السبت، 12 ديسمبر، 2015

زهير كمال يكتب: الروائي يوسف زيدان وفلسطين

لماذا يريد يوسف زيدان رفع القداسة عن فلسطين أو بالأحرى رفع قداسة العلاقة بين الإسلام وفلسطين؟
قال يوسف زيدان في آخر مقابلة تلفزيونية له: إن المعني بالمسجد الأقصى هو مسجد موجود على طريق الطائف ولا علاقة للقدس في هذا الموضوع.
تقول الآية القرآنية عن الإسراء:
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) الإسراء : 1 .
وقد تناسى زيدان عبارة (الذي باركنا حوله) ، فما هي أهمية مسجد طريق الطائف حتى يبارك الله حوله ؟ حتى قبل أن يكون هناك مساجد في الجزيرة العربية ، فهل يدعي زيدان أنه لا يعرف أن فلسطين هي مهد الأنبياء ولهذا فالله يباركها؟
بعد بناء المسجد النبوي قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِد: المَسْجِدِ الحَرَام وَمَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى) . فهل كان الرسول يقصد مسجداً مبنياً على طريق الطائف أم كان يقصد أولى القبلتين ؟
عندما فتح عمر بن الخطاب القدس أو ( إيلياء ) قام عمر بتنظيف المكان الموجود عند الصخرة وكان مرمى قمامة (مزبلة) لأهل القدس المسيحيين الذين لم يكونوا يدركون أهمية المكان للديانتين اليهودية والإسلامية.
فلماذا يقوم عمر بنفسه بتنظيف المكان إن لم يكن بمثل هذه الأهمية للمسلمين ؟
ثم يستطرد زيدان أنه غير معني بتاريخ الأمويين وما قاموا به مثل البناء في تلك المنطقة.
ومن المعلوم تاريخياً أن خلفاء بني أمية ( ما عدا عمر بن عبدالعزيز) لم يكونوا بهذا الورع والتقوى حتى يكلفوا أنفسهم الاهتمام بتلك البقعة في مدينة القدس فيبنوا عليها مسجداً .
أغفل السيد زيدان هذه الحقائق من أجل نظرية مسجد آخر مبني على طريق الطائف.
استشهد السيد زيدان بالعهدة العمرية وهي ما تعهد به عمر بن الخطاب لأهل القدس ممثلين بالبطريرك سوفرونيوس حسب تاريخ الطبري (الذي يستشهد زيدان به) فقد منحت أهل ايلياء شرطاً أن لا يسكن معهم أحد من اليهود، وأغرب ما قاله إن أورشليم ليست إيلياء، كأن هناك عدة مدن بعيدة عن بعضها وأن اليهود سكنوا أورشليم وأن المسيحيين سكنوا إيلياء ! ولا أعرف كيف غابت عن ذهنه المسافة بين كنيسة القيامة والحائط الغربي ( حائط المبكى) والتي لا تتجاوز خمسمائة متر.
في المقابلة يلمح زيدان الى أن إسرائيل بريئة من مذبحة صبرا وشاتيلا وأن هناك متطرفين عندهم كما عندنا وأن العرب (حزب الكتائب اللبناني) هم الذين قاموا بالمذبحة ضد عرب آخرين (اللاجئين الفلسطينيين) .
وبجرة قلم يتلاعب زيدان بالتاريخ فهو يتناسى تماماً أن الجيش الإسرائيلي كان موجوداً في بيروت وأن هذا الجيش مهد وهيأ المسرح لارتكاب الجريمة.
وفي القانون: المتواطئ على الجريمة هو مثل مرتكبها. ولو أراد زيدان شطب هذه المذبحة من السجل الإسرائيلي فإنه لا يستطيع شطب آلاف المذابح التي ارتكبها العدو ضد الشعوب العربية.
وفي موضوع هذه المذبحة يبدي زيدان إعجابه بالشعب الإسرائيلي فقد خرجت أول مظاهرة مليونية في الشرق الأوسط احتجاجاً على تصرفات (السافل) شارون (على حد قوله) الذي كان وزيراً للدفاع في ذلك الوقت.
لم يقل لنا السيد زيدان كم عدد القتلى والجرحى والمعتقلين بسبب هذه المظاهرة المليونية والتي يعترف بأنها لم تتجاوز النصف مليون.
في المقابل نجد أن على شعوبنا تخطي حاجز الخوف المتراكم عبر السنين بسبب بطش السلطة وتغوّلها حتى تستطيع القيام بمظاهرة ، وكل فرد فيها يعلم أنه يضع روحه على كفه.
شعوبنا العربية هي الأولى بالإعجاب والفخر.
ويقول زيدان إن إسرائيل يحكمها العسكر وبسبب ذلك حكم العسكر العرب شعوبنا.
ولا أعرف لماذا يتجاهل زيدان حقيقة أن إسرائيل هي سبارطة الجديدة ، فالمجتمع كله جيش وفي نفس الوقت تسود الديمقراطية داخله، ولو قلد العسكر العرب نموذج إسرائيل في ذلك لما وصلنا الى هذه الأوضاع المأساوية.
أخطر ما قاله زيدان إن لليهود حقاً تاريخياً في فلسطين وأن على الفلسطينيين تسوية خلافاتهم مع الإسرائيليين.
يتبادر الى الذهن كأنه يشعر أن الموضوع ( خناقة) يمكن حلها ثم يغطي ذلك ببعض العبارات عن كون إسرائيل عدواً ، إلخ هذه الإسطوانة وكلام الجرائد الذي يضحك به علينا أصدقاء إسرائيل وأحبابها في المنطقة.
لا أعرف بالضبط حجم ما كتبه المؤرخون والباحثون في نفي هذه المقولة ولكن لماذا لا يطل على موسوعة اليهودية والصهيونية للمفكر والأديب الراحل عبد الوهاب المسيري؟
ويستلزم هنا أن نسأل : أين كان زيدان عندما كان المسيري يرأس حركة كفاية ويناضل ضد الدكتاتورية؟
أما إذا أراد اختبار نظريته على الواقع فليذهب الى مخيمات الشتات المتواجدة حول فلسطين وليواجه حملة المفاتيح من كهول فلسطين الذين اقتلعوا من بيوتهم بالقوة وشردوا بسبب مقولة الحق التاريخي، وليحاول إقناعهم أن اللوم يقع عليهم فليس لهم حق في بيوتهم وأراضيهم.
تظهر شخصية يوسف زيدان في معرض رده على سؤال يتعلق برد إبراهيم نصرالله عليه. فقد اكتفى بالقول إن نصر الله هو فنان تشكيلي بينما هو أستاذ فلسفة وخبير مخطوطات ، وأن نصرالله فلسطيني ومنافس له على الجوائز التي تعطيها بعض الهيئات للرواية العربية.
وهذه النظرة الإستعلائية تثبت مدى ضحالة الفكر السياسي للروائي يوسف زيدان. فهو لم يكلف نفسه عناء مناقشة الأفكار الواردة في رد نصرالله.
من الممكن إطلاق صفة ( كتبة الفرعون) على بعض الذين يجيدون حرفة الكتابة ، وبتعبير أبسط فهم مثقفوا الطبقة الوسطى الذين يعيشون في برج عاجي، لا يمتلكون روح الشعب وتنقصهم النظرة الشمولية المستلهمة من ماض عريق لتصور مستقبل أفضل.
ما أشد حاجتنا الى كتاب مثل غابرييل غارسيا ماركيز يهاجمون الدكتاتورية ويشعرون بالفقراء والمستضعفين.
ولا يمكن أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونقفز على حقائق واضحة، فعلتها السلطة الفلسطينية التي طبقت أفكار زيدان فتلاعب بها عدوها فوصلت الى الدرك الأسفل من الخيانة.
إرسال تعليق