم ضعفت وفى النهاية تخاذلت وقبلت.



- (5) -

وفى غضون أسبوع واحد أجرت طفلتى العملية بنجاح تام , وتجاوزت الخطر لتعود وتمارس حياتها الطبيعية....

أما أنا فتغيرت حياتى إلى النقيض تماما....أصبحت الشيخ (سعيد) المعروف عنه تقواه وورعه , وأصبح الجميع فى كل مكان يحبنى ويحترمنى كثيرا...وحتى يومنا هذا لم أخلع الجلباب ولا اللحية التى أخذتهما من (إسماعيل) , وظللت أحافظ عليهما بحياتى...

فهما الآن يمثلان حجمى ومكانتى التى أستحقها...

فى بلد اللحى .

ليست هناك تعليقات: