أكبر كذبة رُوِّجت عن تاريخ مصر: أن البشموريين كانوا ثوار تحرير!
بحسب ما ورد في عن الكنيسة الأرثوذكسية القبطية، تُعرَف لهجة البشمرة أو البشموريين (Bashmoric) بأنها لهجة لجماعة من بقايا الهكسوس، الذين حكموا الوجه البحري قرابة خمسة قرون. وتشير هذه الروايات إلى أن بقاياهم استقرت في منطقة البشمور، الواقعة بين فرع النيل الدمياطي والبحر الصغير بالقرب من المنصورة. كما تُنسب إليهم خصائص لغوية ولهجية خاصة، منها نطق حرف الراء على هيئة لام، مع إشارات في بعض الكتابات القديمة إلى اختلافات شكلية في الملامح.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: كيف تقوم الآن لجان الكنيسة الأرثوذكسية وأجندات #اقباط_المهجر بتقديم جماعة ذات أصول غير مصرية، ثم يُعاد تقديم تمرداتهم لاحقًا باعتبارها رمزًا للمقاومة الوطنية المصرية؟ بعكس ما وثقته نفس الكنيسة على مدار تاريخها بأنهم من بقايا احتلال خارجي؟
كيف أصبحت هناك، في شمال مصر، في أرض البشمور، واحدة من أكثر القصص التاريخية التي أوضحت كيف يتلاعب أحفاد الخائن المعلم يعقوب، وكيف يعيدون تشكيل سرديتهم وتحريفها حسب المصلحة، وحسب أجندة محاولتهم تقسيم مصر لصالح الخطة الصهيونية. قصة تمرد محلي معقد، تحوّل تدريجيًا في خطاباتهم المعاصرة إلى أسطورة قومية، رغم أن مصادرهم التاريخية تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
أول ما يجب فهمه أن تمردات البشموريين وقعت في أواخر العصر الأموي، ثم في بدايات العصر العباسي، خلال القرنين الثامن والتاسع الميلادي. وكانت مصر وقتها ليست أرضًا محتلة بالمعنى الذي تحاول لجانهم تصويره اليوم. كانت ولاية مستقرة، سكانها مصريون، وإدارتها محلية، واللغات المستخدمة فيها هي العربية المصرية. لم يكن هناك إحلال سكاني، ولا طرد لأهل الأرض، ولا استعمار استيطاني، ولا خطف لكهنة وقساوسة، ولا جلد للمصريين.
حتى تقي الدين المقريزي، الذي يُستشهد به كثيرًا، يذكر في الخطط أن أهل مصر كانوا يعيشون في أمن وسعة من العيش، ويؤدون الخراج كما جرت العادة.
| د.فادي وهبة |
ما حدث لاحقًا أن الدولة مرت بفترة ضعف سياسي. وهو أمر تكرر كثيرًا عبر تاريخ الدول، حين تضغط الأزمات الاقتصادية على السلطة، فتنعكس مباشرة على الناس.
لكن هل خرج أهل بشمور من أجل الوطن؟
محمد بن جرير الطبري يذكر بوضوح أن سبب خروجهم كان هدفه الاستعصاء على عمّال الدولة، وتكدير السلم والنسيج المجتمعي، ومطالبتهم بأرض ملكًا لأحفاد الهكسوس تُستقطع من أرض مصر، كما يحاول أن يفعل اقباط المهجر حاليًا.
ويؤكد ابن تغري بردي المعنى نفسه، حين يذكر أن أهل بشمور خرجوا بعدما امتنعوا وقاتلوا أهل مصر.
إذن، وفق النصوص التاريخية المباشرة، نحن أمام تمرد ضريبي واجتماعي، لا أمام حركة تحرير وطني بالمعنى الذي تُسوّق له لجان الكنيسة الأرثوذكسية اليوم.
لكن النقطة التي يتم تجاهلها كثيرًا: ضد من كان العنف؟
يذكر الطبري أنهم قتلوا أعدادًا كبيرة من المصريين، مسلمين ومسيحيين، ومن بقوا وقتها على ديانتهم المصرية القديمة، وقطعوا الطرق، وأفسدوا البلاد. ويضيف المقريزي أنهم كانوا يغيرون على القرى، ويقتلون من يجدونه، مسلمهم ومسيحهم.
هذا يعني أن العنف لم يكن موجّهًا ضد "جيش احتلال"، بل طال سكانًا مصريين من نفس المجتمع، وعطّل التجارة، وأدخل مناطق كاملة في حالة من الفوضى.
وفي حادثة رشيد، يذكر ابن تغري بردي أنهم دخلوا المدينة وقتلوا من فيها.
مدينة مصرية. سكانها مصريون. والضحايا مصريون.
فهل هذا تحرير… أم تمرد أهلي مسلح خرج عن السيطرة؟
الأكثر إثارة أن موقف الكنيسة الأرثوذكسية القبطية نفسها لم يكن كما يتم تصويره اليوم.
ساويرس بن المقفع يذكر أن أهل بشمور خرجوا عن الطاعة، ولم يستجيبوا لنصح البطاركة.
بمعنى أن المؤسسة الكنسية نفسها لم تتعامل مع ما حدث باعتباره ثورة مقدسة أو مقاومة وطنية، بل باعتباره خروجًا وفوضى.
بل تشير بعض الروايات إلى أنهم اصطدموا حتى مع الكنيسة عندما رفضت دعمهم، خاصة مع انتهاء الدولة الأموية ومحاولة الدولة العباسية الوصول إلى تسوية.
ومع تصاعد العنف، وتعطل الاقتصاد، وسفك الدماء، تدخّل الخليفة المأمون بنفسه لإنهاء الأزمة، بعد أن تحولت المنطقة إلى بؤرة اضطراب تهدد استقرار مصر بالكامل.
أما قصة مينا بن بقيرة، التي تُقدَّم أحيانًا باعتبارها أسطورة بطولية، فهي تكاد تغيب عن المصادر التاريخية الكبرى، ولا يظهر اسمه إلا في إشارات محدودة داخل تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، دون بطولات خارقة، أو معارك أسطورية، أو دور استثنائي كما يُصوَّر اليوم.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية.
المشكلة ليست في وجود هذه النصوص التاريخية، بل في الطريقة التي يُعاد بها توظيفها اليوم لخدمة روايات هوياتية معاصرة موالية لمخطط صهيوني واضح وضوح الشمس، ويتبناه أحفاد المعلم يعقوب من لجان اقباط المهجر. حين يتم اقتطاع حدث معقد من سياقه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ثم إعادة تقديمه على أنه صراع ديني ممتد، أو قصة شعب مضطهد عبر القرون، فنحن لا نقرأ التاريخ… نحن نصنع سردية.
وفي كثير من المحتوى المنتشر اليوم، يمكن ملاحظة الاعتماد على المؤثرات الدرامية، واللغة العاطفية، ومحاولة اللعب على الحس الوطني والديني في وقت واحد. الهدف ليس دائمًا الوصول إلى الحقيقة، بل أحيانًا خلق حالة استقطاب، ودفع الناس لقراءة حاضرهم من خلال ماضٍ مُعاد تشكيله بعناية.
ويصبح هذا أخطر في ظل ما تمر به مصر اليوم من ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة، حيث يصبح المجتمع أكثر قابلية لتصديق أي خطاب قائم على الخوف، أو المظلومية، أو الاستثارة العاطفية.
باختصار؛
البشموريون، وفق كثير من المصادر التاريخية، لم يكونوا حركة تحرير وطني، بل جماعة دخلت في تمرد محلي مرتبط بالضرائب والصراع مع الدولة والشعب، واستفادت لفترة من طبيعة الأرض وضعف الدولة. لكن مع استقرار الدولة العباسية، انتهى التمرد كما انتهت عشرات التمردات المشابهة في التاريخ.
أما تحويل تلك الأحداث اليوم إلى أسطورة قومية أو قضية هوية، فذلك يقول الكثير عن حاضرنا… أكثر مما يقول عن الماضي.
المصادر:
الطبري – *تاريخ الرسل والملوك*
المقريزي – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار
ابن تغري بردي – *النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة*
ساويرس بن المقفع– *تاريخ البطاركة*
دراسات حديثة عن ثورات الفلاحين في مصر الإسلامية المبكرة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق