الجمعة، 10 يوليو، 2015

محمد سيف الدولة يكتب : ماذا لو كان المسيرى بيننا ؟

كثيرا ما كنت أتساءل، عن موقف ومصير الدكتور عبد الوهاب المسيرى لو كان قد امتد به العمر حتى يومنا هذا ؟
واليوم أعيد طرح ذات السؤال، بمناسبة حلول الذكرى السادسة لرحيله فى 3 يوليو 2008
***
لقد كان المفكر الوطنى العروبى الاسلامى الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيرى، واحدا من أهم المناضلين المصريين والعرب فى مواجهة الصهيونية ومشروعها وكيانها وأفكارها وعنصريتها وإرهابها، وفى مواجهة الاستعمار الغربى الذى أفرزها و أسسها ودعمها ورعاها.
فهو صاحب السفر العظيم؛ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية بالإضافة الى عشرات الكتب والمؤلفات فى قضية الصراع العربى الصهيونى منها على سبيل المثال وليس الحصر:
· الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذجٌ تفسيريٌّ جديد
· الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية
· الاستعمار الصهيوني وتطبيع الشخصية اليهودية
· العنصرية الصهيونية
· هجرة اليهود السوفييت
· الإدراك الصهيوني للعرب والحوار المسلح
· من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية
· انهيار إسرائيل من الداخل
· الصَّهيونية والعنف من بداية الاستيطان إلى انتفاضة الأقصى
· الأكاذيب الصهيونية من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى
· اليَدُ الخفية: دراسةٌ في الحركات اليهودية الهدَّامة والسرية
· الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة
· في الخطاب والمصطلح الصهيوني 
· مقدمةٌ لدراسة الصراع العربي- الإسرائيلي: جذورُه ومسارُه ومستقبُله
· الأيديولوجية الصهيونية
· أرض الميعاد
· نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفـكر الصهيوني
· أسرار العقل الصهيوني
· من هو اليهودي؟
· التجانس اليهودي والشخصية اليهودية
· البروتوكولات واليهودية والصهيونية
***
وكان له أيضا اجتهاداته وابداعته الهامة فى مواجهة الفكر الاستعمارى والتغريب والنظرة العنصرية الاستعلائية فى الفكر الغربى، ومن أهم مؤلفاته فى ذلك هو كتاب "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة" بالإضافة الى كتب أخرى منها :
· العالم من منظور غربي
· العَلمانية تحت المِجْهر
· دفاع عن الإنسان
· الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان
· إشكالية التحيز: رؤيةٌ معرفيةٌ ودعوةٌ للاجتهاد.
· رحلتي الفكرية ـ في البذور والجذور والثمار
· دراسات معرفية في الحداثة الغربية
· الحداثة وما بعد الحداثة
· الإنسان والحضارة والنماذج المركَّبة
· قضية المرأة بين التحرُّر والتمركز حول الأنثى *فكر حركة الاستنارة وتناقضاته
***
لكن أهم ما كان يميز عبد الوهاب المسيرى عن كثير من المفكرين، هو انخراطه المباشر فى ميدان العمل السياسي والنضال الميدانى، فلقد كان المنسق العام لحركة كفاية، فى أوج اصطدامها مع نظام مبارك، وقبل رحيله ببضعة شهور تم اختطافه هو وزوجته وآخرينأثناء وجودهم في مظاهرة بميدان السيدة زينب الخميس 17-1-2008 في ذكرى مرور 21 عاما على الانتفاضة الشعبية التي اجتاحت مصر في 17 و18 يناير 1977 احتجاجا على رفع الأسعار واتجاه الدولة في ذلك الوقت لالغاء دعم السلع الاستهلاكية الرئيسية مثل رغيف الخبز(ما أشبه اليوم بالبارحة)،
والتى قال عنها المسيرى انه (( أثناء المظاهرة قاموا بإلقاء القبض علينا، ووضعوا كل مجموعة في سيارة تحمل لوحة مدنية، وتوجهوا بنا إلى الصحراء برفقة رجال أمن يرتدون ملابس مدنية، كنت مع زوجتي، وتم وضعنا في سيارة انطلقت بنا إلى الصحراء. وعندما حاولنا أن نستفسر منهم عن الجهة الذاهبين إليها رفضوا الادلاء بأي أقوال. سارت بنا السيارة زهاء الساعتين في طريق الاوتوستراد خارج القاهرة، لست متأكدا ما إذا كان مؤديا إلى السويس أو الاسماعيلية. وفي العراء بمنطقة صحراوية خالية تماما على الطريق السريع تركونا. سألنا الضابط وعرفنا أنه برتبة "مقدم": أين نحن وكيف سنعود، ضحك ولم يجب ثم انطلقوا بسيارتهم عائدين))
***
ولذلك لا اشك لحظة فى أنه لو كان قد امتد العمر بالمسيرى لكان فى طليعة الثوار فى يناير 2011، ولوجدناه مفترشا أرض التحرير على امتداد أيام الاعتصام الثمانية عشر، وربما كان سينجح فى سد ثغرة هامة بين أطياف القوى السياسية، حيث كان محل تقدير واحترام من الجميع على اختلاف مرجعياتهم وتياراتهم، وكان شخصية جامعة، تجد فى صالونه الثقافى الذى كان يعقده فى منزله، خليط متنوع من الشخصيات العامة من اليسار والقوميين والاسلاميين والليبراليين. وكان يجيب مازحا عن من يسأله عن هويته الفكرية بمقولته الشهيرة(( أنا ماركسى على سنة الله ورسوله))
وربما كان سيلعب دورا محوريا، فى تصحيح كثير من الأخطاء والانحرافات المبدئية والسياسية والأخلاقية التى ارتكبها الجميع بدون استثناء.
***
وحين يتساءل المرء ماذا كان من الممكن أن يكون موقعه اليوم بعد مرور اكثر من ثلاثة سنوات على الثورة، فيما لو كان قد كُـتِبَ له أن يظل بيننا حتى اليوم ؟
فأظن انه كان على الأغلب سيكون معتقلا أو مسجونا مع قيادات حزب الوسط الذى اختار المسيرى أن ينضم اليه فى سنواته الأخيرة.
وان لم يكن لذلك، فلأسباب أخرى متعددة؛ فالمسيرى ومن واقع مواقفه ومؤلفاته وأفكاره، لم يكن من الممكن أن يصمت على مبدأ اجتثاث اى من تيارات الأمة، ومنها التيار الاسلامى الذى كان يعتبر أحد مفكريه.
ولم يكن من الممكن أن يصمت على أعمال القتل والاعتقال والتعذيب وأحكام الاعدام والمؤبد ومصادرة الحريات والحق فى التظاهر،
والمسيرى الذى طالما تصدى للزيف والضلال والمراوغة فى الخطاب الغربى الاستعلائى والصهيونى العنصرى، لم يكن ليصمت أبدا على حملات التزييف و التضليل و التشويه و الاعلامى لكل خصوم السلطة السياسيين، بل كان على الاغلب سيكون فى مقدمة ضحياها،
والمسيرى الذى كتب مقال بعنوان "الفيديو كليب والجسد والعولمة" ينتقد فيه ما وصلنا اليه من ابتذال ، لم يكن ليتحمل السكوت عن "فرة" الابتذال و النفاق والانتهازية والرقص السياسى التى ضربت مصر فى الشهور الأخيرة.
فمن المستحيل أن يقبل من هم مثل المسيرى وفى مكانته، أن يكونوا جزءا من منظومة الاستبداد، أو من خدامه وحوارييه، أو جزءا من إعادة انتاج نظام مبارك بعد تحديثه.
كما لم يكن من الممكن أن يساير أو يصمت على ما يدور الآن من شيطنة الفلسطينيين وحصارهم واتهامهم بالإرهاب.
أو أن يقف فى صف النظام الذى ينسق على قدم وساق مع اسرائيل لمواجهة المخاطر المشتركة وتحقيق الأمن المصرى الاسرائيلى الامريكى المشترك.
***
ولن يكن عمره سيشفع له، فها هو الشيخ المسن المستشار الجليل محمود الخضيرى معتقلا، وهو واحد من أهم رموز ثورة يناير، ورموز حركة استقلال القضاء فى مواجهة نظام مبارك.
ولم يكن مرضه العضال أو حالته الصحية لتشفع له أيضا، فلدينا مئات من المعتقلين اليوم، يعانون من أخطر أنواع الأمراض، وها هو محمد سلطان على شفا الموت بسبب إضرابه عن الطعام رفضا للظلم الذى تعرض له، ولا حياة لمن تنادى.
ولم يكن من الممكن للمسيرى الذى انتصر فى آخر كتاباته للانسان والانسانية أن يقف صامتا فى معارك تستهدف اجتثاث الانسان والانسانية.
***
وربما من رحمة الله عليه، انه لم يعش ليرى هذا الانشقاق الهائل الذى ضرب الحركة الوطنية المصرية، ضربها الى حد التفويض بالقتل.
*****
القاهرة فى 6 يوليو 2014
إرسال تعليق