كان في القريةِ ذَكَرٌ فقدَ رجولته…
لا بالمِديةِ وحدها، بل بالخوفِ حين يسكن القلب،
وبالحقدِ حين يعجز الناقص عن احتمال اكتمال غيره،
وبذلك العطب الخفيّ الذي يجعل المرءَ يكره كلَّ قائمٍ وهو منحنٍ.
ثم دارت الأيام،
فجلس المخصيُّ على كرسيِّ حكم القرية.
وما طلب دواءً لعِلّته،
ولا سعى لسترِ عاره،
بل خطر له خاطرُ الطغاة:
أن يجعل النقصَ نظامًا،
والعاهةَ فضيلة،
والخصاءَ “مبدأً للمساواة”.
فصار كلما رأى رجلًا يمشي معتدلَ الهامة،
كأنما تُغرز في صدره شوكة.
وكلما سمع ضحكةً خارجةً من صدرٍ واثق،
تذكّر ما بُتر منه… فاختنق.
فقال لحاشيته:
“لن يهدأ لي بالٌ حتى يصبح الناس جميعًا مثلي؛
فالرجولة خطرٌ على الاستقرار،
والفحولة تمييزٌ يجب اجتثاثه!”
ثم بدأ موسم الخصاء الكبير:
فهذا يُخصى باسم الأمن وحماية الأسرة،
وذاك باسم التقدّم والتحضّر،
وثالث باسم الرحمة والرِّقة،
ورابع حفاظًا على مشاعر المخصيين…
حتى صار العجزُ قانونًا،
وصارت السلامةُ من التهمة أعظمَ من السلامةِ من العار.
ثم وقف يخطب في أهل القرية،
وقد امتلأت عيناه بزهو المنتقم لا هيبة القائد، وقال:
“انظروا…
لم يعد بينكم رجلٌ متسلّط!
ها قد أصبحتم جميعًا متساوين… في الخصاء.”
فضجّ المخصيون بالتصفيق،
أما القرية فصارت تمشي مطأطئة الرأس،
لا نخوةَ تُغضبها،
ولا غيرةَ توقظها،
ولا صوتَ فيها يجرؤ أن يقول: “لا”.
والمضحك المبكي…
أن نفرًا من المخصيين الجدد
صاروا أشدَّ الناس دفاعًا عن السكين،
يهاجمون كلَّ من يذكر شكل الرجولة القديمة،
ويسخرون من كل صدرٍ ما زال فيه قلبٌ لم يُروَّض.
لأن الإنسان إذا طال عليه الذل،
ولبس القيدَ أعوامًا،
أقنع نفسه أن السلاسل زينة،
وأن العبوديةَ نوعٌ من الطمأنينة.
وفي آخر الليل،
كان حاكم القرية الخصي يجلس وحده،
يتأمل القرية الصامتة الخصيّة،
ويبتسم تلك الابتسامة الباردة
التي لا يبتسمها المنتصرون…
بل يبتسمها الحاقدون حين ينجحون أخيرًا
في تشويه كل ما عجزوا عن بلوغه.
فالعاجز لا يقتله نقصُه…
إنما يقتله أن يرى أمامه رجلًا كاملًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق