مخاطر خط سكة حديد الحجاز في الوقت الحالي- عامر عبد المنعم

التقسيم الذي كنا نستبعده يجري على قدم وساق، ورسم الخرائط يتم تنفيذه بالقوة، ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالحرب في هرمز يتم تدمير واقتطاع جنوب لبنان، والتوغل في جنوب شرق سوريا لاستكمال ما توقف منذ عام 1948.

بعد صدور وعد بلفور، قدمت المنظمة الصهيونية العالمية مذكرة لمؤتمر باريس للسلام عام 1919، وبها خريطة بتصورها لحدود الوطن القومي المزعوم، والتي تشمل فلسطين التاريخية مضافا إليها أجزاء من لبنان (حتى صيدا) وسوريا (جبل الشيخ وحتى درعا) والأردن (شرق نهر الأردن وحتى خط سكة حديد الحجاز) ومصر (من رفح حتى العريش)، ولكن لم يستطع الانتداب الإنجليزي تنفيذ الخريطة لصعوبات عسكرية وسياسية.

ففي الشمال الخاضع للاحتلال الفرنسي رفض الفرنسيون اقتطاع أجزاء من لبنان وسوريا، وفي الشرق لم يكن لدى البريطانيين القدرة العسكرية الكافية خاصة مع التركيز على مواجهة المقاومة العربية في فلسطين والحفاظ على الحكم الملكي في العراق.

خوفا من الفرنسيين في الشمال وتمدد بن سعود من الجنوب، ولإرضاء أبناء الشريف حسين قرر البريطانيون إنشاء إمارة شرق الأردن، وحسم الأمر في لندن بعد انقسام بين المؤيدين للمطالب الصهيونية والمعارضين لها.

خريطة الحركة الصهيونية كانت البداية وفق الممكن والمتاح في ذلك الوقت في ظل الانتداب، وهي الأقل مساحة بين الخرائط التي توسعت فيما بعد باسم "إسرائيل الكبرى" من الفرات إلى العريش حسب المزاعم التوراتية، ومن الفرات إلى النيل حسب المزاعم الصهيونية.

عامر عبد المنعم
الذي يدفعنا لإعادة التذكير بقراءة هذه الخريطة ما نشر عن إعادة تشييد خط سكة حديد الحجاز، بسبب تداعيات الحرب في هرمز، ونشرت خرائط عن المشروع في تركيا والمملكة السعودية عن نفس المسار القديم.

 بالتأكيد فإن التفكير في بناء خطوط مواصلات جديدة بين الدول العربية والإسلامية، يؤدي إلى تقوية العلاقات والتماسك في العالمين العربي والإسلامي ولكن من الأهمية مراعاة الواقع والمخاطر التي لم تعد خافية.

ففي ظل ما نراه من رسم الخرائط بالقوة وغياب النظام الدولي وضعف الردع والحروب المشتعلة -ومازالت مفتوحة وغير معلوم نهايتها- فليس من المنطقي بناء خط السكة الحديد في ذات المسار الذي كان يمثل الحدود الشرقية للكيان الذي رسمه مؤسسو الحركة الصهيونية لترجمة وعد بلفور على الأرض.

في الصراعات الدولية على الحدود ليس صائبا شق الطرق والممرات والسكك الحديدية على ذات الحدود المرسومة على خرائط الخصوم، التي تخترع حقوقا دينية على الأطماع التي يطالب بها المعتدي خاصة مع ضعف القدرة على الردع.

حسب الخرائط المنشورة، لإعاد تشغيل خط سكة حديد الحجاز، لا يمكن السير في هذا المشروع في الوقت الحالي، وربما يكون مناسبا في وقت آخر عندما تتغير الظروف وتتحقق شروط القدرة والردع.

لو أن هناك ضرورة  ملحة؛ فالتهديد الذي لا يحتاج إلى شرح يقتضي تغيير المسار إلى الشرق بعيدا عن المسار القديم، وبما يجعل من المستحيل على مسعري الحروب أن يهيمنوا عليه بالطريقة التي نراها الآن.

ولو هناك إرادة لتنفيذ المشروع الحالي يجب أن تكون هناك رؤية وخطة لجعل هذا المشروع خطا يحمل معالم القوة والحماية، بل حتى لتطوير الهجوم لمنع تحوله الى خط تقسيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق