الاثنين، 20 يوليو، 2015

بلال فضل يكتب: طبيب الفاشيست


لماذا لا يبدو مسؤولو أجهزة الدولة المصرية مؤمنين بقدرات عبد الفتاح السيسي الخارقة، مثلما يؤمن بها، هو وسائر الذين اتبعوه ونصروه في ساعة التفويض؟
تدرك ذلك، حين يدعو شيخ منفعل على الظالمين والقتلة، فيمنعه مسؤولو "الأوقاف" من إمامة المصلين، ثم يمنعه مسؤولو "الداخلية" من السفر، من دون أن يدركوا أنهم يلفتون أنظار العالم بأسره، إلى أنك يمكن، في مصر، أن تدعو في سرك فقط، على أي قاتل أو ظالم. أما إذا دعوت بذلك جهرا، فأنت تقصد قطعا رئيس الجمهورية الذي يعرف الكل، بمن فيهم رجاله المخلصون، أنه قاتل وظالم. حينها يتجاوز الأمر، كون أولئك المسؤولين أغبياء، فالغباء في مصر ذنب مغفور، إن اقترن بالولاء الأعمى، وما ينبغي أن يغضب السيسي، ليس قرارات مرؤوسيه الغبية، بل عدم إيمانهم بقدراته وخوارقه، فلو أنهم آمنوا به وعرفوا كنه خوارقه، لاتبعوه حق اتباعه، ولتركوا أي شيخ كان، يصعد أعلى مئذنة في مصر، ليدعو على السيسي باسمه واسم والديه، إن أراد، ليرى أهل المحروسة حينها كيف ترتد تلك الدعوات في نحر داعيها، ويلاً وثبوراً وخيبة بالويبة.
بل دعني أقل لك إن مسؤولي الأوقاف والداخلية، لو تركوا الأمر للسيسي ذات نفسه، لألفوه يذهب بمفرده، إلى جامع عمرو بن العاص، ليمسك بذقن شيخه الداعي محمد جبريل، ويصعد به إلى أعلى مآذن المسجد، ثم يرفع ذقنه إلى السماء، ويهتف فيه: "إدعي يا جبريل.. إدعي يا سيدي.. إدعي وهات آخرك في الدعاء.. إدعي وفرج الناس على خيبتك يا جبريل الأرض.. عشان جبريل السماء يعرفك مقامك"، ولما كان السيسي، إن فعل ذلك مبالغا في ثقته، ولا مغاليا في يقينه، فهو يعرف جيداً، كما يبدو جليا من خطاباته، أن عدالة السماء لم تتنزل على الأرض، فيما يخص (المسألة المصرية)، إلا مرتين: الأولى حين استنزلها (الكابتنان) محمود بكر ومجدي عبد الغني على إستاد باليرمو الدولي عام 1990، والمرة الثانية حين هتف هاتف الأوميجا به في منامه: "يا عبد الفتاح: لك ملك مصر، وهذه أنهار الدم تجري من تحتك، فخذها بقوة، ولا تخف من داعٍ أو ناعق، وقل للناس إن قادة العالم وفلاسفته، يأخذون رأيك في سائر شأنهم، فمن كان السلاح معه، صدق الناس أن الله معه، وإن كذّب ذلك كل ما حولهم، فالرهبوت خيرٌ من الرحموت، ومن امتلك طرف سلك الكهرباء العاري، كان أقدر على إقناع العقول من موسوعات الفلسفة، بل وصار للفلاسفة طبيبا، حتى وإن كانت فيه كل العِبَر".
لكن، يبقى السؤال: لماذا لا يؤمن مسؤولو دولة السيسي بقدرات قائدهم، كما يؤمن بها الملايين من أبناء شعبه، على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية، دعك مما يقوله هؤلاء المسؤولون في وسائل الإعلام، حين يتغنون بعبقرية السيسي وقدراته الخارقة، فلم يكن سيكون أداؤهم على الأرض كما ترى، لو كانوا يؤمنون حقا، بما يؤمن به أنصار السيسي، الذين يوقنون أنه الأسد الكاسر الذي أنقذ مصر من الضياع والضباع، وقهر أميركا بجلالة أسطولها السادس، ورمى قائده في غيابة الجُبّ، وروّض مستشارة ألمانيا، أنجيلا ميركل، التي دوّخت قادة العالم، فدوخها هو بنظراته الملغزة، وجعل قادة العالم وفلاسفته يدمنون خاصية "الويتينج"، وهم ينتظرون رده عليهم، ليستشيروه فيما غمُض عليهم من شؤون الدنيا، التي أوتي الكثير من علمها الّلدُنيّ، فكيف لمن نال هذا الفيض من الكرامات والانتصارات، أن يخيفه دعاء شيخ طائش، أو تهز جبل دولته هتافات شراذم تكفر به؟
لو أدرك رجال السيسي كرامات قائدهم حق إدراكها، لما امتدت أياديهم بالقتل والأذى والبطش، إلى كل من يراه عاريا، عن كل الأوهام التي يسبغها عليه أنصاره، ولأسلموا أمر تلك الشرذمة القليلة لبطش السماء، التي منحت مقاليد أرض مصر للسيسي، إلا إذا كان مسؤولو دولة السيسي، بحكم قربهم من بواطن الأمور ومكامن المصالح، يعرفون أن قائدهم مثلا يكذب في كل ما يدعيه من قدرات ومهارات، وأنهم من أجل بقاء مصالحهم، التي تحميها طريقته العتيقة في الحكم، محتاجون لحمايته بالحديد والنار اللذين لا يملك غيرهما، من دون أن يفرقوا، في البطش الأخرق، بين فتاة عشرينية وقفت دقائق في مظاهرة، أو شيخ فك عن نفسه بدعوتين، أو شاب كان لديه أمل أن يعود بعد صلاة العيد ليمنح العيدية أو ينالها.
لو آمن رجال السيسي بكراماته وفتوحاته، لتوقفوا عن خنقه بالحراسات اللصيقة، وخلّوا بينه وبين من لم يؤمنوا به، ليريهم عجائب قدرته، التي تليق ببلد يعتقد سائر أهلها، أن الله خلق بلاد الدنيا، لكنه تعهد بحراسة بلادهم، دونا عن كل بلاد الدنيا
إرسال تعليق