الثلاثاء، 19 مايو، 2015

المفكر القومى محمد سيف الدولة يكتب: لا تغتالوا سلمية بوعزيزى

حَرَّقَ بوعزيزى نفسه ولم يحرق الشرطية التى صفعته.
***
ماذا فعل محمد بوعزيزى ايقونة الربيع العربى التى فجرت مأساته الثورات العربية، حين تلقى صفعة من الشرطية التونسية فايدة حمدى؟
حاول ان يشكوها الى رؤسائها فسخروا منه، واستخفوه به، وأصابوا كبرياءه وكرامته فى مقتل.
ومع ذلك وفى قمة غضبه وحنقه، لم ينتقم منهم. لم يرفع يده على اى من رجال السلطة. لم يحرق "فايدة حمدى" أو يعتدِ عليها، او يرد لها الصفعة. لم يصنع عبوة ناسفة. لم يمارس الارهاب ضد النظام او الدولة.
بل قرر ان يحرق نفسه. وكأن لسان حال يقول: مهما فعلتم معى فلن أؤذيكم، وان قتلى لنفسى أهون عندى من استخدام العنف ضدكم.
لا يوجد دلالة اكثر من ذلك على سلميته.
هكذا كان بوعزيزى وهكذا أيضا كان كل من سار على دربه.
***
بدأت ثورات الربيع العربى، ثورات شبابية سلمية، تكره العنف، يتبارى شبابها فى الشجاعة والإقدام والتضحية، بدون ان يفكروا لحظة واحدة فى ايذاء أحد، حتى لو كانوا من رجال الشرطة الذين يضربوهم ويعتدوا عليهم بالهراوات والغاز والخرطوش ويقنصوهم بالرصاص الحى.
اختاروا التجمع، فى ميادين التحرير، عُزَّل، أسلحتهم هى التظاهرات والاعتصامات واللافتات والشعارات والهتافات ومكبرات الصوت.
اعتصموا فى مكان مفتوح، وهم يدركون جيدا انهم هدف سهل لقوات النظام، فيما لو ارادات ان تقصفهم أو تقتلهم.
لم يعتدِ الشباب على الشرطة الا فى حدود الدفاع عن النفس؛ الحجارة فى مواجهة الغاز والخرطوش وموقعة الجمل.
كان الذى حمل السيوف والخناجر هم ميليشيات النظام السرية من البلطجية و"المواطنين الشرفاء".
أما الهجوم على أقسام الشرطة، وفتح السجون، وإطلاق اللصوص والبلطجية على المنازل، كل ذلك كان من تدبير "الطرف الثالث" فى الساعات الاولى للثورة، كواحدة من خطط الطوارئ المعروفة والمعتمدة والمعدة سلفا، والتى تُدَّرس للمبعوثين الامنيين المصريين فى دورات التدريبات بالمعاهد والكليات العسكرية الامريكية. وكذلك كل ما تلاها من احراق للكنائس والانفلات الامنى المقصود الناتج عن اضراب غير معلن من رجال الشرطة. و تعطيش الأسواق بهدف شيطنة الثورة شعبيا...الخ
***
لم تُقَدِّر الدولة سلمية الثورة أو تحترمها، ولم تعامل الثوار بالمثل. بل غدرت بهم؛
فإدعت فى العلن تأييدها للثورة والثوار ونزولها على رغباتهم وتنفيذها لبرامجهم وأهدافهم، والتزامها بحمايتهم وعدم الاعتداء عليهم.
أما فى الخفاء ومن وراء الكواليس، فشرعت فى الانقضاض على ثورتهم وخداعهم والعمل على تفريق صفوفهم وتصفيتهم، قنصا او قتلا او اعتقالا او اختراقا واحتواءً.
ان عمليات القتل لم تتوقف، منذ اللحظات الاولى للثورة؛ يشهد على ذلك شهداء يناير وموقعة الجمل ومحمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو والعباسية وبورسعيد ... ثم فيما بعد الحرس الجمهورى والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس وسيارة ترحيلات ابو زعبل واستاد الدفاع الجوى...الخ
***
ورغم كل هذا القتل المنهجى، رفض الشباب مرة أخرى اللجوء الى العنف، وردوا بمزيد من المظاهرات والاعتصامات السلمية.
وردت الدولة مرة أخرى بالاعتقال وبمزيد من القتل وبتخوين الجميع أو اتهامهم بالإرهاب!
رغم ان الارهابيين لا يتظاهرون او يعتصمون، ولا يرفعون اللافتات والشعارات وانما البنادق والمفرقعات، ولا يؤسسون احزابا أو جبهات، ولا يشاركون فى الانتخابات، ولا يصدرون الصحف، ولا يظهرون فى المنابر الاعلامية، وليس لهم حسابات حقيقية على وسائل التواصل الاجتماعى، ولا يؤسسون تنظيمات جماهيرية، ولا يمارسون اى انشطة علنية، ولا يستسلمون للسلطات حين تذهب لاعتقالهم ......الخ
***
وماذا كانت نتيجة هذا الغدر؟
زرع النظام بيده جرثومة العنف لدى قطاعات من الشباب، زرعه حين مارس القتل والقنص والاعتقال والحظر والظلم والسجن والمؤبد والإعدام بالجملة، وقام بحظر وتجريم التظاهر بما يعنيه ذلك من تجريد بوعزيزى وأشقائه من سلاحهم الوحيد فى مواجهة كل جبروت النظام ومؤسساته.
وكان رد الفعل الطبيعى والمتوقع أن بدأت تتشكل جماعات من الناس اخذت تزداد يوما بعد آخر، من اهالى الشهداء والمعتقلين وأصدقائهم ورفاقهم وجيرانهم ومعارفهم والمتعاطفين معهم، جماعات لم تعد تحتمل استبداد السلطة وظلمها وعنفها، وأصبحت تتساءل عن جدوى السلمية، وتعبر عن تفهمها لمشاعر ودوافع منتهجى العنف والارهاب، وربما تتعاطف معهم فى كثير من الاحيان.
وظهر منهم من يشككك فى البيانات الرسمية عن العمليات الارهابية، ويتهم الدولة بتدبيرها لتبرير قبضتها البوليسية وإجراءاتها الاستثنائية، مستشهدة بتجارب وسوابق تاريخية مصرية وعالمية.
ويتهمها بأنها تسد كل منافذ الحرية والعدل لكى تستدرج خصومها الى العنف وحمل السلاح، وتزرع الخوف بين الناس لتدفعهم للاحتماء بها ومباركة استبدادها والاعتراف بشرعيتها وفرض سطوتها.
لقد اصبحنا نجد صعوبة تتزايد كل يوم فى اقناع هذا الشباب بأهمية الحفاظ على السلمية وبضرورة ادانة العنف والإرهاب.
فحين نطالبهم بإدانة اى عملية ارهابية،
يردون بأن النظام حرق كل القنوات والوسائل الشرعية والسلمية للكرامة والحرية والعدل والعدالة والتغيير.
او يردون بان الدولة هى من دبرتها.
فنسألهم هل هذا كلام معقول؟
يردون بان من ارتكبوا كل هذه المذابح على امتداد اربع سنوات بدم بارد، يمكنهم ان يقتلوا جنودهم أيضا بدم بارد، فى سبيل تثبيت سلطتهم وسلطانهم.
الى هذه الدرجة اصبحت الصورة سوداء فى عيون كثير من الشباب.
***
فى البداية كانت العمليات الإرهابية، محدودة ومحصورة فى سيناء، ومدانة من الجميع. اما اليوم فلقد اتسعت دوائرها وتعددت عملياتها، وخفتت اصوات ادانتها لدى قطاعات متزايدة من الشباب.
وهو ما ينذر بشر كبير، ما لم يتم تداركه سريعا، بالمراجعة والتراجع عن كل سياسات وقرارات ومحاكمات وأحكام الظلم والقهر والاستبداد وكل منظومة الاجراءات البوليسية والأمنية :
لا تخلقوا حاضنة شعبية للعنف،
لا تستبدوا بالبلاد و العباد، ولا تئدوا حلم المصريين والشباب فى وطن حر وعادل وكريم.
واخلوا السجون من الأبرياء.
ولا تحظروا خصومكم السياسيين، ولا تعتقلوهم أو تسجنوهم، ولا تحاكموهم على آرائهم ومواقفهم وانتماءاتهم السياسية والأيديولوجية.
فان حاكمتوهم فاعدلوا.
فان لم تعدلوا، فلا تحكموا بإعدامهم، فالاعدام السياسى اغتيال خارج القانون.
فان حكمتم بالاعدام، فلا تجعلوه اعداما بالجملة، حتى لا تكون ابادة جماعية.
فان صدرت بالجملة فلا تنفذوها.
فالمنتصر الذى يسجن خصمه المهزوم، لا يعدمه أبدا، حفاظا على السلم الاهلى وتحسبا لتغير الظروف وانقلاب الموازين .
احذروا الغضب الكامن والمكتوم فى الصدور، واتقوا شر المظلوم اذا يأس.
هل رأيتم ما حدث فى سوريا والعراق؟
لا تغتالوا سلمية بوعزيزى.
*****
موضوعات مرتبطة :
إرسال تعليق