26 أكتوبر 2020

" البقاشين" قصة فرعية.. بعد انتفاضة سبتمبر الفلاحية



البقاشين / القليوبية : كارم يحيى

احتج الفلاحون في العديد من القرى على مايوصف بـ" سياسة الجباية الحكومية الفظة وغير المعقولة والمسبوقة" وصولا الى الأعباء المالية والتدميرية لقانون التصالح في بناء بيوتهم. لكن عندما تأخذ طريقك إلى قرية "البقاشين" قليوبية على بعد 65 كيلو مترا من العاصمة القاهرة ستكون قد تيقنت من عديد الحوارات الجانبية مع أهالي القرى بأن أسباب الغضب لاتتعلق بإجراء أو قانون واحد فقط . هكذا هو الحال حتى ولو لم تكن " البقاشين" وما جاورها على خريطة الاحتجاج في الإعلام المحاصر أو الغائب. كما ستدرك وأنت على الطريق أن الصدور محتقنة بما يراه فلاحون استفحال الفساد في المحليات، و المعزز بسطوة القمع باسم سلطة الدولة ورجالها. فساد يتضمن عشرات الحكايات والأسماء لرجال في جهاز الدولة الإداري والأمني يدفع الفلاحون أثمانه غاليه من حياتهم. وأيضا من القليل الذي يملكون .
البقاشين / القليوبية : كارم يحيى
إلى " البقاشين " ذهبت لاستقصاء ما يمكن اعتباره قصة فرعية أو جانبية على هامش ما قد يراه مؤرخون لتاريخ مصر في زمن قادم " انتفاضة سبتمبر الفلاحية" التي انطلقت من الأرض الزراعية ومن شوارع القرى المتربة وبـ " الجلاليب" لتلامس وتستهدف رأس السلطة في البلاد.
و" البقاشين" قرية لم يدخلها الصرف الصحي بعد. لكن عددا من فلاحيها وجد نفسه في صراع اضافي مع سلطة الدولة حول مصير أرضهم الزراعية المحدودة المساحة، وذلك بعدما زرعت وزارة الكهرباء بها حديد وأسلاك أبراج الخط غرب البرلس / سمنود أرقام 354 و 360 و 449 وفق قرار الوزارة رقم 156 لسنة 2018.
الحاج صلاح :
اثبتوا 10 اشجار فقط
على الأرض وفي الحقل بالبقاشين هنا لا تخطئ العين تجريد مساحات من بساتين أشجار الموالح بدعوى النفع العام. وإذا كان أصحاب الأرض لا يجادلون كثيرا فيما جرى لتعب وزراعة عقود من الزمن أبا عن جد تفهما " للنفع العام " وإيمانا بضربة قدر قادمة من القاهرة، لكنهم يشكون من التعويضات غير العادلة ومن التلاعب بالأسماء المستحقة ومن تسجيل أعداد الأشجار المقتلعة وأعمارها .
على الأرض وفي الحقل يوضح أحد هؤلاء المتضررين الحاج " صلاح عبد العزيز حنفي " مالحق بأشجار مثمرة كانت هنا على مساحة أربعة قراريط متضررة من ستة يمتلكها. أتأمل معه وآخرون أثار الأشجار التي كانت وما يعنيه تقدير المسافات بينها. نتأكد بأنها كانت ما بين 80 و 100 شجرة مثمرة. ويقول لي : " الحكومة اثبتت قيراطين فقط.. واثبتت عشرة اشجار.. وادعت أن عمرها أقل من عشرة سنوات.. بينما كان عندي هنا ما لايقل عن 60 شجرة على الأقل عمرها يتجاوز الخمسين سنة ". ويضيف :" عرضوا علينا تعويضا عن كل هذه الأشجار والزراعات مبلغ 15 ألف جنيه. ولم يلتفتوا للدعوى التي رفعتها وثلاثة فلاحون لهم حيازات متضررة مجاورة أمام مجلس الدولة ".

تقريران لهيئة
مفوضي الدولة
هذه الدعوى رقم 8064 لسنة 20 قضائية التي رفعها نيابة ووكالة عن الفلاحين مركز الأرض ومديره المحامي كرم صابر متدوالة وتنتظر جلسه جديدة أمام محكمة القضاء الإداري ببنها يوم 11 نوفمبر المقبل (2020 ) . و المدعون المتضررون هنا الى جانب الحاج صلاح هم : محمد حجازي سليم وصباح جودة عبد الله سعود و عبد الكريم عبد العزيز حنفي ". وكل منهم بدوره لا يتملك إلا عددا محدودا من "القراريط" يعد على أصابع اليد الواحدة. والدعوى مرفوعة ضد رئيس الوزراء و وزير الكهرباء ومحافظ القليوبية ورئيس جهاز مرفق الكهرباء وحماية المستهلك ورئيس الشركة المصرية لنقل الكهرباء. وتدخل هذه الدعوى إلى جلستها المنتظرة وقد أصبح في أوراقها تقريران لهيئة مفوضي الدولة بالقاهرة في نوفمبر 2019 و بنها في مايو 2020. وقد استجابا إلى مطالب الفلاحين المدعين بالحق في تعويض عادل وبأن تتولى المحكمة تقدير تحديد قيمة التعويض. واللافت أيضا أن التقررين أكدا الظلم الواقع على هؤلاء الفلاحين، وما لحق بزراعاتهم من اضرار " فضلا عن شعورهم بالظلم والقهر وتعرضهم لألم نفسي إزاء عجزهم عن مجابهة جهة الإدارة المدثرة بعباءة السلطة العامة ". كما أن التقريرين نبها إلى مخالفة القرار الإداري هذا بالأصل للقوانين من حيث عدم نشر القرار مسبقا في الجريدة الرسمية أو تسجيله في الشهر العقاري .
تقريرا مفوضي مجلس الدولة يرى الحكم بالغاء القرار وما يترتب عليه من آثار . لكن بالفعل وعلى الأرض كيف يمكن الغاء قرار جرى تم تنفيذه واصبح الحال الجديد أمرا واقعا ؟ . ولعل ما يتبقي ممكنا من التقريرين هو : " الزام الجهة الإدارية بأن تدفع للفلاحين المدعين التعويض الذي تقرره عدالة المحكمة والجابر للأضرار المادية والأدبية التي لحقت بهم وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام جهة الإدارة بالمصروفات " التي تكبدها الفلاحون المتضررون أمام المحاكم.
تناقضات الأوراق
الرسمية وألغازها
بالعودة الى معاينة الأرض وقراءة الأوراق معا يلفت النظر أن قائمة المتضررين هنا بقرار وزارة الزراعة الصادر رقم 156 الصادر في 4 يونيو 2018 تضمن ستة أسماء. و هم إلى جانب الحاج صلاح شقيقه عبد الكريم عبد العزيز سليمان و أيضا : محمد حجازي سليم وصباح جودة عبد الله وعطية محمد المنهي وصلاح فتح الله الغمري . أما " كشف حصر مساحات مزروعات المزارعين المضارين نتيجة أعمال الحفر والتركيبات" الذي جرى الأخذ به في تقرير التعويضات والصادر من وزارة الزراعة وإدارة البساتين / كفر شكر بتاريخ 31 ديسمبر 2019 فقد حدد خمسة أسماء متضررة فقط. وهذا بعدما اسقط تماما "محمد حجازي سليم" وأضاف أسمين من عائلة العمدة المتنفذة ( هما : ورثة فتح الله الغمري و ورثة فتوح الغمري ) . وهكذا جاءت الأسماء الخمسة المقرر لها التعويضات على النحو التالي : صلاح الدين محمد الغمري وعطية محمد المنهى وصباح سالم فتح الله الغمري وصلاح الدين عبد العزيز سليمان وعبد الكريم عبد العزيز سليمان .
لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. لحق بعبد الكريم شقيق الحاج صلاح ما كان من نصيب شقيقه ( عشر شجرات ليس إلا و بتعويض هزيل ). وهكذا كأنه بدوره محل معاقبه مع "صباح سالم" و الأكثر تضررا "محمد حجازي سليم ".فهل لأنهم تقدموا بالشكاوى ورفعوا الدعوى أمام القضاء؟ . والأكثر وطأة ـ ومع معاينة الأرض الزراعية ومدي تضرر ملكيات من وردوا في قرار التعويض وبدرجة قربها من أعمدة الأبراج ـ أن يجرى منح الأسمين الغائبين عن قرار وزارة الكهرباء أعلى التعويضات. وهكذا يتحدد لورثة فتح الله محمد الغمري ( من عائلة العمدة ) 195 ألف جنيه عن مساحة ثلاثة قيراط ومقابل 130 شجرة ( مفترضة).كما يمنح ومن ذات العائلة لورثة فتوح محمد الغمري تعويضا مقداره 126 ألف جنيه عن 84 شجرة ( مفترضة) عن مساحة اثنين قيراط.
*
قبل أن أغادر أسأل الحاج صلاح ( نحو 68 سنة) في حضور ابنه الأكبر عبد العزيز عن كم سنة ستحتاجها شتلات اشجار البرتقال التي غرسها في ارضه عوضا عما اقتلعته وزارة الكهرباء، وقد جاوز عددها الستين، كي تجود بثمارها. يصمت قليلا ويجيب :
" ليس أقل من 15 سنة.. " .
ينظر إلى السماء وكأنه يقول :" .. ويامين يعيش".. فندعو له بالصبر وطول العمر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في 26 أكتوبر 2020 .

ليست هناك تعليقات: