السبت، 26 أبريل 2014

"نائلة بناية".. و"القاهرة والناس".. وانتهازية "سليم عزوز"


يقلم سليم عزوز
هذه فرصتي.. فقد هرمت من أجل هذه اللحظة التاريخية، وأنا الممنوع في هذه الزاوية، من أن أتحدث عن البرامج التلفزيونية التي تستضيفني، مع أني أكتب في النقد التلفزيوني، ومع وجود الحكمة القديمة: ‘طباخ السم يتذوقه’، أي أن حتى طباخ السم لا بد أن يتذوقه، ليقف بنفسه على منسوب السم فيه.. زيادة ونقصان!
فمحسوبكم تم اتهامه في أحد البرامج التلفزيونية بشكل فج، حيث وصف قائلهم انحيازي للشرعية، مع وجود خصومة قديمة بيني وبين الإخوان، بالانتهازية، وتساءل إن كان دافعي إلى هذا هو ‘فلوس′ الإخوان؟ مع أني لو كنت أبتغي عرضاً قريباً، وسفراً قاصداً، لكنت معه من أتباع السيسي!
ما قيل، جاء في برنامج تقدمه مذيعة، ليس لي سابق معرفة بها، اسمها ‘ نائلة بناية’، أو شيء من هذا القبيل، على قناة ‘ القاهرةوالناس′، وهي فضائية مملوكة لصهر عبد الفتاح السيسي، نجم الإعلانات المعروف. وعليها أيضاً ظهرت خالدة الذكر رولا خرسا، وهي في سعادة بالغة، لتروج لخبر كاذب عن الإخوان الذين طردوا من الدوحة إلى تونس. ثم تركت الإخوان تنظيماً وأفراداً، وانشغلت بحضرتنا، مع أنني مواطن فرد، ليس في يدي سيف، ولا تحتي ناقة، ولا خلفي تنظيم!
دعك من رولا خرسا فإنها مأمورة، ووجودها في المشهد الآن هي وبعلها أمر كاشف عن أن ما جرى يوم 3 يوليو هو ثورة مضادة. فلا ننسى أن بعلها عبد اللطيف المناوي، كان الرجل الثاني في التلفزيون المصري، وكان مرشحاً في زمن مبارك لأن يكون الرجل الأول، وهو من الذين أسند لهم ملف الترويج لتوريث الحكم لجمال مبارك. فلما قامت الثورة، قام بتوجيه التلفزيون في اتجاه التشهير بها والإساءة لمن يشاركون فيها؛ فهم قلائل، وهم يمولون خارجياً بخمسين دولاراً ووجبة كنتاكي في اليوم. وفي توابع الثورة رفعت صوره وطالب الثوار بإقالته لكن المجلس العسكري الحاكم، وريث مبارك، تمسك به، وفي النهاية كان اقتحام مكتبه، فأقيل من باب حمايته. والآن عاد ليتصدر المشهد!
السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، وصاحب فضائية ‘ الحياة’، رفع الحرج عن المناوي، الذي هبط وزوجته على التلفزيون المصري بالباراشوت، وكانت تقدم فيه برنامجين، فأخذها إلى ‘الحياة’، والتي مثلت لها الملاذ الأمن بعد الثورة، إلى أن انتصرت الثورة المضادة، فتقرر تكريمها بالنقل لقناة ‘القاهرة والناس′، المملوكة لصهر عبد الفتاح السيسي، والتي تأخذ مهمة الدفاع عن المذكور ‘مقاولة’، وبدلاً من أن مالك ‘القاهرة والناس′، كان يقف على أطراف أصابعه في الانتخابات الرئاسية الماضية، منتظراً من يمثل النظام القديم فيؤيده، ها هي المسألة تصبح في بيتها، وها هو المرشح هذه المرة هو زوج الشقيقة عبد الفتاح السيسي!
انحيازات البدوي شحاتة
انحياز البدوي للنظام القديم معلوم، فهو الذي نصره في معركة شرعية حزب الوفد، على الدكتور نعمان جمعة الرئيس الشرعي، وهو الذي منحه رخصة قناة ‘الحياة’ ولم تكن الرخص التلفزيونية تمنح اعتباطاً، أو لمجرد استيفاء الشروط القانونية. وعندما وجد البدوي ضغطاً من شباب الحزب للمشاركة في الثورة في اليوم الأول، قال من يريد أن يشارك فليفعل على مسؤوليته الشخصية، وظلت ‘الحياة’ في أدائها تمثل أحد امتدادات التلفزيون المصري وروافده. وبعد الثورة كان البدوي يقف على قارعة الطريق في انتظار أن يصله نبأ مرشح المجلس العسكري للانتخابات الرئاسية ليؤيده!
فعندما نادى مناد أن مرشح المجلس العسكري هو وزير الإعلام في عهد السادات منصور حسن قال انه مرشح الوفد، فلما قيل إن العطاء رسا على نبيل العربي قال إن الوفد يؤيد العربي رئيساً. فلما بدا نجم عمر سليمان بازغاً. قال: هذا ربي هذا أكبر!
معظم الفضائيات يقتصر انحيازها للانقلاب في البرنامج الرئيس، ثم تنصرف لتضرب في الأرض، ما عدا ‘ القاهرة والناس′، و ‘ وسي بي سي’ التي نُشر أن دولة بعينها من دوائر الانقلاب تمتلك معظم رأس مالها. فضلاً عن ‘ أون تي في’ لصاحبها نجيب ساويرس الشريك الضالع في الانقلاب، وقيل إن وكالته ‘أونا’ هي من سربت خبر ‘الجيش المصري الحر’، الذي سينتقل بسلمية الثورة المصرية، لتكون مثل الثورة السورية. وظلت الفضائيات تناقش هذا الخبر الذي لا أساس له من الصحة ليالي طوال، قبل أن نعرف أن ‘أونا’ هي من بثته، فهنا وضع الجميع في بطونهم بطيخا صيفياً، كناية عن الاطمئنان.
نائلة بناية
لا أعرف التطور الوظيفي لـ ‘ نائلة بناية’، وهل بدأت حياتها إعلامية أم هبطت على المجال كالهابطين عليه من المريخ؟ 
‘نائلة’ المذكورة كانت تناقش في حلقتها فكرة المعارضة من الخارج وإعلام التعبئة. فنعلم أن كل الفضائيات المنحازة للانقلاب على كثرتها، يبدو ما تقدمه كهشيم تذروه الرياح، أمام ما يقدم على ‘الجزيرة’.. والتي تقدم الرأي والرأي الآخر، وفي الحالة المصرية حولت برامج ونشرات إخبارها إلى ‘الاتجاه المعاكس′، لكن مجرد وجود الصورة الأخرى، والرأي الآخر، يشعر القوم أن انقلابهم يسير إلى نهايته المحتومة، والطبيعية.
كان هناك صلاح عيسي مع ‘ نائلة بناية’، لكن عقبتها كانت مع الضيف الآخر، فهي تريد أن تقوم بتخوين المعارضة من الخارج، وربما فوجئت بهذا الضيف الذي جاء ليعينها في مهمتها، وقد مارس المعارضة في الخارج أيام السادات، وفي أسوأ صورها!
فلم يكن نظام السادات قاسياً على معارضيه إلى درجة أن يهربوا للخارج، والسادات كان يهاجم معارضيه ويهاجمونه، وكانت ممارساته ضد المعارضة محتملة. والذين سافروا وجدوا أنفسهم أمام تجربة مريرة، فمن سافر إلى سوريا هرب إلى العراق، ومن بدأ الرحلة من العراق هاجر إلى سورية، والهارب من هنا إلى هناك كان كالمستعين من الرمضاء بالنار. فقد فُرض عليهم أن يكونوا جزءاً من المشروع السياسي هناك، لإثبات الولاء، وفُرض عليهم الانضمام رسمياً لحزب البعث هناك وهناك. والقلة التي عاشت في ليبيا تعرضت لما هو أسوأ، وتحولوا إلى ‘هتيفة’ ضمن جوقة الأخ العقيد القذافي.
وهي تجربة مؤسفة، لم يتعرض لها المعارضون المصريون الذين هربوا من جحيم أنظمة الاستبداد، في العهود السابقة، مع بداية حكم العسكر في سنة 1952، إلى بلاد الفرنجة، في عهود عبد الناصر والسادات ومبارك. والذين استقبلتهم السعودية والكويت وقطر في العهد الناصري لم يتعرضوا لتجربة من احتموا ببلاد الصمود والتصدي. ولنا أن نعلم أن الدوحة كانت منحازة للمشروع الناصري، وفي وجود عبد الناصر رفضت طلبه بتسليم المعارضين لديها.
عزوز بين السيسي ومرسي
دول الخليج ليس لها مشروع تريد تصديره، لتستخدم المعارضين المصريين تروساً فيه، وهي في كل تجاربها تتعامل بمنطلقات ‘العربي القديم’، وفي إطار ‘الأصول العربية’. ولم يتم في الدوحة إيذاء المصريين بسبب ممارسات سلطة الانقلاب ضدها، بمن في ذلك من يعلنون انحيازهم على الأراضي القطرية للانقلاب، ولم يدفع إعلام الثورة المضادة ورعونته وتجاوزه أصول الأدب أهل الحكم في قطر، لأن ينتقموا من المصريين على هذا الانحطاط الإعلامي.
ما علينا، فضيف ‘ نائلة بناية’، مثل لها أزمة من حيث كونه مارس المعارضة بالخارج، وأيضاً من حيث أنه جاء لـ’الجزيرة’، وعومل بنفس المعاملة المادية للرافضين للانقلاب، فـ’الجزيرة’ تقوم على النظام المؤسسي، فليست فضائية يديرها بقال بالنوتة الزفرة.. وعلى أيامنا كانت تطلق على ‘النوتة’ الصغيرة التي يحملها البقال في جيبه ليقيد بها معاملاته اليومية ‘النوتة الزفرة’، لأنها من كثرة الاستعمال وبأيدي تمسك بالبضاعة يصفر ورقها وكأنه اختلط بالزيت!
برنامج ‘القاهرة والناس′ كان يستهدف إدانة المعارضة في الخارج، والضيف المستعان به مارسها، كما كانت تستهدف تجريم الظهور على ‘الجزيرة’ وهو ظل شهرين ضيفاً معززاً مكرماً على شاشاتها، وكان يطمع أن يزيد، ونجح نضاله في التمديد له في مرات سابقة وهو المدعو لعشرة أيام فقط!
لم يخضع صلاح عيسى، لمحاولات ‘ نائلة’ لخلع رداء الوطنية عن ضيوف ‘الجزيرة’، أو عن من يمارسون المعارضة في الخارج. وان كان استدعى الخطاب القديم لأنصار السادات وهم يردون على المعارضة بالخارج تعالوا وعارضوا من مصر
لقد انبعث أشقاها يتساءل في برنامج ‘ القاهرة والناس′ عن الأسباب التي تدفع واحداً مثل ” وهو خصم للإخوان لأن يدافع عنهم الآن. ويؤكد بأنها انتهازية، ويتساءل ان كان هذا التغير الذي حدث راجع إلى ‘فلوس الإخوان’؟! مع أني لو كنت انتهازياً حقاً لكنت مع الانقلاب ومع السيسي وضمنت عيشاً رغداً في وطني، وأنا لم ترق لي الغربة في شبابي، فكيف تروق لي في بعد أن هرمنا؟!
ولهذا أقول إن رفضي للانقلاب مقدم على وقوعه، وقد كنت ضده عندما بدأ فكرة في ذات الوقت الذي كنت أهاجم حكم مرسي، بل كنت ضد فكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة، لأنني أرى أننا في بداية مسار ديمقراطي يحتاج للحفاظ عليه وان اختلفنا مع الإخوان. في وقت بدا فيه من استفادوا من حكم الإخوان ولم أكن منهم يقفزون من السفينة ليحجزوا مقعداً لدى السلطة القادمة.
وعندما وقع الانقلاب، كنت ضده، وفي الوقت الذي كان فيه رموز الجماعة مشغولين باعتصام رابعة، ويستضاف منهم الحمائم تلفزيونيا كان صوتي أكثر حدة وحسماً. وكنت أندد بالانقلاب في كل محفل، بينما لم استطع أن اهزم النفس وأذهب إلى المعتصمين في رابعة، ورموز الجماعة وما بيننا من خصومة هناك..فكيف إذا التقت الوجوه؟! 
ولا أخفي أن نفسي لم تكن صافية وقتها. كنت غاضباً على محاولة حكم الإخوان تهميشي، كما كان الحال في عهد مبارك واستمر عليه حكم المجلس العسكري. وكنت غاضباً على استبعاد اسمي من الترشح على قوائم ‘التحالف’ الذي يتزعمه الإخوان، وكنت غاضباً كذلك على تجميد عضويتي في المجلس الأعلى للصحافة، قوة واقتداراً، وذهبت للقضاء وليس في يدي قرار مكتوب يعجل وجوده بصدور حكم بإلغائه!
ولا أعتقد أنني في انحيازي للشرعية أقف مع الإخوان، بقدر ما أقف مع بلدي، ومع قيم الحرية والديمقراطية والعدالة التي أؤمن بها. ومع رفضي لحكم العسكر، الذي دمر البلاد، وواصل مسيرة المستعمر في تخريب المستعمرات القديمة.
لقد قال ضيف ‘ القاهرة والناس′ أنني لم أكن يوماً ضد حكم العسكر مع أني ضد حكم العسكر في مراحله كلها ومنذ ثورة 1952 مروراً بحكم المجلس العسكري.. فليس غريباً علي أن أقف بالتالي ضد انقلاب عبد الفتاح السيسي.
شكراً لضيف ‘القاهرة والناس′ فقد أعطاني المبرر للحديث عن نفسي.
صحافي من مصر
selimazouz@gmail.com
إرسال تعليق