الاثنين، 18 مارس 2013

خلاف غير كاردينالي ...عبد الرازق أحمد الشاعر



مع وجبة الصباح، اضطر الكاردينال مازارين أن يزدرد خبرا غير سار عن خلاف نشب بين سيدتين من نساء قصر الملك. استمع الرجل إلى بصاص القصر يحكي بالتفصيل غير الممل كيف أن إحداهما انهالت على الأخرى لكما وركلا بعدما صفعتها الأخرى صفعة منتقم. ناهيك عما فاضت به قرائحهما من سباب ولعان وكشف للمستور وفضح للمعايب. وكتم الرجل ضحكته وهو يصف كيف كان رجال القصر يتقافزون كالسناجب من أمامهن حتى لا يصيبهم من غضب النسوة قرح. وام ينس نافخ الكير وهو يسرد كل ذلك أن يزم شفتيه بين كل عبارتين كمن يلقي خطابا سياسيا هاما على نفر من العوام.
وحين انتهى الرجل من حكايته، سأله الكاردينال: "هل تصايحتا؟" قال الرجل: نعم." "وهل تشاتمتا؟". "أقول لك لم تدعا في قاموس الشتائم لفظة إلا علكتاها." "وهل تحفظ شيئا مما جرى على لسانيهما؟" عندها نظر الرجل شزرا للكاردينال وظن به السوء، لكنه سرح بخياله لحظات قبل أن ينطلق كمذيع يقدم وصفا تفصيليا لأحداث مباراة تبث عبر المذياع. ولم ينظر الكاردينال استحياء في عيني الرجل حتى انتهي من سرده. بعدها رفع حاجبيه ليسأله: "وهل وصفت إحداهما الأخرى بالدمامة؟" قال الرجل: "لا يا سيدي." عندها قال مازارين واثقا: "لن يكون من الصعب الإصلاح بينهما إذن."
لكن كيف يصلح العطار ما أفسد الدهر بين حكومتنا ومعارضيها أيها المازارين الحكيم؟ من يستطيع أن يجمعهما على طاولة واحدة وقد قال كل حزب في غريمه ما قال مالك في الخمر؟ صحيح أن أحدا من الفريقين لم يتهم صاحبه بالقبح، لكنهما فعلا ما هو أقبح سيدي. إذ لم يأل أحدهما جهدا في تشويه صاحبه والتشكيك في ولائه والنيل من وطنيته. فإن كان القبح هو حد اللاعودة عند النساء، فلأي شيئ - غير الشرف - يحتد الرجال يا ترى؟ 
يقول المحللون أن الخلاف بينهما خلاف منهجي، وهو والله ادعاء يحتاج إلى تمحيص. ويكفيك مراجعة كل المواقف التي تصدر عن الطرفين لتتأكد أن الخلاف بين أولي اللمز من المتخاصمين ليس فكريا في الأساس. فكلا الطرفين يقف على أرض زلقة لا تنتمي إلى أي يمين ولا تنحاز إلى أي يسار. وعبارات الطرفين مطاطة تحتمل كل تأويل، وكل تعديل، وكل تمثيل. فترى الرجل يحتد ويمتقع وجهه على قناة فضائية، وتراه يلين ويرق ويعتذر على أخرى. هذا، ويدعي الطرفان أن السياسة لعبة تحتاج إلى ليونة في عضلات الوجه، لكن الأمر سيدي لم يقتصر على انزلاق العينين وانسياب حركة الحاجبين. فقد امتد اللين إلى المواقف التي تحتاج إلى حزم حتى ماعت، فلان الرجال حيث مواقف الشدة، واحتدوا في مواقف اللين، حتى رسموا منطقة عازلة رمادية بين الحق والباطل وبين الرشد والضلال عندها تزيغ الأبصار وترتفع حواجب الحكماء. 
وإثر كل جمعة غبراء، تسيل الدماء وترتفع الأسلحة البيضاء وتصبح الأرض سجالا بين قنابل الدخان وقنابل المولوتوف، ويسقط من هنا صنديد ومن هنا صنديد، وبعد أن يدفن أولياء الدم قتلاهم، يُكتب فوق كل الشواهد: "هنا يرقد شهيد." ولو كانت الشهادة في التحزب سيدي، أين ندفن البسطاء الذين اعتصموا بحبل الله جميعا ولم يتفرقوا؟ ذات يوم، وقبل أن تضع المصالح القرآن فوق أرفف السياسة، ، علمنا الفقهاء أن أمتنا أمة واحدة، فلماذا تحولنا باسم الدين اليوم إلى أمم وطوائف؟ وتعلمنا أن المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، فلماذا تبدلت شرائعنا وأصبحت الشهادة في بلادنا تنال بالضغط السياسي، ويمنحها رؤساء الدول كما يمنحون الأوسمة والنياشين؟
من يجمع فرقائنا اليوم أيها المازارين، وقد تفرقوا عند أول نهر، واستبدلوا الذي هو أدني بالذي هو خير؟ من يجمع من صنعوا عجولا غير مقدسة وعبدوها عند كل استوديو، واستباحوا اللغمز واللمز كما فعلت نسوة القصر ذات تاريخ؟ ماذا نفعل وقد استبد كل حزب برأيه، واعتبره دستورا، وجعل كل فريق إلهه هواه، وحارب كل واحد منهم بسيف مكسور تحت راية منكسة؟ كيف نجمع فرقاء الوطن أيها المازارين الحكيم، وتحت أي راية؟ 
أديب مصري مقيم بالإمارات 
Shaer129@me.com

ليست هناك تعليقات: