السبت، 12 سبتمبر، 2015

من حذاء «منتظر الزيدي»… إلى نصف سؤال «مقداد الماجري»… حديث في المهنة!

سليم عزوز
لم يكن غريباً على إنقلاب عسكري، تزعجه فتاة تعاني من إعاقة في إحدى قدميها، هي إسراء الطويل، فيتهمها بمحاولة قلب نظام الحكم، أن يهزمه «نصف سؤال» من الصحافي التونسي «مقداد الماجري»، فينسحب رئيس الحكومة من المؤتمر الصحافي، وتقيم فضائيات الثورة المضادة حفلة ليلية صاخبة للفت الأنظار عن العورات التي تبدت للناظرين!
لقد أصبح هذا المؤتمر موضوعاً للحديث انتقل على أثره لأن يكون المؤتمر الصحافي لرئيس حكومة الإنقلاب ومضيفه التونسي، هو أحد المؤتمرات الصحافية التي تمثل علامة، مثل مؤتمر الرئيس الأمريكي بوش الإبن في العراق، الذي وصلته خلاله رسالة من الصحافي العراقي منتظر الزيدي تتمثل في حذائه الطائر. ومؤتمر عبد الفتاح السيسي وخالته ميركل في ألمانيا، ونجمته الصحافية المتدربة «فجر العادلي»!
وكان يمكن لمؤتمر إبراهيم محلب أن يمر في هدوء في تونس، لو كان الرجل سياسياً، فينتظر «مقداد» حتى يكمل سؤاله عن الفساد الخاص بقضية القصور الرئاسية والمتهم فيها محلب، على حد قول الصحافي، ورداً سياسياً من نوع أنه لم يكن متهماً في هذه القضية سينهي الموضوع. مع أن «شركة المقاولون العرب» التي كان يترأس مجلس إدارتها إبراهيم محلب، قد سهلت للمخلوع وأهل بيته نهب أموال الدولة في هذه القضية، لكن كان واضحاً أن محلب يمتلك حماية خاصة داخل المجلس العسكري، حالت دون توجيه الاتهام له!
«مقداد الماجري» داس على «اليد الموجوعة» لرئيس حكومة الإنقلاب، فتحسس بطحته بيده الأخرى، ثم انسحب، ولم يكن المؤتمر ضمن اهتمام المصريين، فلو اقتصر الأمر على الإنسحاب فلم يكن قد وصلنا نبأ ما جرى، لكن برامج «التوك شو»، التي تقوم عليها الأذرع الإعلامية لقائد الإنقلاب، تصرفت كالدبة التي قتلت صاحبها، وصدقت ما قاله المتحدث باسم حكومة محلب من أنه لم ينسحب من المؤتمر، فكان هذا النفي سبباً في ذيوع فيديو المؤتمر ليرى الجميع صاحبهم منسحباً، بدون استئذان، وبدون إعلان من الطرف المضيف بأن المؤتمر انتهى، وهذا من التقاليد، ورأينا كيف أن ميركل هي من قامت بالخبط على ظهر عبد الفتاح السيسي لتخبره بانتهاء المؤتمر، حفاظاً عليه من الإحراج، الذي تحقق رغم الانسحاب!
فمحلب ضيف ولا يجوز بروتوكولياً للضيف أن ينهي المؤتمر، إلا إذا كان المؤتمر لم «ينتهي»، وأن الرجل وجد لديه حاجة ماسة لقضاء الحاجة في الخلاء!
إنه إخواني
رواج فيديو الانسحاب، دفع الدببة لأن يجهزون على صاحبهم فانطلقوا يتهمون «مقداد» بأنه إخواني، ويعمل في فضائية إخوانية، ففي دوائر الإنقلاب فإن كل المصائب لا بد وأن يقف الإخوان وراءها، فإذا طلبت زوجة إنقلابي منه الطلاق فلا بد أن يكون الإخوان وراء ذلك، لذا فقد ظن الدببة أن وصف الصحافي التونسي بالإخواني الذي يعمل في فضائية «الزيتونة» الإخوانية، يمكن أن يطوي الملف، ويصبح هروب محلب مبرراً، وهو الهروب الذي مثل فضيحة يتغنى بها الركبان!
أحد الدببة، قال في برنامجه إنه يعرف الأمن التونسي جيداً، في إشارة لقوته ويقظته، وتساءل عن السبب وراء السماح لهذا الصحافي الإخواني بحضور المؤتمر؟! وهو أمر كاشف عن الطبيعة الأمنية التي تسيطر على الفتى، ذلك بأن الأصل في المؤتمرات الصحافية أن يحضرها الصحافيون بغض النظر عن الإنتماء السياسي لكل منهم، والمنع هذا سلوك ينتمي للأنظمة الإنقلابية والدول البوليسية!
وهكذا، فبدلاً من أن يشعر القوم بالعار، لأن صحافي بنصف سؤال أظهر الإنقلاب العسكري في مصر بهذا الهوان والضعف، ذهبوا يبررون أمام زحف السؤال. والغريب هو ما قالوه من أنه يعمل في قناة لا يشاهدها أحد!
لا بأس، فقد عرف الناس خارج تونس بإعلامي اسمه «مقداد الماجري»، وعرفوا قناة «الزيتونة»، التي لم أكن أعرفها وأنا المنشغل بالنقد التلفزيوني، وقد كان ما جرى سبباً لأن أسأل هل هي قناة إخوانية فعلاً؟ فقيل لي إنها تدور مع الثورة حيث دارت، وكذلك الأمر بالنسبة لمقدم البرامج بها زميلنا المذكور، وهي قناة فقيرة ومعرضة للإغلاق لضيق ذات اليد، لكن سبحانه وتعالي يضع سره في أضعف خلقه، فلم يكن من هزم الإنقلاب بنصف سؤال، يعمل في الـ «سي أن أن»، فربما وقتها سمعنا من إعلام الثورة المضادة، أن مجلس إدارة العالم، وهو من اختراع تامر ابن أبيه، اجتمع لإحراج إبراهيم محلب، وأن اوباما وبتحريض من شقيقه الإخواني من يقف وراء النصف سؤال الذي طرح!
الإنقلاب العسكري في مصر يعلق فشله في البر والبحر على شماعة الإخوان، لذا كان الاتهام لـ «مقداد» بأنه إخواني، ولم يكن هو موفقاً في رد الإتهام عن نفسه، لأنه بالفعل ليس إخوانيا، ولعدم وعيه بتفاصيل الأمور في مصر أضحك الثكالى وهو يصيح عبر شاشة «الجزيرة مباشر»، باستدعاء عبارة مستهلكة: «لست إخوانيا ولكنهم إخواني»، وهي عبارة جرى ابتذالها على نحو جعل من الهاجس الأمني يفسرها بأن من يرددها هو بلا شك «إخواني» يكتم إخوانيته.
لست منهم
هذه العبارة هي تطور لعبارة أخرى كان يقولها الكائن الإخواني قبل الثورة: «لست من الإخوان ولكني أحبهم في الله»، وكان هذا إعلان بأن من ينفي هو عضو في التنظيم وإن أقسم على الماء فتجمد، وبعد الثورة كان كثيرون يعلنون أنهم من الإخوان، رغم أنهم ليسوا منهم، وأحدهم كان لا يكف عن الهجوم علي أنا عندما انتقد القوم، بتجاوز عندما كان يقول إنني أهاجمهم لأنني كنت انتظر أن يحققوا أمنيتي فأكون نائباً على قوائمهم.. الآن أطالع صفحات هؤلاء المتطاولين السابقين على مواقع التواصل الإجتماعي فأجد أذكاراً ونحو ذلك!
من تكرار مقولة «لست إخوانيا ولكنهم إخواني»، على لسان كثيرين، خشيت أن نكتشف في يوم ما أنه لا وجود لأحد إخواني، وقد يفاجئنا المرشد العام للجماعة بإعلانه «لست إخوانيا ولكنهم إخواني»!.
ولم يكن هذا فقط ما يؤخذ على «مقداد الماجري» في مشاركته على «الجزيرة مباشر» فقد ظهر مشحوناً ويمتلئ بجرعة غضب دفعته لأن يخسر كثيرا من جماهيريته، فهاجم مصر بدلا من أن يهاجم الإنقلاب، وهاجم إعلامها الذي وصفه بالدعارة، دون أن يخصص أن هذه الدعارة ليست شأناً مصرياً ولكنها إفراز للثورة المضادة، ثم إن مصر ليست فقط التي اختزلها في لحظة كان فيها التونسي الخضر حسين شيخاً لأزهرها. وهو الجزائري الأصل والذي عاش في تونس وتخرج في جامع الزيتونة.
لكن من الواضح أن هذا إنتاج حالة الشحن التي يعيشها من جراء حملة الإبادة الإعلامية التي استهدفته، ولو فكر وقدر لوقف على أن هذه الحملة هي لأنه أوجع الإنقلاب العسكري بنصف سؤاله، ولظهر أكثر هدوءاً ولما مثل أداؤه صدمة. وليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
اللافت، أن فضائيات الثورة المضادة، لم تنظر للأمر من باب المهنية، فقد كان حذاء «منتظر الزيدي»، يخالف تقاليد وأعراف المؤتمرات الصحافية بالنظرة المهنية المجردة، لكنه في المقابل كان عملاً وطنياً شجاعاً بامتياز في مواجهة هذا المستعمر. أما في أزمة مؤتمر السيسي وخالته ميركل، فقد كانا هما من خرج على تقاليد المؤتمرات عندما لم يلتفتا لسؤال «فجر العادلي» فكان هذا دفعاً لها للانتقال من الصحافة للسياسة، ومن المهنة إلى الثورة، لكن في حالة «مقداد» فقد كنا أمام سؤال مهني بامتياز ولم يخالف الأعراف المهنية عندما طرحه، فمن خرج عليها هو من انزعج من مجرد سؤال لم يكتمل وغادر المؤتمر!
الملاحظ، هو أن بعض مقدمي برامج «التوك شو» في فضائيات الإنقلاب، أظهروا جهلاً بطبيعة عمل الصحافي، فقد لاموا «الماجري» واتهموه بالخروج على أعراف الضيافة وتقاليد المهنة، وهذا كاشف عن عدم وعي بدور الإعلامي فهو ليس موظفاً بالعلاقة العامة بالحكومة، كما أنه ليس نادلاً في فندق، دوره حسن استقبال الزبائن!
ليس على «سفرجية» الإنقلاب العسكري أن يحددوا طبيعة عمل الإعلامي «مقداد الماجري»!
إرسال تعليق