السبت، 19 يناير، 2013

ميزان العدل المقلوب - د محمود ابوالوفا *


بقلم د . محمود أبو الوفا 
الخبير بالجامعة العربية

المتأمل لما وصل اليه حال بعض المصريين لابد وان تنتابه مشاعر متناقضة ومتضاربة لما يحدث على الساحة وما يصدر عن اصحاب الرأى والمتصدرين للمشهد السياسي وهم يقولون الشئ ونقيضة فى نفس اللحظة , اما عن الاعلام فحدث ولا حرج فقلب الحقائق واطلاق الشائعات والكذب الصريح واتهام الشرفاء وتمجيد اللصوص فتلك هى السمة الظاهرة التى لا تخفى على احد , حتى كادت ان تنهدم الثوابت وحتى لم يعد هناك رموز وطنية الا وطالها السخرية المؤلمة وكاننا فى مسرحية هزلية يعرف ابطالها الادوار التى كتبت لها لهدم كل شئ فوق رأس هذا الشعب الذى تحمل الكثير والكثير.
وليت الامر توقف عند هذا الحد لكن تجاوزه الى اكبر من ذلك بكثير , وذلك حين يصبح ميزان العدال مقلوبا , فيصف مُصدر الحكم واصف الفعل ومنكره بانه ناشرا للرزيلة ومحضا على المنكر , والاغرب من كل هذا يصف نفسه بانه سدن العدالة المعصوبة العينين , هكذا جاء وصفه فى حيثياته العجيبة , واننى اقر باننى كلما قرأت تلك الحيثيات تشكل لدى يقين بأنها عدالة معصوبة العينين لكنها منزوعة العقل والضمير , والغريب ان من اصدر الحكم اذا تأملت كل احكامه التى حكم بها خلال الاشهر القليلة المنصرمة تجد رابطا واحدا يجمع بينها, هذا الرابط يمكن ان نطلق عليه المنطق المقلوب , والذى يميل معه ميزان العدل ليصبح ايضا مقلوبا.
اننى لا استغرب ما يحدث الان فى محراب العدالة , فلابد لنا ان نعترف ان ثلاثين سنة من الفساد استطاعت ان تلطخ المحراب الطاهر بكثير من الشائبات , فالكل يعرف ان الدخول الى ذلك المحراب كان له طريقين رئيسيين الا فى بعض حالات القليلة التى هى اقرب الى الندرة , الاول عن طريق الرشوه والثانى عن طريق المحسوبية , فهل هذا يترك للطهر اى محل او نصيب؟
وهل يمكن ان يصبح من تقلد منصبه وبدأ اولى خطوات مهنته السامية بطريقة لا يقرها القانون ولا الشرع أميا بالقانون أوالشرع ؟ وكيف يكون ادائه لعمله ؟ اننا فى زمان الريبة التى لا يأمن الفرد فيها على نفسه وهو بين يدى سدنة العدل وهو يرى اسطورة الشموخ تتهاوى رويدا رويدا ولا يستطيع احد ان يمنعها من التهاوى.
يذكرنى ما يحدث اليوم بمصر بالذى حدث بالامس فى تركيا حيث كان هناك حراسا لفكرة الدولة العلمانية اللادينية التى أسسها كمال اتاتورك عام 1924 والتى انتهت الى تنصيب المؤسسة العسكرية ومؤسسة القضاء حراسا اوفياء لفكرة العلمانية التركية التى تم تأصليلها فى تركيا على يدى اتاتورك بالحديد والنار , وقد عمدوا الى اجهاض ووأد أى ايدولوجية اخرى غير العلمانية حتى لو ارادها الشعب الذى هو مصدر السلطات وصاحب السيادة , وأضحت الديموقراطية التركية حكرا على فصيل واحد طيلة ست وسبعين سنة, لايسمح لفصيل غيره ان يعمل بالسياسة وكل من تسول له نفسه ان يخالف افكار اتاتورك يكون مصيره السجن كما حدث مع نجم الدين اربكان المنتخب حزبه من الشعب والحاصل على الاغلبية بالانتخابات البرلمانية عام 1996, وتدور الايام دورتها ويصبح متصدرى المشهد العلمانى وراء القضبان بتهمة الافتئات على الديموقراطية.!!
وهذا الحدث القريب يجب ان ينتبه اليه من يحمون الخارجين عن القانون اليوم ومن يحاولون وأد الديموقراطيه الوليدة بمصر , ومن يسيرون فى ركب الهيمنة الامريكية ويقضون الليل والنهار يحرضون امريكا والغرب ضد الحكم فى مصر , ولن ينسى لهم التاريخ ولا الشعب انهم قد تجاوزا المدى فى اهانة وتسفيه هذا الشعب العظيم  فيتهمونه بالجهل تاره ويوصمونه بعدم النضج تارة اخرى , واننى اعدهم بانه سيأتى زمن لايجدون لهم مخرجا ولا مهربا من غضبة هذا الشعب العظيم الذى درجوا على اهانته والتقول والتجرؤ عليه , " وسيعلم الذين ظلموا اى منقلب ينقلبون".
maw01000@yahoo.com
إرسال تعليق