السبت، 12 ديسمبر، 2015

سليم عزوز يكتب: الكتاتني والمدرسة الأمريكية في إذلال الخصوم

في الأسبوع الماضي، أراد الحكم العسكري في مصر، أن يقدم رسالة للقوى الرافضة له، ولمن يفكر في رفضه، مفادها أنه يملك أن يحطم أكبر الرؤوس، وأن يذل الجميع، فكانت الصور التي تسربت من المحكمة لبعض قيادات جماعات الإخوان، وهم وإن أكدوا بابتساماتهم وحرصهم على استخدام شارة رابعة، يؤكدون على مدى الثبات الذي يتمتعون به، فإنهم كانوا في حالة مزرية، وبدا الدكتور سعد الكتاتني أول رئيس لبرلمان مصري منتخب بنزاهة ووفق المعايير الدولية، وقد فقد الكثير من وزنه، ودبت فيه الشيخوخة وهو القادم من سجن العقرب سيئ السمعة.
جرائم السجون
كثيرة هي التقارير التي تحدثت عن الجرائم التي تحدث في السجون، وكثيرة هي كذلك الأخبار التي تأتي من هناك تفيد أن الحاصل فيها من تعذيب وتنكيل يفوق ما جرى في عهد الحكم العسكري الأول في عهد عبد الناصر، والذي كان حريصاً على الشكل، فشاهدنا صور سيد قطب في محاكمته وهو بكامل هندامه، كما أن هذه السجون سيئة السمعة هي التي وفرت له أن يكتب كتابه ذائع الصيت «في ظلال القرآن الكريم»، وغيره، ووفرت هذه السجون، مع الإجرام الذي جرى فيها، للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين أن يكتب كتابه «دعاة لا قضاة»، وكان من المستقر عليه في حكم مبارك، أن التعذيب يكون سابقاً للمحاكمة، لذا فإن انتقال من تجرى محاكمته للسجن في مرحلة ما بعد الإدانة فإنه انتقال لمرحلة يتوقف فيها التعذيب، إلا في حالات قليلة.
ومع تعدد التقارير التي تتحدث عما يجري في سجون عبد الفتاح السيسي، وفي صمت دولي يعني الرضا، فإن صورة الدكتور سعد الكتاتني كانت تعبيراً من لحم ودم عن حجم المهانة التي يعيشها أكثر من 60 ألف معتقل في سجون الإنقلاب، يوجد بينهم أطفال وفتيات.
الصور سربت عمداً، بهدف كسر رافضي الإنقلاب، وكما قال تقرير «الجزيرة»، «تعمد الإنقلاب كسر شوكة خصومه»، وهذا هو الهدف من بثها أساساً، وهي تأتي في سياق بدأ منذ اليوم الأول للإنقلاب، عندما كانت قوات الأمن تصطحب معها الكاميرات، وهي تلقي القبض على قيادات الجماعة، كما حدث عند اقتحام منزل «خيرت الشاطر» وزوجته بملابس النوم، وكما حدث عند بث التلفزيون المصري صور المرشد العام بعد القبض عليه!
السيسي والتعليم الأمريكي
في مرحلة سابقة وعندما علمنا أن عبد الفتاح السيسي حصل على دراسات عليا أو نحو ذلك من الولايات المتحدة الأمريكية، كانت الدهشة تستولي علينا، فالرجل لا يبدو أنه قرأ كتاباً في حياته، أو كتب سطراً، أو فهم قضية، لكن هذه الدهشة زالت عندما شاهدنا المدافع عن الإنقلاب الدكتور «نبيل ميخائيل»، الذي يقدم تلفزيونيا على أنه أستاذ للعلوم السياسية في جامعة «جورج واشنطن»، فيدهش من يشاهده لهذا المستوى الضحل، ولهذه الغيبوبة التي عليها وهو يدافع عن الإنقلاب، فيستقر في وجدانك أن «جورج واشنطن»، هي فرع لمعهد «عبده باشا» في مصر، وعندما تفكر أن السيسي حصل على شهادة علمية من هناك، فيستقر في الوجدان بأنه ربما لا تكون المواصفات العلمية المقررة شرطاً لأناس بعينهم لاسيما القادمين من العالم العربي، لا تنسى أن «توفيق عكاشة» يقول إنه حصل على الدكتوراه من إحدى الجامعات الأمريكية!
من الواضح أن السيسي في دراسته قد استلهم مقررات المدرسة الأمريكية في التنكيل بالخصوم، وقد أثبت الأمريكان جدارة عندما قدموا الرئيس العراقي «صدام حسين»، في وضع مزر عبر الشاشات، في حديث الحفرة الشهير، قبل أن نعلم أنه كان مخدراً عندما قدموه للرأي العام، وكانوا لا يتورعون عن بث صور التقطت له في السجن، مثل صورته الشهيرة وهو يغسل ملابسه، إمعاناً في الإذلال، وهو ما سعوا للاستمرار فيه في محاكمته، حيث تحول القاضي إلى جلاد، لكن بشجاعته أفشل مخططهم، ثم كان الفشل الذريع عندما تحول إلى أسطورة، وهو يواجه الإعدام ببسالة، رفعته لمصاف الزعماء التاريخيين، فقد كان في السلطة رئيساً كما أن مبارك رئيس أيضاً، فصار بالإعدام زعيماً، يُذكر اسمه عندما تُذكر أسماء كعمر المختار.
ولا ننس الصور التي تم بثها لعراقيين يعذبون على أيدي المجندة الأمريكية «إياها»، فإذا كانت هذه الصور قد مثلت فضيحة لإدارة الرئيس بوش، فإن الهدف من نشرها كان لإذلال هؤلاء ولتكون درساً لمن يفكر في أن العين يمكن أن تعلو على الحاجب.
ولا ننسى أن الإنقلاب في مصر، كان فعلاً أمريكيا، وكل من ظهر في الصورة ليسوا أكثر من عرائس متحركة على المسرح الغربي، الذي أزعج رواده أن يختار المصريون حاكمهم بإراداتهم الحرة، فكان ما كان، وكان طبيعياً أن يكون الدرس الأمريكي في العراق حاضراً في المشهد الإنقلابي في مصر، ومن هنا يمكننا الوقوف على ما تعلمه «عبد الفتاح السيسي» في رحلته العلمية هناك!
تقرير «الجزيرة» قدم للمشاهد في البداية صورة الدكتور «سعد الكتاتني» وهو في كامل عافيته قبل عام ونصف العام من الإنقلاب، عندما تم انتخابه رئيساً لبرلمان الثورة، في وقت كانت فيه مصر سعيدة باختيارها برلماناً حراً لأول مرة في تاريخها. وكانت الصورة الثانية للرجل بملابس الإعدام وهو شاحب الوجه، فاقد لنصف وزنه، في حالة أرقت الوجدان الإنساني.
الكتاتني ممثل الرؤية الإصلاحية
«الكتاتني» لم يهبط على الحياة السياسية بفعل الثورة، فقد كان زعيماً للكتلة الإخوانية في برلمان 2005، وكان طبيعياً أن يتم إسقاطه في الإنتخابات التالية بقوة السلاح، وهو مع ذلك آثر السلامة ولم يرد على السلاح بسلاح، ولم يعرف عنه أنه دعا إلى العنف أو مارسه، بل لم يكن في إدارته للمنصب الجديد، بمستوى الثورة، إنما كان دائماً يمثل الرؤية الإصلاحية لا الثورية، هو ما كان سبباً في هجومي عليه في مقالات عدة. إن شئت فقل إنه من الحمائم في الإخوان المسلمين، لكن النظام الإنقلابي في مصر، ولأنه نتاج إرادة خارجية، فقد جاء متصوراً أنه قادر على استئصال الجماعة، وليتمكن بعد ذلك من القضاء المبرم على الإسلام السياسي بكل تنويعاته، وهو الخطأ نفسه الذي وقع فيه عبد الناصر، وكان الفشل حليفه، لأن التعذيب قد يكسر النفوس، لكنه يشعل جذوة الغضب عند من يسمع به، والجماعات الجهادية التي نشأت في مصر في فترة السبعينات خرجت من بين أوراق الكتب التي تحدثت عن تعذيب الإخوان في السجون.
لم تنل صورة صدام حسين، وهو يغسل ملابسه في السجن من هيبته، تماماً كما لم تنل صورة الكتاتني منه، وإن كانت انتقلت به إلى حالة المرشد العام الثاني للجماعة، المستشار حسن الهضيبي، الذي قيل فيه: «لقد تولى منصب المرشد ولا اتفاق عليه ودخل السجن ولا خلاف عليه».
لا بأس، فما هو أصعب قرار يمكن أن يتخذه حكم العسكر في مصر مع المعتقلين؟ أن يقتلهم جميعاً؟ فليفعل فالرافضون للإنقلاب ليسوا هم الـ (60) ألف معتقل في سجونه.
إن المدرسة الأمريكية في كسر الخصوم فشلت، ومع هذا يقلدها الفشلة في مصر.
أرض – جو
- يا فرحة ما تمت: فقد كنت أستعد لمشاهدة جلسات الأنس والفرفشة عبر التلفزيون بنقل جلسات برلمان الإنقلاب على الهواء، لكن تقرر منع بثها من باب إن الله أمر بالستر. من المؤكد أنها ستكون جلسات ممتعة!
- تم زف بشرى عظيمة للبشرية بإعلان أن إرسال التلفزيون المصري الرسمي ممثلاً في القناة الأولى والثانية وراديو مصر قد وصل في أمان الله إلى حلايب وشلاتين. ألم يكن وصل إلى الآن؟ أم أنهم يكيدون البشير، وفق نظرية «كيد الضرائر»؟!
إرسال تعليق