الجمعة، 28 أغسطس، 2015

رضا حمودة يكتب : هل يحكم الإسلام الأمريكاني المنطقة نيابة عن الربيع العربي؟

العربي الجديد
بعدما فطنت الولايات المتحدة الأمريكية أنه يستحيل استئصال الإسلام من على وجه الأرض كدين لا يُراد له أن يسود ويحكم كمنهج حياة وواقع عملي؛ بدأت في اتباع سياسة جديدة لا سيما مع هبوب ثورات الربيع العربي، تقوم على استئناس الإسلام والمسلمين على السواء بدلا من الصدام المسلح المباشر، الذي أسهم بدوره في تشويه سمعتها بين المسلمين، فضلا عن تصدير صورة نمطية بالغة السوء بأن أمريكا تحارب الإسلام، وتمارس تمييزا عنصريا ضد المسلمين، وهذا أقرب للحقيقة بلا شك.
عندما نقرأ تصريحات رئيس وكالة الإستخبارات الأمريكية (CIA) الأسبق جيمس وولسي في عام 2006، نكتشف أن الإدارة الأمريكية تطبق خطة استئناس الإسلام بحنكة، وبخبث منقطع النظير، فقد قال الرجل عن المسلمين "سنصنع لهم إسلاما يناسبنا، ثم نجعلهم يقومون بالثورات، ثم يتم انقسامهم على بعض لنعرات تعصبية، ومن بعدها قادمون للزحف، وسوف ننتصر" ، وأضاف وولسي "إننا سننجح في النهاية كما نجحنا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي، وسوف أختم بهذا(هكذا يقول وولسي) – سوف نجعلهم متوترين".
المثير في كلام مدير أكبر جهاز استخبارات في العالم أنه قرأ الواقع الجديد بدهاء، واستوعبوا درس التدخلات العسكرية المباشرة في المنطقة جيدا، التي خلفت آثارا سلبية على سمعة الولايات المتحدة، فبدأوا في تنفيذ الاستراتيجية الشيطانية الجديدة عبر إدارة الحروب بالوكالة، حيث تشتري ولاءات ووكلاء لها في المنطقة العربية والإسلامية وهم كُثُر، لتضمن بذلك ألا تتصدر مشهد العداء للإسلام والمسلمين، ليحل محلها بعض أذنابها وأتباعها المخلصين، ووكلاء الثورات المضادة على أنقاض الربيع العربي المغدور.
حتى وصلنا بعد سنوات قليلة إلى تطبيق عملي مأساوي على أرض الواقع لخطة المخابرات المركزية الأمريكية، فاندلع الربيع العربي بداية عام 2011 في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، وكأنه ترجمة حرفية لتصريحات مدير الCIA، الأمر الذي جعل البعض يتشكك في ماهية الربيع العربي ومن يقف وراءه، لكنني لا أتعاطى شخصيا مع هذا التشكيك، ذلك أن المنطقة العربية كانت تعيش وما تزال على فوهة بركان من الغضب الشعبي، ومهيأة تماما للانفجار والثورة كنتيجة طبيعية للاستبداد والفساد على مدى عقود طويلة، على يد حكام حولوا بلدانهم إلى متاع خاص لهم ولأبنائهم والدائرة المقربة منهم.
ما يهمنا في هذا الصدد أن أمريكا خلصت إلى حقيقة مفادها أنه لا مانع من وجود المسلم الصوام القوام، المسلم الذي يحج البيت الحرام كل عام، إسلام الطقوس والمظاهر، الإسلام الذي يستفتى في نواقض الوضوء، ولا يستفتى في نواقض الإسلام ذاته، لكنه غير مسموح أن يتحول إلى سلوك خارج حيز المسجد، إلى منهج للحياة لتأصيل قيم الحرية والعدالة والتنمية والاستقلال على خلفية إسلامية، حتى لا يخرج جيل متشبع بهويته وحضارته الإسلامية الشاملة العريقة، قادر على منافسة الحضارة الغربية، أو يستطيع مقارعتها وهزيمتها، لينشأ جيل مقطوع الصلة بربه ودينه، لا يعرف من الإسلام سوى اسمه.
ذلك أن الغرب أراد تحويل الإسلام عن طبيعته ليجعله كما قال المفكر الأمريكي الشهير فرانسيس فوكوياما: "دينا حداثيا ليبراليا علمانيا، يقبل المبدأ المسيحي "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، حيث تعمدت أمريكا والغرب على اعتبار الإسلام تيارا فكريا قابلا للنقد والتفكيك أيضا، وليس دينا أو عقيدة ثابتة، حيث خصوصياته في تأصيل القيم والمعاني التي لا تستغني الحياة عنها.
هذا الجيل المسخ كما تريده أمريكا والغرب، عبر عنه المفكر الكبير د. مصطفى محمود قائلا "وما أكثر المسلمين ممن هم في البطاقة مسلمون، ولكنهم في الحقيقة ماديون، اغتالتهم الحضارة المادية بأفكارها، وسكنتهم حتى الأحشاء والنخاع، فهم يقتل بعضهم بعضا، ويعيشون لليوم واللحظة، ويجمعون ويكنزون ويتفاخرون، ولا يرون من الغد أبعد من لذة ساعة".
لقد جنت أمريكا والغرب أهم ثمرتين من تعثر الربيع العربي بفعل الثورات المضادة التي اجتاحت المنطقة، الأولى: تشويه ثورات الربيع العربي بنظر شعوب المنطقة لا سيما البسطاء لما لها من انعكاسات سلبية على مصالحها في المنطقة، إذ إن الثورات في جوهرها تمرد على الواقع المرير لتطالب بالاستقلال عن القرار الأجنبي، والانعتاق من التبعية لأمريكا والغرب. أما الثمرة الثانية الأكثر نفعا، هو استئناس الإسلام وقطاع ليس بالقليل من المسلمين لحظيرتها، عبر تشويه مفاهيم المقاومة والجهاد ضد الاستبداد والاحتلال، فصار التطرف مرادفا طبيعيا للإسلام في ظل الحرب التي تقودها أمريكا وحلفاؤها في المنطقة على الإرهاب الإسلامي. 
وغرقت المنطقة في حروب ونزاعات مسلحة استهدفت الربيع العربي في الصميم بالوكالة لأطراف استثمرت استقواء الثورات المضادة المدعومة أمريكيا، في صنع عدو بديل للاستبداد، فكان الإسلام هو العدو الأكبر في صورة الإسلاميين الراديكاليين، مما يستدعي من الذاكرة مقولة داهية وزير الخارجية الأمريكي (جون فوستر دالاس) في خمسينيات القرن الماضي إبان الحرب الباردة "إن الإسلاميين الأصوليين هم أكبر حليف لنا ضد الشيوعيين"، وقد رأينا كيف استخدمتهم (حركة طالبان) في الثمانينيات ضد الاحتلال السوفييتي في أفغانستان، ثم حاربتهم لتستولي على المنطقة، وتعمل على تفتيتها بعد الحادي عشر من سبتمبر. 
ولنا أيضا في تنظيم داعش (المريب) النموذج الفج ، الذي أكد تبعيته للغرب ضابط كبير في جهاز الاستخبارات البريطانية يدعي" تشارلز شويبردج"، في حوار لقناة روسيا اليوم بتاريخ (9 أكتوبر/ تشرين أول 2014) عرضه موقع القناة على الإنترنت تحت عنوان " هكذا صنعنا داعش وهكذا نقرع طبول الحرب ضدها"، حيث قال إن جهازي الاستخبارات الأمريكية والبريطانية يقفان وراء كل الأحداث الدراماتيكية التي تعصف بدول في الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق وليبيا، وكشف عن تفاصيل أخرى مثيرة عن دور واشنطن ولندن في صناعة الإرهاب.
حيث استطاعت احتواء الربيع العربي، ومن ثم إجهاضه بضرب أهم مكوناته وهي التيارات الإسلامية المعتدلة التي حازت على ثقة الجماهير في كل الاستحقاقات الديمقراطية، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، وتعمد خلط الأوراق عند عوام الناس والبسطاء والتلبيس عليهم، وعبر الأنظمة التابعة لها في المنطقة، أنه لا فرق بين معتدل ومتطرف، فكل التيارات الإسلامية من المنظور الأمريكي متطرفة، ونبعت من رحم الارهاب (أو بالأحرى الإسلام) حتى وإن لم تعلن ذلك رسميا.
إرسال تعليق