الثلاثاء، 25 أغسطس، 2015

المفكر القومى محمد سيف الدولة يكتب : كيف يواجه المثقفون بلاء المكارثية

الاستبداد، العصف بالحقوق والحريات، اجتثاث الخصوم والطعن فى وطنيتهم واغتيالهم سياسيا ومعنويا، زراعة الخوف بين الناس باستدعاء اعداء وهميين أو تضخيم المخاطر الخارجية، اهدار الدساتير والقوانين، التفتيش فى الافكار والضمائر، منع التعدد والاختلاف وتجريم الرأى الآخر، مطاردة المعارضة وعزلها وحظرها و تشويهها، تلفيق وفبركة التهم، محاكمات وإدانات بالجملة خارج اسس وقواعد وضمانات العدالة، اجواء من التحريض والكراهية، هيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، وسيطرة كاملة على كل المنابر الاعلامية والصحفية والفكرية والفنية والتعليمية، نفاق مأجور أو بالإكراه، قوانين وإجراءات استثنائية، سقوط آلاف من الضحايا الابرياء، انتشار الخوف بين الجميع، هجرة وانسحاب قطاعات واسعة من المثقفين والسياسيين والشباب، العبث بمصائر الناس وأمنها والقذف بها فى مهب الريح.
هذه بعض خصائص ما يسمى بالمكارثية.
***
بعد الحرب العالمية الثانية، قام الكونجرس الامريكى بتشكيل لجنة لمواجهة ما يسمى "بالخطر الشيوعى"، اطلق عليها لجنة "التحقيق فى النشاطات غير الامريكية". وتحت هذا الشعار، قاموا ببث الخوف لدى قطاعات كبيرة من المواطنين الامريكيين من المخاطر الخارجية التى تتعرض لها امريكا. وتوظيف هذا الخوف لتبرير وشرعنة حملات مطاردة واسعة لاى معارضة للنظام وسياساته، سواء كانت يسارية أو حتى ليبرالية .
وهى الحملة السوداء ووصمة العار الشهيرة التى عرفت فى التاريخ الامريكى والعالم كله باسم "المكارثية" نسبة الى السيناتور جوزيف مكارثى، والتى استمرت بعده لتطارد مناهضى الحرب الفيتنامية. والتى أصبحت فيما بعد، ترمز الى كل النظم أو الممارسات الاستبدادية المماثلة فى اى مكان فى العالم، التى تسعى للقضاء على اى معارضة سياسية، والحجر على حرية الانتماء والفكر والاعتقاد والرأى والتعبير والمشاركة.
***
وفيما يلى مقتطفات من صفحة نضال المثقفين ضد المكارثية والاستبداد والدكتاتورية الامريكية، أى ضد أكثر النظم التى عرفتها البشرية قوة وعدوانا ووحشية.
اينشتين:
هاجمته اللجنة المذكورة بوصفه محرضا أجنبيا، وطالبت الشعب الامريكى بالحذر منه !
فتحداها ورد عليها فى خطاب نشرته النيويورك تايمز، جاء فيه:
((ان المشكلة التى تواجه مثقفى هذا البلد بالغة الخطورة؛ فقد استطاع السياسيون الرجعيون أن يغرسوا الشك لدى الجمهور فى كل جمهور المثقفين بالتلويح أمام أعينهم بخطر من الخارج. واذ نجحوا حتى الآن فان يتقدمون الآن لكبت حرية التعليم وليحرموا من مناصبهم كل أولئك الذين لا يثبتون خضوعهم، أى يميتوهم جوعا.
ماذا يجب أن تفعل الأقلية المثقفة ضد هذا الشر؟
بصراحة لا يمكننى سوى أن أرى الطريقة الثورية فى عدم التعاون بالمعنى الذى وضعه غاندى. فيجب ان يرفض كل مثقف يستدعى للمثول امام احدى اللجان ان يشهد، اى لابد ان يكون مستعدا للسجن والدمار الاقتصادى، وباختصار، للتضحية برفاهيته الشخصية لصالح الرفاهية الثقافية لهذا البلد.
واذا استعد عدد كاف من الناس لاتخاذ هذه الخطوة الخطيرة فانهم سينجحون. واذا لم يفعلوا، فان مثقفى هذا البلد لا يستحقون شيئا افضل من الاستعباد الذى ينتظرهم.))
وبعد وفاة اينشتين، نعاه أحد المثقفين الامريكان بالكلمات التالية:
((ان الرجل الذى كان يبحث عن تناسق جديد فى السماوات وفى الذرة، كان يبحث ايضا عن النظام والعدل فى علاقات البشر. وبوصفه اعظم مثقف فى عالمنا المعاصر، حارب الفاشية فى كل مكان وكان يخشى علاماتها فى بلادنا. وهذه هى الروح التى نصح بها المثقفين الامريكيين بتحدى تحقيق الكونجرس ورفض تعريض انفسهم للتساؤل الايديولوجى.))
***
آرثر جارفيلد هايس ـ مؤسس ورئيس الاتحاد الامريكى للحريات المدنية
((ان منهج الفاشيين، منهج هتلر وموسولينى، كان اثارة الرعب من الحمر ثم كبت حريات الشعب لحمايته من الحمر. وقد حان الوقت لندرك ان تكنيك اصدار القوانين لحمايتنا من الاخطار الوهمية هو شئ معاد للحرية، وما نحتاجه فى هذا البلد هو رجال لا يؤمنون فقط بالحرية بل لا يخشون منها.))
ولقد قام "هايس" بتقديم اقتراح ساخر للجنة اثناء التحقيق معه، فحواه ان يقوم الكونجرس باصدار قانون بتخصيص مبلغ 10 بليون دولار لتشكيل لجنة تخترع آلة لقراءة العقل يمكنها عند التطبيق ان تنطق كلمة شيوعى عندما لا يكون الشخص مواطنا مخلصا.
***
آرثر ميللر
((لو تخلى الجميع عن ايمانهم لما كانت هناك حضارة! لهذا فان اللجنة تمثل وجه المتزمتين! وانه لما يدهشنى انك تستطيع الحديث عن الصدق والعدالة وانت تتكلم عن هذه العصابة من كلاب الدعاية الرخيصة!)) فقرة من مسرحية كتبها عام 1966 بعنوان "بعد السقوط ".
***
برتولت بريخت ـ من اهم كتاب المسرح فى القرن العشرين
((انكم تطبقون ما يمكن ان نسميه "بالإعدام البارد" مثلما يطلق على احد اشكال السلم اسم "الحرب الباردة" ... فالمنحرف لا يجرد من حياته، بل فقط من وسائل الحياة. ولا يظهر اسمه فى عمود الوفيات، بل فقط فى القائمة السوداء. ))
***
بول روبسون ـ ممثل ومغنى شهير
((هل يمكننى ان اقول ان سبب وجودى هنا اليوم ..اننى ناضلت لسنوات من اجل استقلال شعوب افريقيا المستعمرة ، و لأننى اتحدث فى الخارج ضد المظالم التى تمارس ضد الشعب الزنجى لهذا البلد...
انه لتعليق حزين ومرير على وضع الحريات المدنية فى امريكا ان نفس القوى الرجعية التى انكرت على حق الوصول الى منصة المحاضرات وقاعة الموسيقى ودار الاوبرا وخشبة المسرح، هم الذين يسوقوننى الآن لاقف امام لجنة تحقيق ... وبديهى ان اولئك الذين يحاولون اخراسى هنا وفى الخارج لن يمنحونى الحرية للتعبير عن نفسى بصورة كاملة فى جلسة يسيطرون عليها..
الذين يعتبرون الدستور قصاصة من الورق عندما يحتمى به الزنوج ..
كيف يمكنهم ان يدعون القلق على الامن الداخلى لبلادنا بينما يساندون اشد الهجمات وحشية على 15 مليون زنجى من جانب البيض والكو كلوكس كلان..!
انهم ينتهجون سياسة حافة الحرب الحمقاء غير المسئولة والتى ستؤدى الى دمار العالم))
***
توم هايدن ـ أحد قادة الحركات المناهضة للحرب الفيتنامية ـ 1968
ان كنتم تتصورون ان الماثل امامكم الان مناضل، فعليكم ان تروا ما سيفعله بكم من هم فى سن السابعة والثامنة خلال السنوات العشر القادمة، لقد علمتوهم الا يحترموا سلطتكم ..
***
جون هوارد لوسون ـ كاتب وعضو فى رابطة كتاب السينما ـ 1947
لمدة اسبوع اجرت هذه اللجنة محاكمة غير شرعية وغير مهذبة للمواطنين الامريكيين الذين اختارتهم اللجنة ليلطخوا ويشهر بهم
ولست هنا لأدافع عن نفسى، او لأجيب على اكوام الزيف التى انصبت فوقى..
ان الدلائل المزعومة تأتى من سلسلة من الواشين، والعصابيين، والمهرجين الباحثين عن الشهرة، وعملاء الجستابو، والمرشدين المأجورين، وقليل من الجهلة والخائفين من فنانى هوليوود. ولن اناقش هذه الشهادات المتحيزة. فلندع هؤلاء الناس يحيون مع ضميرهم، عالمين انهم قد انتهكوا اقدس مبادئ بلادهم.
ان اللجنة تحاول تحطيمى شخصيا ومهنيا، وحرمانى من كسب عيشى، ومما هو اعز لدى بكثير وهو شرفى كأمريكى لا تكسب دلالتها سوى انها تفتح الطريق الى تدمير مماثل لاى مواطن تختار اللجنة محوه.
ان القوى التى تحاول ادخال الفاشية الى هذا البلد وهم يعلمون ان الطريقة الوحيدة لخداع الشعب الامريكى ليتخلى عن حقوقه وحرياته تتلخص فى تلفيق خطر وهمى، لإخافة الناس حتى يقبلوا قوانين قمعية من المفترض ان تحميهم.
***
ستيفن تشركوس ـ عضو حزب العمل التقدمى ـ من مناهضى الحرب الفيتنامية ـ 1966
ان هذه محاكمة هزلية.
انكم ممثلين لحكومة ترتكب جرائم حرب، حكومة تشن حرب ابادة فى فيتنام
انكم تمثلون حكومة الولايات المتحدة ولا تمثلون الشعب
ان الشعب الامريكى سيهب ويحطم هذه اللجنة عندما يعرف حقيقتها
ان المعارضة فى امريكا لحرب الابادة فى فيتنام تتزايد كل يوم
انكم تشنون حملة لتقسيم وإخراس المناضلين والثوريين
بسبب حربكم العدوانية فى فيتنام تتدهور اجور العمال وترتفع اثمان الغذاء والإيجارات والملابس والبيوت وترتفع الضرائب
ان جامعاتكم اصبحت سوقا لبيع وشراء العقول
ان امريكا لا تذهب الى فيتنام لتحرير شعبها كما تزعم، بل من اجل جعلها قاعدة سياسية وعسكرية للسيطرة على جنوب شرق اسيا
ان حكومتكم لا تعبأ بأعداد القتلى، بل سوف تقتل اكبر عدد ممكن من اجل مصالحها
ان عصابة "جونسون" هى الخائنة والمخربة للشعب الامريكى
انهم اعداء شعوب العالم
انهم اكثر قوة ممقوتة فى تاريخ السياسة الدولية ولابد من هزيمتهم
سوف يتم ايقافهم وسوف يهب الشعب الامريكى ويحرر نفسه وسوف يوقف الاعمال الاجرامية لحكومة الولايات المتحدة فى كل انحاء العالم
ان الشعب الزنجى والشعب الفيتنامى لهم نفس العدو؛ وهو حكام امريكا
يموت الشباب الامريكى والفيتنامى من اجل ارباحكم الشخصية
ان الحكومة الامريكية اليوم تنتهج نهج هتلر
ان هناك امريكتين احداهما تمثل الحكام والثانية تمثل الشعب
اننا نتوحد مع امريكا الحقيقية؛ امريكا الشعب
***
ليليان هيلمان ـ كاتبة مسرحية ـ 1952
اننى لا ارحب بأن أجلب المتاعب لأناس كانوا فى ارتباطى السابق بهم، ابرياء تماما من اى حديث او فعل خائن او تخريبى.
لا استطيع ان اضر اناسا ابرياء عرفتهم لسنين طويلة لكى انقذ نفسى، فان هذا يعد بالنسبة لى غير انسانى وغير مهذب وغير مشرف ولا استطيع ولن استطيع أن اقص ضميرى ليناسب موضة هذا العام .
اننى مستعدة لإسقاط حقى فى عدم تجريم نفسى ولان اخبركم بكل شئ تريدون معرفته عن آرائى أو أفعالى اذا وافقت لجنتكم على الامتناع عن طلب تسمية اناس آخرين.
***
دافيد بلات ـ 1951
انتم الذين تعدمون الزنوج دون محاكمة؟ وتلقون القنابل الذرية؟ وتذكون معاداة السامية؟ وتحرقون الكتب؟ وتحرمون فنانين عظام من جوازات سفرها؟ وتقصفون كل ما يتحرك؟ وتحرقون اكواخ الكوريين لتتدفأوا بها دون ان تنظروا اولا هل النساء والأطفال داخلها؟
***
انتهت هذه الجولة مع صفحة النضال ضد مكارثية النظام الأمريكى، والتى استطاع فيها المثقفون بشجاعتهم وتضامنهم ان يكسروا شوكة استبداد النظام ويكشفوه أمام الجميع، ويرغموه على التراجع، ولو الى حين. بل نجحوا فيما هو أخطر من ذلك، حين أسسوا، فى أوج اشتعال العدوان الامريكى على فيتنام، حركة امريكية لمناهضة الحرب، مما ساهم فى انهائها وانسحاب القوات الامريكية.
انها واحدة من المعارك الانسانية الكثيرة و المتعددة، التى تلهم شعوب العالم، الثقة فى قدرتها على النضال والانتصار، والتى تؤكد أن الدكتاتورية عمرها قصير، سرعان ما يكتشف الناس حقيقتها، ويدركون استحالة الحياة تحت حكمها، ويهزمون خوفهم منها، ويتوحدون فى مواجهتها وينتصرون.
****
إرسال تعليق