18 أكتوبر 2020

محمد سيف الدولة يكتب: كل هذه العنصرية؟



Seif_eldawla@hotmail.com

حول الأزمة المزمنة التى لم تتوقف على امتداد السنوات السابقة، من قيام شخصيات اوروبية وامريكية بانتاج ونشر افلام او رسومات مسيئة لمقدساتنا، يتلوها أعمال انتقامية فردية من شباب منسوب الى الاسلام، وآخرها ما حدث فى فرنسا، بدءا باساءة الرئيس الفرنسى الى الدين الاسلامى نفسه وليس الى المسلمين، ثم الاستفزاز الصادر من أحد المدرسين الفرنسيين بعرض رسومات مسيئة للنبى ﷺ على تلاميذه، مما ترتب عليه قيام شاب شيشانى مسلم يبلغ من العمر 18 عاما، بالانتقام منه ذبحا، فى واحدة من تلك الجرائم المماثلة التى عادة ما يتلوها عاصفة من النقد والاتهام والادانة لكل ما هو اسلامى.

نقول:

لا تقتل .. لا تقتل .. لا تقتل

ولكن عليكم أنتم أيضا أن تكفوا عن الاساءة الينا!

***

 فأى اساءة لأدياننا أو لمعتقداتنا أو لرُسُلنا جميعا عليهم الصلاة والسلام، هى عدوان عنصري وطائفي جديد على شعوبنا ومقدساتنا وكرامتنا الوطنية. سواء كنا مسلمين أو مسيحيين.

والعكس صحيح، فان أى اساءة من أى منا على ديانات ومقدسات ومعتقدات الآخرين الدينية، هو عدوان مماثل، يستوجب الرد والردع.

لأن مثل هذه الاساءات والاعتداءات العنصرية والطائفية التى تتسبب فى ايذاء مشاعر مئات الملايين من البشر، لا يمكن ابدا التحكم فى عواقبها أو السيطرة على ردود الافعال الناتجة عنها.

***

ومنذ عقود طويلة لم تنقطع مثل هذه الاعتداءات بكل صورها واشكالها بدءا باحتلال افغانستان والعراق وجرائم سجون ابو غريب ودعم الاحتلال الصهيوني وجرائمه والتمثيل بجثث المواطنين الافغان والتبول على جثثهم واستهداف كل ما هو عربى او اسلامى بعد 11 سبتمبر 2001 التى مازالت محل ريبة وشك الى يومنا هذا. وما زلنا نتذكر جريمة قتل مروة الشربينى فى المانيا وما ذكره محامى المجرم القاتل فى دفاعه بان موكله هو ضحية بيئة عامة معادية للعرب وللاسلام وللمسلمين.

 وانا هنا أتكلم عن العشرين عاما الماضية فقط، فما بالنا بما حدث لنا ولباقى شعوب العالم من جرائم قتل وابادة واحتلال وارهاب غربى استعمارى على امتداد ما يزيد عن خمسة قرون متتالية لم تتوقف حتى يومنا هذا.

***

 هذا بالاضافة الى التحقير الدائم لكل خلق الله فى افلامهم السينمائية ومنابرهم الاعلامية، التى صنعت لكل منا صورة كاريكاتيرية ساخرة مثل المصرى البدائى عند الاهرامات، والعربى والجمل فى الصحراء، والآسيوي الابله، والأفريقي المتخلف ....الخ . ليظل الغرب هو الجنس الارقى والاعلى الوحيد، تمهيدا وتبريرا بطبيعة الحال لحقه المقدس فى السيادة على الجميع واستعمار واستعباد كل بلاد العالم.

انها ذات النظرة العنصرية الاستعلائية التى سادت منذ عدة قرون، لم تتغير الا فى طريقة تناولها وتقديمها بشكل يتناسب مع ظروف كل عصر:

فمنذ ما يقرب من مائة عام، كتب اللورد كرومر المندوب السامى البريطانى واصفا مصر والمصريين والعرب والمسلمين وكل شعوب الشرق: ((ان الدقة كريهة بالنسبة للعقل الشرقى .. والافتقار الى الدقة، الذى يتحلل بالسهولة ليصبح انعداما للحقيقة، هو فى الواقع الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقى.))

أما ((الاوروبى ذو محاكمة عقلية دقيقة؛ وتقريره للحقائق خالي من أى التباس؛ وهو منطقى مطبوع، رغم انه قد لا يكون قد درس المنطق؛ وهو بطبيعته شاك (يشك) ويتطلب البرهان قبل ان يستطيع قبول حقيقة أى مقولة؛ ويعمل ذكاؤه المدرب مثل آلة ميكانيكية. أما عقل الشرقى فهو، على النقيض، مثل شوارع مدنه الجميلة صوريا، يفتقر بشكل بارز الى التناظر. ومحاكمته العقلية من طبيعة مهلهلة الى أقصى درجة. ))

اما لورنس "العرب فكتب فى مذكراته ما يلى (( كان فى نيتى ان اصنع امة جديدة، ان أعيد الى الوجود نفوذا ضائعاً، ان امنح عشرين مليونا من الساميين الأساس الذى يمكن ان يبنوا عليه من فكرهم القومى قصر أحلام ملهما. ولم تكن جميع الأقاليم الخاضعة للإمبراطورية لتساوى لدى صبيا انجليزا واحدا ميتا...))

***

ولقد انتقد "جون هوبسون" فى كتابه "الجذورة الشرقية للحضارة الغربية" نظرة الغرب الاستعلائية عن الشرق وباقى شعوب الارض ، وكيف يضعهم فى مكانة متدينة تبرر استعماره واستعباده لهم : فالعقل الغربى يرى نفسه : ديناميكى وعقلانى وعلمى ومبدع ومنضبط ومنظم وعاقل وحساس وعقلانى ومستقل وعلمى وابوى وحر وديمقراطى ومتسامح وامين ومتحضر ومتقدم معنويا واقتصاديا ...الخ

بينما الشرق وثنى مراهق نسوى منحط اعتمادى لا مبال متخلف وجاهل، سلبي لاعقلاني مؤمن بالخرافات والطقوس ، كسول مشوش غريب الاطوار فطرى أحمق عاطفى ذو توجه جسدى غريب ومنطو ، طفولى وتابع وغير عملى ومُستَعبد ومستبد وغير متسامح وفاسد ومتوحش وغير متمدن ومتاخر معنويا وراكد اقتصاديا .

***

وهكذا يجب ان ندرك ان جرائم الاساءة لديننا ولرسولنا ليست سوى امتداد لثقافة عنصرية حكمت علاقة الغرب الاستعمارى بباقى العالم على امتداد قرون طويلة، وكنا نتصور انها توقفت واندثرت وزالت مع انتشار افكار المساواة وحقوق الانسان التى يملأون بها العالم ضجيجا كل يوم.

وهي ليست مجرد ثقافة وافكار، بل هى مصحوبة باعتداءات عسكرية استعمارية لا تتوقف، على سيادة الأمم والشعوب وكرامتها الوطنية ومقدساتها الدينية.

وحين نواجه هذا العدوان والعنصرية بالرفض والغضب، يشنون علينا حملات تشويه باننا لسنا متحضرين وأننا متطرفين ومتشددين.

فرغم ان كافة الشخصيات والمرجعيات والتيارات الفكرية والسياسية فى بلادنا ترفض وتدين، وعن حق وبصدق، كل أعمال القتل والعنف والايذاء للآخرين التى تصدر من أى شخص منسوب للإسلام، الا اننا دائما ما نرى ان المنابر الاعلامية الامريكية والغربية وتوابعها من المنابر العربية، دائما ما تترك الاعتداءات الاصلية الجارحة والمسيئة لكبريائنا الوطنى والدينى متذرعة بحرية الراى والتعبير، وتركز فقط على ردود الفعل الغاضبة الفطرية، على غرار ما كان يحدث معنا على الدوام، مع كل احتلال او عدوان جديد على مصر او فلسطين او لبنان او العراق او غيرها، لنصبح نحن فى النهاية المعتدون المتخلفون الارهابيون ...الخ.

***

يا ايتها الشعوب الغربية المتحضرة، اننا نتضامن معكم تماما ضد كل من يرتكب اى جريمة قتل أو ايذاء خارج إطار القانون والعدالة القضائية، ولكننا نستحلفكم بأغلى ما تؤمنون به أن تكفوا أذاكم عنا.

*****

17 اكتوبر 2020

ليست هناك تعليقات: