الاثنين، 3 أغسطس، 2015

صبحي حديدي يكتب: الداعش الإسرائيلي: باقٍ… ويتمدد!

«الإسرائيليون يطعنون المثليين ويحرقون الأطفال. ليس ثمة أيّ مقدار من الافتراء، أو الدرجة الأدنى من المبالغة، في هذا الوصف الجافّ. صحيح أنّ هذه أفعال قلّة. صحيح، أيضاً، أنّ أعدادهم تتزايد. وصحيح أنهم جميعاً ـ كلّ القتلة، وكلّ مَنْ يحرق، ومَنْ يطعن، ومَنْ يقتلع الأشجار ـ ينتمون إلى المعسكر السياسي ذاته»؛ يكتب جدعون ليفي، المعلّق في صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية، تعقيباً على حرق الرضيع الفلسطيني علي سعد دوابشة، الجريمة البشعة التي ارتكبها إرهابيون إسرائيليون، مستوطنون قرب نابلس.
وفي مناسبات أقلّ وحشية من هذه، كان صوت ليفي عالياً في الإدانة، وفي فضح المسكوت عنه، وخدش «الحياء» الإسرائيلي الجَمْعي؛ ولكنّ مثاله لا يظلّ نادراً للغاية فقط، بل هو أقرب إلى صرخة أحادية منفردة، في عماء من الصخب الديني المتطرف، والعنف العنصري الأعمى، والتأتأة… في أفضل النماذج، إذا جازت المفاضلة أصلاً. داعش باقية، وتتمدد بالفعل، إذاً، إلى باطن هذا الإرهاب الإسرائيلي؛ ما خلا أنّ ترويع مهووسي الخليفة البغدادي لم يبلغ حدّ حرق الأطفال الرضّع، وأنّ تاريخ الإرهاب الصهيوني، ومنذ بذوره الأولى، أينع قطافاً لا قِبَل للدواعش بمضاهاته في الهمجية.
حال تعيد المرء إلى مطالع العام 1988، حين نشب في إسرائيل جدل (واسع النطاق!)، حول هذا السؤال الفريد: هل يتوجّب السماح للجنود الإسرائيليين بذرف الدموع، خلال تشييع زملائهم؟
وهل أنّ الدموع، على ملأ من الجمهور الإسرائيلي، تضعف شوكة «الدولة»، وتفتّ في عضد المحارب الصهيوني؟ وكان السجال قد انطلق حين ارتأى قائد الجبهة الشمالية أنّ البكاء صفة إنسانية، ولا مانع من أن ينخرط فيه الجندي الإسرائيلي؛ وفي المقابل، اتخذ رئيس الأركان موقفاً معاكساً تماماً، فاعتبر أنّ البكاء علامة ضعف لا تليق بالمقاتل إجمالاً، وهي حتماً لا تليق بالمقاتل الإسرائيلي تحديداً!
آنذاك توفّر صوت إسرائيلي جادّ، واحد على الأقلّ، هو أفيشاي مرغاليت، قرأ المشهد في توصيفه الواقعي، الحقيقي: هذه مسخرة معلنة (أطلق عليها صفة الـ Kitsch)، تكشف جيداً «قلّة ذوق إسرائيل»، كما سار عنوان مقاله اللاذع. 
والرجل استخلص نتائج متعددة من ذلك الجدل حول الدموع، وأرجعه إلى ظاهرة جوهرية أكثر شمولاً تتصل بالمسألة العاطفية في «الثورة الصهيونية»، تلك التي هدفت إلى قَوْلَبة «اليهودي الجديد»، ورأت في المآقي الدامعة علامة عاطفية سلبية على اليهودي الضعيف، المنفيّ، الحزين، الطيّب، العتيق… الذي يتوجب استئصاله من الذاكرة اليهودية مرّة وإلى الأبد!
غير أنّ ذلك الجدل كان جزءاً من ذلك السجال اليهودي الأعرض، حول شخصية اليهودي ما بعد الهولوكوست، وكيف ينبغي أن تُطوى إلى الأبد صورته السالفة التي سادت قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، خانعاً ذليلاً مستسلماً وهو يُساق إلى أوشفيتز ومواقع الهولوكوست الأخرى. وهل، في المقابل، يتوجب أن تحلّ محلّها، مرّة وإلى الأبد أيضاً، صورة «اليهودي الجديد»، مواطن دولة إسرائيل، الـ»صبّاري» Sabra، المشتقة سماته من نبتة الصبّار: شوكية صلبة في وجه الخارج، وطرية عصارية حلوة في الداخل؟
لكنّ الملفّ كان محفوفاً بمخاطر «جانبية»، إذا صحّ التعبير، وبمجازفة جوهرية أيضاً؛ إذ كيف يمكن استئصال هذه الشخصية العاطفية الحزينة الكسيرة، وفي الآن ذاته استمرار تحويل الهولوكوست ــ في جوانبه المأساوية والكارثية التي تســـتدرّ الدمــــوع بالضرورة ــ إلى هوية لمواطن الدولة اليهودي، وللدولة اليهودية ذاتها وفي ذاتها؟ من جانب آخر، كيف توصَف، اليوم، دموع تماسيح يذرفها أمثال بنيامين نتنيــــاهو؛ بالمقارنة مع دموع حمائم، في مآقي الروائي دافيد غروسمان مثلاً؛ أو دموع فضّاحة للهمجية الإسرائيلية، عند فرد مثل جدعون ليفي؟
للمرء، هنا أيضاً، أن يعود إلى جورج شتاينر، المفكر اليهودي متعدد الجنسيات، الذي عرّف اليهودي بأنه ذاك الذي سيعجز أبداً (نعم: أبداً!)، عن ممارسة التعذيب، ودفن الأحياء، ومنع الكتب… أياً كانت الأسباب والموجبات. ثمة، في نظر شتاينر، إرث أخـــلاقي عريق يحول دون قيام اليهودي بأيّ من هذه الممارسات الثلاث؛ فاليهود قبيلة الأنبياء، ورثة الكوارث، وأهــــل المآسي؛ وهم دُفنوا أحياء على امتداد التاريخ، ولا يعقل أن يدفنوا سواهم؛ واليهودي يقيم في بيت النصّ، أصلاً، وليس له أن يمنع الكتاب.
دواعش إسرائيل، الذين أحرقوا الرضيع الفلسطيني، لم يرموا تعريف شتاينر في سلّة قمامة التاريخ، فحسب؛ بل استبدلوا دموع الصبّاري، المحتبَسة تكلفاً، بقنابل حارقة، وقودها أكذوبة «اليهودي الضعيف» وخرافة «الإسرائيلي الجديد»، وسطوة العنف والحقد والكراهية والعنصرية والتعصب والتطرف، فضلاً عن الهمجية المطلقة… من قبل، ومن بعد!
إرسال تعليق